العالم الاقتصادي- خاص- روعة غنم:
شكل المرسوم رقم 110 لعام 2026 ، المتضمن “جدول التعرفة الجمركية المتناسقة”، تحولاً جديداً في آلية احتساب الرسوم الجمركية على السيارات وآليات النقل، بعد الانتقال من نظام الرسوم الثابتة بالدولار إلى نظام يعتمد نسباً مئوية من قيمة الفاتورة التجارية، في خطوة تهدف إلى إعادة تنظيم السوق، وربط الرسوم بالقيمة الفعلية للمركبات.
وتراوحت الرسوم الجديدة بين 5 و20 بالمئة لمعظم فئات السيارات، مع منح السيارات الكهربائية والجرارات الزراعية نسباً مخفّضة مقارنة ببعض الفئات الأخرى، ما فتح باب النقاش بشأن انعكاسات القرار على أسعار السيارات، وحركة الاستيراد، وإيرادات الجمارك، إضافة إلى تأثيره في قطاعات النقل والزراعة.
وفي حوار مع مجلة “العالم الاقتصادي”، قدّم الباحث الاقتصادي ورئيس مجلس النهضة السوري- عامر ديب، قراءة لواقع الرسوم الجديدة وانعكاساتها المحتملة على السوق السورية خلال المرحلة المقبلة.
* بعد اعتماد رسم جمركي بنسبة 20 بالمئة على السيارات السياحية، كم يمكن أن ترتفع أو تنخفض أسعار السيارات مقارنة بالنظام المعمول به في السابق الذي كان يفرض رسوماً ثابتة بين 1000 و2500 دولار؟
** إن “ارتفاع أو انخفاض” أسعار السيارات بعد تعديل الرسوم الجمركية ليس دقيقاً بشكل كامل، لأن ما جرى فعلياً هو إعادة تنظيم للهيكل الجمركي بما يحقق عدالة أكبر بين أنواع السيارات وقيمها الحقيقية.
إن نظام العمل السابق كان يفرض رسوماً مقطوعة على السيارات بغض النظر عن قيمتها، وهو ما اعتُبر غير عادل، إذ لا يمكن مساواة سيارة موديل 2025 تبلغ قيمتها نحو 13 ألف دولار بسيارة فاخرة مثل “جي إم سي” أو “نيسان باترول” قد تصل قيمتها إلى 80 ألف دولار، مع فرض الرسم ذاته عليهما.
اعتماد الرسوم كنسبة من قيمة الفاتورة يخلق توازناً أكبر، فمثلاً السيارة التي تبلغ قيمتها 13 ألف دولار وتُفرض عليها رسوم بنسبة 10 بالمئة ستدفع نحو 1300 دولار فقط، بينما كانت سابقاً تخضع لرسوم مقطوعة قد تصل إلى 2500 أو 3000 دولار.
* السيارات الكهربائية أصبحت تخضع لرسم 10 بالمئة فقط، هل يمكن أن يؤدي ذلك إلى زيادة استيرادها بنسبة معينة خلال الفترة المقبلة، وما الحصة التي قد تستحوذ عليها من السوق؟
** إن اعتماد رسم جمركي بنسبة 10 بالمئة فقط على السيارات الكهربائية يُعد خطوة إيجابية ومؤشراً إلى توجه أكثر عدالة في تنظيم قطاع النقل، مقارنة بالمرحلة السابقة التي كانت تُعامل فيها السيارات الكهربائية والبنزين برسوم متقاربة.
هذا القرار يسهم في خفض أسعار السيارات الكهربائية ودعم انتشارها، على الرغم من أن نسبة الـ10 بالمئة كان يمكن أن تكون أقل، كأن تُخفض إلى 5 بالمئة أو حتى تُعفى هذه السيارات من الرسوم خلال السنة الأولى، بهدف تقديم حوافز حقيقية للنقل الأخضر وتشجيع المواطنين على التحول إليه.
السيارات الكهربائية أصبحت اليوم من أساسيات التنمية الاقتصادية والتنمية المجتمعية في كثير من دول العالم، لكونها لا تعتمد بشكل كلي أو جزئي على الوقود الأحفوري، فسيارات “الهايبرد” و”البلاگ إن هايبرد” لا تُصنف كسيارات كهربائية كاملة، بل تُعد سيارات موفرة للطاقة فقط.
وإن إعادة تنظيم الرسم الجمركي بهذه النسبة تمنح السوق قدراً أكبر من العدالة الاقتصادية، وتشكّل دعماً واضحاً لقطاع السيارات الكهربائية في سوريا خلال المرحلة المقبلة.
إضافة إلى أن تشجيع تجميع السيارات الكهربائية محلياً يجب أن يكون أولوية لدى الحكومة، من خلال تقديم إعفاءات ضريبية، وتنظيم الاستيراد العددي، بما يسهم في دعم الصناعة المحلية، وتطوير حلول اقتصادية مستدامة في قطاع النقل.
