الاقتصاد الرقمي.. فجوة واسعة وفرص واعدة للتحول والنمو

زمن القراءة: 13 دقائق

يشهد العالم اليوم تحولات اقتصادية عميقة تقودها الثورة الرقمية والتطورات المتسارعة في تقنيات الاتصالات والمعلومات، إذ أصبحت البيانات والمعرفة والتكنولوجيا من أهم عناصر الإنتاج والثروة في القرن الحادي والعشرين.

وفي ظل هذه التحولات، بات الاقتصاد الرقمي ضرورة استراتيجية للدول الساعية إلى تعزيز تنافسيتها وتحقيق معدلات نمو مستدامة وخلق فرص عمل جديدة، ومن هذا المنطلق تبرز أهمية دراسة واقع الاقتصاد الرقمي في سوريا، والتحديات التي تواجهه، والفرص المتاحة أمامه خلال المرحلة المقبلة.

ويشير الاقتصاد الرقمي إلى منظومة اقتصادية تعتمد على توظيف التقنيات الرقمية في مختلف مراحل الإنتاج والتبادل والخدمات، بدءاً من توليد البيانات ومعالجتها وصولاً إلى تقديم المنتجات والخدمات عبر المنصات الإلكترونية.

ويقوم هذا الاقتصاد على البنية التحتية للاتصالات والإنترنت، إضافة إلى أدوات البرمجيات والأنظمة الذكية التي تسهم في تحسين الكفاءة وتسريع العمليات الاقتصادية.

ويكتسب الاقتصاد الرقمي أهمية متزايدة لكونه يعيد تشكيل أنماط العمل والإنتاج والتجارة، حيث يتيح فرصاً واسعة لتوسيع الأسواق وتقليل التكاليف وتعزيز الابتكار، كما يسهم في خلق وظائف جديدة قائمة على المهارات الرقمية، ويفتح المجال أمام دمج الاقتصادات المحلية في الأسواق العالمية بشكل أكثر مرونة وتنافسية.

وقال وزير الاتصالات وتقانة المعلومات عبد السلام هيكل، في تصريحات سابقة: إن سوريا تسير تدريجياً نحو اقتصاد رقمي عالمي يدعم التنمية ويواكب متطلبات الحياة الحديثة، مؤكداً أن التقنيات المالية الحديثة أصبحت ضرورة لتطوير الاقتصاد وتحسين الخدمات ورفع كفاءة المعاملات اليومية.

كما أكد أن الوزارة تعمل على مشاريع استراتيجية تهدف إلى تحويل سوريا إلى مركز رقمي عالمي، وإعادة بناء البنية التحتية للاتصالات بما يتوافق مع متطلبات الاقتصاد الحديث.

وتواصلت صحيفة “الثورة السورية” مع وزارة الاتصالات للوقوف على خططها وأبرز المشاريع المنفذة أو قيد التنفيذ، إلا أنها لم تتلقَّ رداً.

ويؤكد الخبير الاقتصادي الدكتور أحمد عبد الرزاق الضحيك أن الاقتصاد الرقمي بات أحد المحركات الرئيسة للنمو الاقتصادي في العالم المعاصر، مشيراً إلى أن الاقتصاد العالمي يشهد تحولاً متسارعاً نحو الرقمنة، حيث تساهم الأنشطة الرقمية اليوم بما يقارب 15 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، مع توقعات بارتفاع هذه النسبة إلى أكثر من 20 بالمئة بحلول عام 2030.

في المقابل، لا تزال مساهمة الاقتصاد الرقمي في سوريا محدودة جداً، إذ تُقدَّر وفق تقديرات غير رسمية بنحو 1.5-2 بالمئة فقط من الناتج المحلي الإجمالي، ما يعكس وجود فجوة كبيرة مقارنة بالاقتصادات الإقليمية والدولية، غير أنها في الوقت نفسه تمثل فرصة استثنائية لتحقيق نمو سريع إذا ما تم استثمارها بالشكل الصحيح.

رافعة للنمو والتشغيل

تعدّ قضية التشغيل وخلق فرص العمل من أبرز التحديات الاقتصادية التي تواجه العديد من الدول النامية، لا سيما تلك التي تمر بمراحل إعادة البناء والتعافي الاقتصادي، وفي هذا السياق يبرز الاقتصاد الرقمي كأحد أكثر القطاعات قدرة على استيعاب الطاقات البشرية الشابة وفتح آفاق جديدة للإنتاج والعمل والدخل، مستفيداً من التطورات التكنولوجية المتسارعة والتحول نحو اقتصاد المعرفة.

