في الوقت الذي ما زال فيه الفضاء يثير خيال الأدباء والعلماء على حد سواء، يظهر كتاب جديد بعنوان “سبيس تو غرو” «Space to Grow» ليقدّم قراءة مختلفة لهذا العالم البعيد، من زاوية اقتصادية بحتة، تكشف كيف تحوّل الفضاء الخارجي من ساحة تنافس بين القوى العظمى إلى ميدان تجاري مفتوح للشركات الخاصة، تتقاطع فيه المصالح بين الحكومات ورجال الأعمال، في سباق محموم نحو الربح والسيطرة.
يستعرض المؤلفان ماثيو وينزيرل وبريندان روسو، الباحثان في كلية «هارفارد للأعمال»، تاريخ تطور الاقتصاد الفضائي منذ بداياته في ستينيات القرن الماضي، حين كان استكشاف الفضاء مشروعاً قومياً ضخماً تديره الحكومات، وصولاً إلى العصر الحديث الذي أصبحت فيه الشركات الخاصة — وفي مقدمتها «سبيس إكس» — المحرك الرئيسي للابتكار والاستثمار في الفضاء.

السوق المفتوحة
في حقبة الحرب الباردة، كانت برامج الفضاء تجسيداً للقوة الوطنية والعلمية. فقد بلغت تكلفة برنامج الهبوط على القمر أكثر من 4% من الإنفاق الحكومي الأمريكي، في مشروع كانت الدولة توجهه بالكامل.
بيد أن تلك المرحلة كانت مقدمة لتحوّل جذري؛ إذ أدت بيروقراطية وكالة «ناسا» وتباطؤها إلى ولادة جيل جديد من الشركات الخاصة التي رفعت شعار الكفاءة والتكلفة الأقل.
أبرز تلك المحطات كان برنامج الخدمات التجارية للنقل المداري (COTS) عام 2006، الذي منح شركة ناشئة آنذاك تُدعى «سبيس إكس» (قبل أن تصبح شركة عملاقة بعد طرحها في السوق في 2026 بقيمة سوقية تجاوزت تريليوني دولار بعد يومين من طرحها) تمويلاً بقيمة 400 مليون دولار.
لم يكن كثيرون يتوقعون أن تتحوّل تلك المغامرة إلى ثورة حقيقية في النقل الفضائي، إذ انخفضت تكلفة إرسال الكيلوغرام الواحد إلى الفضاء من نحو 90 ألف دولار في عهد المكوك الفضائي إلى أقل من 3 آلاف دولار بحلول عام 2017.
وفي عام 2023 وحده، أطلقت «سبيس إكس» 96 صاروخاً إلى الفضاء، أي ما يعادل أكثر من أربعة أضعاف مجموع الإطلاقات الأمريكية الأخرى، لتستحوذ على 80% من الحمولة الفضائية العالمية في ذلك العام.
هذه الأرقام تعكس التحول العميق من نموذج حكومي إلى نموذج تجاري تنافسي تقوده الشركات، وإن كانت تلك الشركات لا تزال تعتمد على دعم وتمويل حكومي طويل الأمد.
سوق جديدة للبيانات والموارد
الانخفاض الكبير في تكلفة الإطلاق فتح الباب أمام خدمات فضائية تجارية غير مسبوقة.
باتت شركات ناشئة تبيع بيانات مراقبة الأرض للمؤسسات البيئية والحكومات، وتوفر صوراً عالية الدقة لتقييم الكوارث الطبيعية أو تتبع انبعاثات الميثان ومراقبة سفن الصيد غير القانونية.
وحولت هذه الخدمات المدار الأرضي إلى شبكة اقتصادية جديدة تعيد تعريف علاقة الإنسان بالكوكب نفسه.
لكن مع هذا النمو تأتي التحديات. النفايات الفضائية أصبحت مثالاً حياً على «مأساة الموارد المشتركة» في الاقتصاد، إذ يهدد تكدس الأقمار الصناعية غير النشطة مستقبل الملاحة الفضائية، ويجعل بعض المدارات غير صالحة للاستخدام.
من يملك الفضاء؟
وسط ازدياد الحديث عن بعثات القمر والمريخ، تعود الأسئلة القانونية إلى الواجهة: من يملك الفضاء؟ وكيف يمكن تنظيم استغلال موارده؟ فـ«معاهدة الفضاء الخارجي» الموقعة عام 1967 تنص على أن الفضاء هو «ملك للبشرية جمعاء»، لكنها لم تُعدّل منذ ذلك الحين رغم التطورات الهائلة.
اليوم، تخطط كل من الولايات المتحدة والصين لإقامة قواعد دائمة قرب القطب الجنوبي للقمر، حيث تتركز احتياطيات جليدية ضخمة قد تُستخدم لتوليد الوقود. ومع غياب نظام قانوني واضح، يخشى الخبراء من أن يتحول القمر إلى ميدان تنافس اقتصادي وجيوسياسي جديد.
أما في مجال التعدين الفضائي، فقد أثارت واقعة مرور كويكب يُقدّر بأنه يحتوي على معادن قيمتها 130 مليار دولار عام 2013 شهية الشركات والمستثمرين. وفي عام 2015، أقرّ الكونغرس الأمريكي قانون استغلال الموارد الفضائية الذي يمنح الشركات الأمريكية حق تملك المعادن المستخرجة من الكويكبات، مستنداً إلى الفيلسوف جون لوك ونظريته بأن «الملكية تنشأ من الجهد الإنساني في أرض غير مملوكة».
مستقبل غامض
يختتم المؤلفان بالقول إن الفضاء لم يعد مجرد مختبر علمي أو منصة للأحلام البشرية، بل قطاع اقتصادي متكامل يربط بين التكنولوجيا والسياسة والتجارة العالمية. غير أن هذا العالم الجديد لا يعفي الإنسان من التحديات الأخلاقية والبيئية التي يواجهها على الأرض — من حماية الموارد إلى العدالة في توزيع الثروة.
فالفضاء، رغم اتساعه اللامحدود، يعكس في النهاية نفس الصراعات البشرية: بين الطموح والمصلحة، بين الاكتشاف والاستغلال، وبين العلم والمال.
المصدر: فاينانشال تايمز