* مع تخفيض رسوم الجرارات الزراعية إلى 5 بالمئة، ما نسبة الانخفاض المتوقعة في تكاليف استيراد المعدات الزراعية، وهل سينعكس ذلك على أسعار الإنتاج الزراعي؟
** إن تخفيض الرسوم الجمركية على الجرارات الزراعية إلى 5 بالمئة يشكّل دعماً كبيراً لقطاع الزراعة، ويسهم في تخفيف تكاليف استيراد المعدات والآليات الزراعية مقارنة بالسابق، هذا التخفيض قد يساعد في تنشيط القطاع الزراعي، وزيادة القدرة على إدخال جرارات حديثة، إلا أنها ستبقى مرتفعة التكلفة بالنسبة لكثير من المزارعين، بسبب تراجع الدخول، وضعف الإنتاج الزراعي خلال السنوات الماضية، كما أن تحقيق نتائج ملموسة يتطلب تدخل البنوك والمصارف، ولاسيما المصرف الزراعي، من خلال تقديم قروض ميسّرة أو من دون فوائد لتمويل شراء الجرارات والآليات الزراعية، فالجمع بين تخفيض الرسوم وتوفير التمويل الزراعي، من شأنه أن يسهم في: زيادة المساحات المزروعة، ورفع حجم الإنتاج الزراعي خلال المرحلة المقبلة.
*هل اعتماد الرسوم على قيمة الفاتورة سيزيد إيرادات الجمارك، وما النسبة المتوقعة لزيادة الإيرادات مقارنة بنظام العمل القديم؟
** إن نجاح اعتماد الرسوم الجمركية على “قيمة الفاتورة” يرتبط بالمعايير التي ستُعتمد لتحديد القيمة الحقيقية للسيارات، متسائلاً عمّا إذا كانت الجمارك ستقبل أي فاتورة يقدمها التاجر، أم ستكون هناك آلية تسعير واضحة ومعتمدة؟، المشكلة الأساسية تكمن في غياب التفاصيل التنفيذية للمرسوم حتى الآن، لافتاً إلى أهمية الاستفادة من خبرات المختصين في هذا الملف، لاسيما أن معظم التجار لن يقدموا القيمة الحقيقية الكاملة للسيارات في الفواتير التجارية.
إن أسعار السيارات لا ترتبط فقط بسعر الشراء، بل تشمل أيضاً تكاليف الشحن التي تتراوح بين 650 و2000 دولار بحسب حجم السيارة وطريقة النقل، موضحاً أن نحو 70 إلى 80 بالمئة من السيارات الداخلة إلى سوريا تصل عبر (الأردن أو تركيا ومعبر باب الهوى)، وليس بشكل مباشر من بلد المنشأ.
سوريا سبق أن اعتمدت خلال عامي 2008 و2009 آلية مشابهة تقوم على الفاتورة، إلى جانب وجود تسعيرة جمركية محددة لكل فئة من السيارات بحسب سعة المحرك، سواء للسيارات ذات المحركات الصغيرة أو المتوسطة أو الكبيرة.
المرسوم الجديد قد يسهم فعلياً في خفض أسعار السيارات المتوسطة والصغيرة، لكنه يحتاج إلى آليات رقابة وتسعير دقيقة من أجل: ضمان عدالة التطبيق، وزيادة إيرادات الجمارك بشكل حقيقي.
* برأيكم، ما نسبة تأثير الرسوم الجديدة في حركة سوق السيارات بسوريا، وهل نتوقع زيادة في المبيعات أم تراجعاً خلال المرحلة الأولى من التطبيق؟
** الرسوم الجديدة ستؤثر في سوق السيارات من الناحية التنظيمية في الدرجة الأولى، عبر إعادة صياغة النظام الجمركي والضرائب المفروضة على المركبات وفق قيمتها الفعلية، التأثير سيختلف بين فئات السيارات، إذ يُتوقع أن تنخفض الرسوم على السيارات الصغيرة والمتوسطة والشعبية، مقابل ارتفاعها على السيارات الفاخرة ومرتفعة الثمن، فعلى سبيل المثال، السيارة التي تبلغ قيمتها 50 ألف دولار قد تُفرض عليها رسوم بنسبة 20 بالمئة، أي ما يعادل 10 آلاف دولار، إضافة إلى هامش ربح التاجر وتكاليف الشحن والنفقات الأخرى.
تنظيم السوق لا يمكن أن يتحقق عبر قرار جمركي واحد فقط، بل يحتاج إلى قرارات وإجراءات إضافية لضبط سوق السيارات، والحد من حالة العشوائية والفوضى الموجودة حالياً، لافتاً إلى أنه تم سابقاً تقديم عدة مقترحات تتعلق بتنظيم القطاع، إلا أنها لم تُعتمد حتى الآن.
وفيما يتعلق بحركة المبيعات، فإن السوق تشهد حالياً حالة من الركود والتراجع، نتيجة تشبع السوق خلال الفترة الماضية، إن حجم المبيعات اليوم أقل مقارنة بالفترة التي أعقبت سقوط النظام المخلوع، والتي شهدت نشاطاً أكبر في حركة شراء السيارات واستيرادها..هناك فوضى في قطاع السيارات تحتاج إلى تنظيم وضبط أكبر خلال المرحلة المقبلة.
ختاماً
وفي ظل التحولات الجديدة في آلية الرسوم الجمركية، يبقى نجاح تطبيق المرسوم مرتبطاً بوضوح آليات التنفيذ والرقابة، ومدى قدرة القرارات المقبلة على تنظيم سوق السيارات، وتحقيق توازن بين دعم الإيرادات وتنشيط الحركة الاقتصادية.