ويقول الضحيك لصحيفة “الثورة السورية”: إن الاقتصاد الرقمي يمتلك قدرة استثنائية على خلق فرص العمل وتحفيز النمو الاقتصادي مقارنة بالعديد من القطاعات التقليدية، ففي ظل محدودية قدرة القطاعات الإنتاجية التقليدية على استيعاب الأعداد المتزايدة من الباحثين عن العمل، تبرز الصناعات الرقمية وتكنولوجيا المعلومات كمسار واعد قادر على توفير وظائف نوعية وذات قيمة مضافة مرتفعة.

ويضيف أن التجارب الدولية والإقليمية تشير إلى أن كل مليون دولار يتم استثماره في قطاع تكنولوجيا المعلومات يمكن أن يسهم في خلق ما بين 30 و50 فرصة عمل مباشرة، فضلاً عن فرص العمل غير المباشرة المرتبطة بها، كما يمكن لسوريا، في حال تهيئة البيئة المناسبة للاستثمار الرقمي، أن تولد ما بين 75 ألفاً و120 ألف فرصة عمل رقمية خلال فترة تتراوح بين خمس وسبع سنوات.

ويشير الخبير الضحيك إلى أن قطاع العمل الحر والخدمات الرقمية العابرة للحدود يمثل فرصة كبيرة للاقتصاد السوري، إذ يمكن لهذا القطاع وحده أن يوفر تدفقات سنوية من العملات الأجنبية تتراوح بين 200 و400 مليون دولار، في حال تم تجاوز العقبات المتعلقة بأنظمة الدفع والتحويلات المالية الدولية والوصول إلى الأسواق العالمية، كما أن الاقتصاد الرقمي قادر على رفع معدلات النمو الاقتصادي بنحو نقطتين إلى ثلاث نقاط مئوية سنوياً، من خلال تعزيز الإنتاجية وخفض تكاليف المعاملات وتحسين كفاءة الأسواق.

ويؤكد أن التحول الرقمي في سوريا ما زال يواجه مجموعة من التحديات البنيوية التي تحد من سرعة تطوره وقدرته على التوسع، ويأتي في مقدمة هذه التحديات واقع البنية التحتية الرقمية، إذ لا تزال سرعات الإنترنت متواضعة مقارنة بالدول المجاورة، حيث يتراوح متوسط السرعة بين 5 و10 (ميغابت) في الثانية فقط، بينما تصل في العديد من دول الخليج إلى أكثر من 150 أو 250 (ميغابت) في الثانية.

كما أن مشكلة الكهرباء تشكل أحد أكبر العوائق أمام نمو الاقتصاد الرقمي، إذ تؤدي الانقطاعات المتكررة إلى تراجع الإنتاجية وارتفاع تكاليف التشغيل، وقد تصل الخسائر الناجمة عنها إلى نحو 40 بالمئة من الطاقة الإنتاجية للعاملين في بعض الأنشطة الرقمية، وفق الضحيك.

ويلفت أيضاً إلى أن محدودية أنظمة الدفع الإلكتروني والتحويلات المالية الدولية تحرم آلاف الشباب السوريين من الاستفادة الكاملة من الفرص المتاحة في الاقتصاد الرقمي العالمي، في حين إن ضعف المهارات الرقمية لدى نسبة كبيرة من الخريجين يمثل تحدياً إضافياً يتطلب استثمارات أكبر في التدريب والتعليم التقني والمهني.

فجوة رقمية

تساعد المقارنات الإقليمية في قياس مستوى التقدم الرقمي وتحديد مواقع القوة والضعف في الاقتصادات الوطنية، كما تتيح الاستفادة من التجارب الناجحة للدول المجاورة في بناء استراتيجيات أكثر فاعلية للتنمية الرقمية.

ومن خلال مقارنة الواقع السوري بعدد من الاقتصادات العربية المتقدمة رقمياً، يمكن استشراف حجم التحديات وفرص التطور المتاحة.

وفي هذا الإطار، يشير الضحيك إلى أن المقارنة مع دول المنطقة تظهر حجم الفجوة الرقمية التي تفصل سوريا عن الاقتصادات المتقدمة إقليمياً، ففي دولة الإمارات العربية المتحدة تجاوزت مساهمة الاقتصاد الرقمي 10-12 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، مدعومة باستثمارات سنوية تتجاوز 20 مليار دولار، وبنية تحتية رقمية تُعد من بين الأفضل عالمياً.

