اتفاقية التعاون بين سوريا والاتحاد الأوروبي تفتح مرحلة جديدة بعد التحرير

زمن القراءة: 5 دقائق

العالم الاقتصادي- خاص

يمثل قرار الاتحاد الأوروبي إعادة تفعيل اتفاقية التعاون مع سوريا، تحولاً سياسياً واقتصادياً بارزاً، ولا شك في أنه القرار الأهم الذي اتخذه الأوروبيون تجاه سوريا، منذ عام 2011 ، بعد سنوات طويلة من القطيعة والعقوبات والعزلة.

فالقرار لا يقتصر على استئناف التعاون الفني أو توسيع برامج التعافي المبكر، بل يعكس انتقالاً تدريجياً نحو مقاربة أكثر واقعية؛ تقوم على الانخراط الاقتصادي، ودعم الاستقرار، وإعادة بناء الشراكات مع سوريا؛ بعد مرحلة التحرير واستعادة مؤسسات الدولة لجزء كبير من دورها الاقتصادي والخدمي.

هذا التحول يأتي في وقت؛ بدأت فيه سوريا تدخل مرحلة مختلفة؛ عنوانها: إعادة التعافي والتنمية، وتحسين البيئة الاقتصادية، بالتزامن مع عودة النشاط التجاري والإنتاجيتدريجياًفي العديد من المناطق، وبدء اهتمام دولي متزايد بإعادة دمج سوريا في الاقتصاد الإقليمي والدولي.

أوروبا.. قوة اقتصادية عالمية

ويمثل الاتحاد الأوروبي واحدة من أكبر القوى الاقتصادية في العالم، إذ يتجاوز حجم اقتصاده ثمانية عشر تريليون دولار، ويضم سوقاً استهلاكية تتجاوز /450/ مليون مستهلك، إضافة إلى أنه يستحوذ على نحو 15% من التجارة العالمية، كما تتجاوز وارداته السنوية /8/ تريليونات دولار، ما يجعله سوقاً استراتيجية للصادرات والاستثمارات والشراكات التجارية الدولية.

ماذا يعني القرار لسوريا؟

بالنسبة لسوريا، فإن إعادة تفعيل الاتفاقية تعني- عملياً- فتح الباب أمام استئناف التعاون الرسمي مع أوروبا في مجالات: الكهرباء، الطاقة، المياه والصرف الصحي، الصحة، التعليم، البنية التحتية، التحول الرقمي، والإدارة المحلية، كما يسمح القرار بعودة الخبرات التقنية والإدارية الأوروبية، وتوسيع برامج التمويل والتنمية، ودعم مشاريع إعادة التأهيل والخدمات الأساسية.

وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن سوريا تحتاج إلى أكثر من /20/ مليار دولار، خلال السنوات الخمس المقبلة، لإعادة تأهيل الخدمات والبنية التحتية فقط، بينما تتجاوز تقديرات إعادة الإعمار الشاملة مئات مليارات الدولارات على الأمد الطويل، وهو ما يجعل الانفتاح الأوروبي فرصة اقتصادية مهمة لدعم مسار التعافي، وإعادة البناء.

عودة سوريا إلى الأسواق الأوروبية

كان الاتحاد الأوروبي الشريك التجاري الأول لسوريا قبل عام 2011، وكانت الأسواق الأوروبية تستقبل نسبة كبيرة من الصادرات السورية، ولاسيما المنتجات الزراعية والغذائية والنسيجية، واليوم، فإن عودة التعاون تمنح الاقتصاد السوري فرصة لاستعادة جزء من حضوره التصديري، إعادة دمج المنتج السوري في الأسواق العالمية، وتنشيط القطاعات الإنتاجية والزراعية والصناعية.

فرص عمل واستثمارات جديدة

من المتوقع أن ينعكس القرار الأوروبي- بشكل مباشر- على سوق العمل من خلال: توسيع برامج دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، تمويل المبادرات الإنتاجية، وتنفيذ مشاريع تشغيل سريعة؛ يمكن أن توفر آلاف فرص العمل خلال السنوات المقبلة، ولاسيما في قطاعات البناء والطاقة والزراعة والخدمات.

لماذا غيّرت أوروبا موقفها؟

يعكس قرار الاتحاد الأوروبي تحوّلاً في النظرة الأوروبية إلى الواقع السوري بعد التحرير، حيث باتت أوروبا تنظر إلى استقرار سوريا اقتصادياً باعتباره جزءاً من استقرار المنطقة وأمن المتوسط وملفات الهجرة والطاقة، كما تسعى بروكسل إلى استعادة حضورها الاقتصادي والسياسي في المنطقة، بعد سنوات من التراجع، وترك الساحة لقوى دولية وإقليمية أخرى.

ما المطلوب سورياً؟

يبقى نجاح هذه الفرصة مرتبطاً بقدرة سوريا على إدارة الانفتاح الجديد؛ بكفاءة ومرونة، عبر: توجيه التمويل نحو القطاعات المنتجة، تعزيز الشفافية، تحسين البيئة الاستثمارية، تفعيل دور القطاع الخاص، وبناء شراكات اقتصادية متوازنة؛ تحقق مصالح سوريا؛ وتدعم استقرارها الاقتصادي والاجتماعي.

ومن المتوقع أن يسهم الانفتاح الأوروبي في: تعزيز حركة النقل والتبادل التجاري؛ عبر المرافئ والمعابر السورية، ورفع قدرة الشركات المحلية على الوصول إلى الأسواق الخارجية؛ وفق معايير إنتاج وتصدير أكثر تطوراً، وهي قطاعات تمتلك فيها سوريا إمكانات كبيرة غير مستثمرة بالكامل، حتى الآن، وإذا جرى استثمار هذه الفرصة ضمن رؤية اقتصادية واضحة، فقد تتمكن سوريا، خلال السنوات المقبلة، من تحقيق معدلات نمو تدريجية، وتحسين مستوى الخدمات، واستعادة جزء مهم من الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وتوسيع فرص العمل أمام الشباب السوري.

بداية مرحلة جديدة

يمثل قرار الاتحاد الأوروبي، إعادة تفعيل اتفاقية التعاون، بداية مرحلة جديدة في العلاقة بين دمشق وأوروبا، وفرصة حقيقية لسوريا بعد التحرير؛ من أجل استعادة موقعها الاقتصادي، وفتح أبواب جديدة للاستثمار والتجارة والتنمية، والانطلاق نحو اقتصاد أكثر انفتاحاً وقدرة على النمو والاستقرار، خلال السنوات المقبلة.

آخر الأخبار