بين الأسواق الرسمية والموازية.. ظاهرة بنيوية تمس الحياة اليومية والاقتصاد الوطني

زمن القراءة: 4 دقائق

بين الأسواق الرسمية في سوريا والسوق الموازية، يعيش ملايين السوريين يومياً على هامش الاقتصاد الخفي السوري، حيث تمر المحروقات والعملات والسلع عبر قنوات غير رسمية، ويستفيد منها البعض بينما يتحمل المواطن البسيط العبء الأكبر.

ما هو الاقتصاد الخفي؟

يشير أستاذ العلاقات الدولية في كلية الاقتصاد بجامعة اللاذقية الدكتور ذوالفقار عبود، إلى أن الاقتصاد الخفي يعتمد على ممارسة الأنشطة الاقتصادية خارج النظام القانوني، سواء كانت مشروعة وغير مرخصة أو غير مشروعة وإجرامية.

وهي ظاهرة عالمية لا تتأثر بتغير الأنظمة السياسية، بل تتشكل وفق طبيعة المنظومة الاقتصادية وشفافية القوانين وسهولة ممارسة الأعمال.

أسباب انتشار الاقتصاد الخفي في سوريا

وبحسب الدكتور عبود فإن انتشار الاقتصاد الخفي يعود لأسباب وعوامل متعددة منها

العوامل الاقتصادية  كانخفاض القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار في الأسواق الرسمية، وتدهور الأجور في ظل الأزمة المستمرة بالإضافة إلى العوامل السياسية والإدارية، والعقوبات الاقتصادية وقيود الاستيراد تشجع التهريب والتجارة الموازية، وتعقيد إجراءات الترخيص والرسوم الباهظة،  ما يدفع البعض للعمل بدون تصاريح.

كما يشير عبود الى عدد من العوامل المؤسسية التي تساعد على انتشار الاقتصاد الخفي ، كضعف الرقابة وانتشار الفساد يسهل ظهور أنشطة اقتصادية غير قانونية

العلاقة بين الاقتصاد الرسمي والخفي

قد يُنظر إلى الاقتصاد الخفي (الظل) على أنه نقيض الاقتصاد الرسمي، لكنه في الواقع مرتبط به أحياناً بشكل غير معلن، فالسوق السوداء تلبي الحاجة خاصة في السلع الأساسية التي يصعب الحصول عليها رسمياً. كما تؤدي ندرة الأدوية إلى انتشار التهريب للحصول على البدائل، بينما الفساد الإداري يحمي بعض الورش والأسواق غير المرخصة.

تأثير الاقتصاد الخفي على الفئات الاجتماعية

ووفقاً  للدكتور عبود  فإن  أثار الاقتصاد الخفي  على الشرائح الاجتماعية  تتباين ما بين فئة واخرى ،بالنسبة للفقراء:  يشكل وسيلة للبقاء، حيث توفر لهم السلع بأسعار أقل، رغم المخاطر الصحية والقانونية.

أما بالنسبة للأغنياء: فهو فرصة لتعزيز الأرباح وتجاوز القيود، خاصة في تجارة العملة أو استيراد السلع النادرة.

أما بالنسبة للطبقة الوسطى: فيكون الاعتماد الجزئي على السوق غير الرسمي لتخفيف تكاليف المعيشة، مع فرص عمل مرنة لكنها غير مستقرة.

الاقتصاد الخفي والتحول الرقمي

كما يشير الخبير الاقتصادي الى أنه مع توسع الإنترنت والتجارة الرقمية، أصبح جزء كبير من الاقتصاد غير الرسمي يعتمد على: منصات التواصل الاجتماعي للبيع المباشر ، والعملات الرقمية والتحويلات الإلكترونية خارج المصارف الرسمية ، والتكنولوجيا وتوسع الاقتصاد الخفي السوري لكنها قد تساعد لاحقاً في دمج النشاطات غير الرسمية ضمن الاقتصاد الرسمي.

كما يبين عبود أثر الاقتصاد الخفي على المستهلك والدولة فعلى المستهلك:  هناك مخاطر الاحتيال وشراء منتجات ضعيفة الجودة، وصعوبة استرداد الحقوق ، أما على الدولة: خسارة عائدات ضريبية كبيرة وصعوبة تنظيم السوق بشكل فعال.

أما آثاره على الأسواق الرسمية: فيؤدي الى  منافسة غير عادلة، حيث المتاجر المرخصة تتحمل إيجار وضرائب، بينما البائع غير المرخص يبيع بأسعار أقل.

آليات ضبط الاقتصاد الخفي في سوريا

تطبيق الضرائب الرقمية ومراقبة التهرب الضريبي، وتعزيز الشفافية وحماية المستهلك، واستخدام الذكاء الاصطناعي لمتابعة السوق وتحليل البيانات لمنع الاحتيال.

بعض الإيجابيات المؤقتة

وبالرغم  من سلبيات  الاقتصاد الخفي إلا  ان الدكتور عبود  يشير الى أن الاقتصاد الخفي السوري يوفر فرص عمل مؤقتة و يقوم بتأمين السلع الأساسية في أوقات الأزمات، كما يمنح مرونة اقتصادية لمواجهة الصعوبات، لكنها محفوفة بالمخاطر القانونية والاجتماعية.

وبالتالي أصبح الاقتصاد الخفي في سوريا ظاهرة بنيوية تمس الحياة اليومية والاقتصاد الوطني، وأي محاولة لإعادة بناء الاقتصاد السوري لن تنجح دون فهم ديناميكياته ودمجه تدريجياً ضمن السياسات الاقتصادية الرسمية.

إن الاقتصاد الخفي في سوريا لم يعد مجرد نتيجة للحرب أو العقوبات، بل أصبح ظاهرة بنيوية تفرض نفسها على الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وهو اقتصاد نشأ من الضرورة، وينمو وسط الفوضى، ويستمر على حساب الدولة والمجتمع.

وأي محاولة لإعادة بناء الاقتصاد السوري لا يمكن أن تنجح دون فهم ديناميكيات اقتصاد الظل ودمجه ضمن السياسات الاقتصادية

آلاء هشام عقدة

المصدر: الحرية

آخر الأخبار