ويضيف أن المملكة العربية السعودية نجحت في رفع مساهمة الاقتصاد الرقمي إلى نحو 8-10 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، مدفوعة باستثمارات ضخمة ضمن رؤية 2030 تجاوزت عشرات المليارات من الدولارات في قطاعات التكنولوجيا والابتكار والتحول الرقمي.

كما يوضح أن الأردن استطاع بناء قطاع رقمي متطور يسهم بما يقارب 4-5 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، مع صادرات رقمية تتجاوز 1.5 مليار دولار سنوياً، أما سوريا فلا تزال مساهمة الاقتصاد الرقمي فيها دون مستوى 2 بالمئة، غير أن انخفاض تكلفة الموارد البشرية بنسبة تتراوح بين 60 و70 بالمئة مقارنة بالعديد من دول المنطقة يمنحها ميزة تنافسية مهمة يمكن البناء عليها مستقبلاً.

القطاعات الرقمية الواعدة

تمثل القطاعات الرقمية الحديثة أحد أهم مصادر النمو الاقتصادي في العالم، حيث تتيح فرصاً واسعة للاستثمار والتصدير وتوليد فرص العمل، كما تتميز بقدرتها على تجاوز القيود الجغرافية والوصول إلى الأسواق العالمية.

وتبرز في سوريا مجموعة من الأنشطة الرقمية التي يمكن أن تشكل قاعدة انطلاق لاقتصاد أكثر تنوعاً وتنافسية خلال السنوات القادمة.

ويرى الضحيك أن هناك عدداً من القطاعات الرقمية القادرة على تحقيق نتائج سريعة ومؤثرة في الاقتصاد السوري خلال السنوات المقبلة، وفي مقدمتها قطاع البرمجيات وخدمات التعهيد (Outsourcing)، الذي يمتلك القدرة على تحقيق صادرات رقمية تتراوح بين 500 مليون ومليار دولار سنوياً خلال العقد القادم.

ويلفت إلى أن التعليم الرقمي يمثل فرصة استراتيجية لتحسين جودة التعليم وتوسيع نطاق الوصول إليه وخفض تكاليفه، في حين إن التجارة الإلكترونية يمكن أن تحقق معدلات نمو سنوية تتراوح بين 20 و30 بالمئة، إذا ما تم تطوير الخدمات اللوجستية وتحسين بيئة الدفع الإلكتروني.

ورغم الفرص الكبيرة التي يوفرها الاقتصاد الرقمي، فإن نجاحه يتطلب وجود بنية تحتية متطورة وبيئة تنظيمية داعمة ومجموعة من المقومات الفنية والمالية والمؤسسية، ولذلك فإن تقييم واقع الاقتصاد الرقمي في سوريا يقتضي الوقوف عند أبرز العقبات التي تحد من تطوره وتؤثر في قدرته على المنافسة إقليمياً ودولياً.

ويؤكد الضحيك أن قطاع التكنولوجيا المالية والخدمات المالية الرقمية يعد من أكثر القطاعات الواعدة، نظراً لدوره في رفع مستويات الشمول المالي وتوسيع الوصول إلى الخدمات المصرفية والمالية الحديثة، بما ينعكس إيجاباً على النشاط الاقتصادي والاستثماري.

البيئة التشريعية المطلوبة

لا يمكن لأي اقتصاد رقمي أن يحقق النجاح والاستدامة من دون إطار قانوني وتنظيمي حديث يواكب التطورات التكنولوجية المتسارعة، ويوفر الثقة للمستثمرين والشركات والمستهلكين، كما أن التشريعات الحديثة تشكل عاملاً أساسياً في حماية البيانات وتنظيم المعاملات الرقمية وتعزيز الابتكار وريادة الأعمال.

ويشدد الضحيك على أن الاقتصاد الرقمي لا يمكن أن ينمو بصورة مستدامة من دون وجود بيئة تشريعية وتنظيمية حديثة تواكب التحولات العالمية، مؤكداً ضرورة تحديث القوانين المرتبطة بالتجارة الإلكترونية وحماية البيانات والأمن السيبراني، ووضع إطار قانوني واضح للعمل الحر والعمل عن بعد.

ويشير إلى أن تقديم إعفاءات ضريبية مرحلية للشركات الناشئة، وتبسيط إجراءات تأسيس الشركات الرقمية، وإنشاء صناديق محلية لرأس المال المخاطر، تمثل خطوات أساسية لدعم منظومة الابتكار وريادة الأعمال في سوريا.

رؤية مستقبلية

يتطلب تحويل الاقتصاد الرقمي إلى رافعة حقيقية للنمو الاقتصادي إطلاق برنامج وطني شامل للتحول الرقمي يمتد لعدة سنوات ويعتمد على أهداف واضحة وقابلة للقياس، وفق الضحيك.

ويقترح تخصيص استثمارات سنوية تتراوح بين 200 و300 مليون دولار لتطوير البنية التحتية الرقمية وتوسيع نطاق الإنترنت عالي السرعة ليشمل ما لا يقل عن 70 بالمئة من السكان.

ويضيف أن بناء نظام دفع رقمي متكامل وربط السوق السورية بالأسواق الخارجية يمثل أولوية اقتصادية مهمة، إلى جانب تدريب ما لا يقل عن 100 ألف شاب سنوياً على المهارات الرقمية المطلوبة عالمياً، وإنشاء مناطق تكنولوجية متخصصة توفر بيئة جاذبة للاستثمار المحلي والأجنبي.

ويشدد الضحيك على أن الاقتصاد الرقمي يمثل أحد أهم الفرص الاستراتيجية المتاحة أمام سوريا خلال المرحلة المقبلة، ويقول إن البلاد تمتلك كفاءات بشرية واعدة وميزة تنافسية مرتبطة بانخفاض تكاليف الموارد البشرية، ما يمنحها فرصة حقيقية لتحقيق قفزة نوعية في هذا القطاع، شريطة وجود رؤية وطنية واضحة وقرارات جريئة وسريعة تضع الاقتصاد الرقمي في صميم عملية التنمية وإعادة بناء الاقتصاد على أسس أكثر حداثة وتنافسية واستدامة.

وكانت وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات، أوضحت في تصريح سابق، أن الاستراتيجية الوطنية للتحول الرقمي للخدمات الحكومية المعتمدة حالياً تمتد حتى عام 2030، ويتم العمل على تعديلها لإعادة إقرارها حيث ترتكز على ثلاث مراحل زمنية رئيسة:

– المرحلة الأولى “التأسيسية”: وتشمل استكمال البنى الداعمة والبنى التحتية وتوفير مصادر المعلومات من خلال استكمال السجلات الوطنية، إلى جانب وضع الأطر التشريعية والسياسية.
– المرحلة الثانية (2025-2027): وهي مرحلة الانتقال لخدمات تفاعلية، والتي يجري العمل عليها حالياً وتتضمن استثمار البنى الداعمة وربط قواعد البيانات، وتقديم خدمات رقمية متكاملة تتمحور حول احتياجات المواطن.
– المرحلة الثالثة (2027-2030): وهي مرحلة التحول الرقمي المتكامل ويتم خلالها قطف النتائج، والتركيز على تحليل البيانات لدعم اتخاذ القرار.

وفي سياق تسريع التحول الرقمي، أطلقت وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات مشروع “سيلك لينك”، الذي يُنظر إليه باعتباره أحد أكبر المشاريع الاستراتيجية في قطاع الاتصالات خلال المرحلة الراهنة. ويستهدف المشروع إعادة تموضع سوريا على خريطة الربط الرقمي الإقليمي عبر إنشاء ممر متطور لنقل البيانات بين آسيا وأوروبا، مستنداً إلى شبكة ألياف ضوئية يتجاوز طولها 4500 كيلومتر. وتتولى مجموعة “إس.تي.سي” السعودية تنفيذ المشروع باستثمار يفوق 3 مليارات ريال سعودي (نحو 800 مليون دولار).

وبالتوازي مع تطوير البنية التحتية الرقمية، تتجه الحكومة نحو توسيع استخدام الخدمات المالية الإلكترونية عبر مشروع الدفع الإلكتروني، في خطوة تستهدف تقليص الاعتماد على النقد وتعزيز كفاءة المعاملات المالية. ويأتي المشروع ضمن مسار التحول الرقمي المالي، بالتعاون مع شركات متخصصة في تقنيات المدفوعات، بما يمهد لبيئة اقتصادية أكثر ارتباطاً بالتقنيات الحديثة والخدمات الرقمية.

رولا عيسى

المصدر: الثورة السورية

آخر الأخبار