عاد الحديث عن مشاريع الربط الإقليمي إلى الواجهة في لحظة شديدة الحساسية بالنسبة لسوريا. فبعد سنوات طويلة من القصف وتضرر البنية التحتية وتراجع القدرة الإنتاجية، لم يعد التعافي الاقتصادي مرتبطاً بإعادة البناء المادي فقط، إنما بقدرة البلاد على استعادة وظائفها الاقتصادية داخل الإقليم. ومن هذه الزاوية، تبدو مبادرة “البحار الأربعة” ومشاريع الربط البري والسككي والطاقة مدخلاً مهماً لإعادة طرح دور سوريا في محيطها، كجزء محتمل من شبكة تجارة ونقل وخدمات يمكن أن تسهم في تحريك الاقتصاد المحلي.
وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية في ضوء فجوة إعادة الإعمار الكبيرة. فقد قدّر البنك الدولي كلفة إعادة بناء الأصول المادية المتضررة في سوريا بنحو 216 مليار دولار، منها 82 مليار دولار للبنية التحتية وحدها. ويكشف هذا الرقم حجم التحدي، لكنه يشير أيضاً إلى محدودية الاعتماد على التمويل التقليدي وحده، فالتعافي يحتاج إلى موارد مستدامة ومشاريع قادرة على خلق نشاط اقتصادي متكرر، لا إلى تدفقات مؤقتة سرعان ما تنتهي آثارها، وهنا يصبح الموقع الجغرافي السوري أحد الأصول التي يمكن إعادة توظيفها اقتصادياً إذا ارتبط برؤية واضحة للترانزيت والطاقة والخدمات اللوجستية.
لماذا عاد الحديث عن الممرات الآن؟
تأتي عودة النقاش حول الممرات في سياق إقليمي يعيد تقييم طرق التجارة والطاقة. فقد أظهرت السنوات الأخيرة أن الممرات البحرية ونقاط الاختناق التقليدية شديدة التأثر بالتوترات الأمنية والسياسية، وأن كلفة النقل والطاقة يمكن أن ترتفع بسرعة عندما تتعرض هذه الممرات للضغط، لذلك بدأت دول عدة البحث عن مسارات إضافية لا تستبدل الطرق القائمة، لكنها تخفف الاعتماد عليها وتوفر خيارات مساندة في أوقات الأزمات.
وضمن هذا السياق، بدأت تظهر مؤشرات عملية مرتبطة بسوريا، ففي نيسان/أبريل 2026، وقعت سوريا والأردن وتركيا مذكرة تفاهم ثلاثية في قطاع النقل، هدفت إلى بناء نظام نقل إقليمي متكامل، وتسهيل حركة الأشخاص والبضائع، وتعزيز كفاءة سلاسل الإمداد، كما طُرحت دراسات للربط السككي بين السعودية وتركيا عبر الأردن وسوريا، بالتوازي مع مذكرات تعاون سعودية ـ تركية في مجال السكك الحديدية والخدمات اللوجستية، ولا تعني هذه التطورات أن مشاريع الربط أصبحت جاهزة للتنفيذ الشامل، لكنها تؤكد أن موقع سوريا عاد إلى حسابات النقل الإقليمي بعد سنوات من الانقطاع.
ولا تتعلق الأهمية هنا بخط سككي واحد أو مذكرة تفاهم منفصلة، إنما باتجاه أوسع يربط بين التعافي السوري وإعادة تشكيل ممرات التجارة والطاقة في المنطقة، فكل خطوة في النقل والسكك الحديدية والمعابر تفتح نقاشاً حول قدرة سوريا على التقاط جزء من القيمة الاقتصادية التي تنتجها حركة البضائع والخدمات بين الخليج وتركيا والبحر المتوسط.
أين تقع سوريا في هذه الخريطة؟
تمتلك سوريا موقعاً يربط بين أربع دوائر اقتصادية مهمة، فمن الجنوب، تشكل الأردن بوابة باتجاه الخليج، ومن الشمال تمثل تركيا مدخلاً نحو أوروبا والبحر الأسود، ومن الشرق يبقى العراق امتداداً طبيعياً للتجارة والطاقة، بينما يوفر الساحل السوري من الغرب منفذاً على البحر المتوسط، غير أن هذه الأفضلية لا تتحول إلى مكاسب تلقائية، فالاقتصاد لا يكافئ الموقع بذاته، لكنه يكافئ القدرة على تشغيله بكفاءة.
وتبدأ القيمة العملية للموقع من البنية الأساسية؛ فالطريق المؤهل يخفض كلفة النقل، والمعبر المنظم يقلل زمن الانتظار، والرسوم الواضحة تساعد التاجر وشركة النقل على احتساب الكلفة مسبقاً، فيما تجعل الإجراءات الجمركية المبسطة المسار أكثر جاذبية من البدائل الأخرى، وبهذا المعنى، لا يمكن النظر إلى مشاريع الربط على أنها ملفات خارجية أو سياسية فقط، لأنها تمس مباشرة كلفة التجارة الداخلية وأسعار السلع وقدرة المنتج السوري على الوصول إلى الأسواق.
كما أن موقع سوريا لا يرتبط بالترانزيت وحده، فالممرات يمكن أن تعيد تنشيط مدن ومناطق تضررت من الانقطاع، فحلب تمتلك رصيداً صناعياً وموقعاً قريباً من تركيا، بينما يمكن لدمشق وريفها الاستفادة من الربط جنوباً مع الأردن والخليج، كما يمكن للساحل السوري أن يكتسب قيمة أكبر إذا ارتبط بالمرافئ والطرق الداخلية ومراكز التخزين والتوزيع.
ما المكاسب الممكنة لسوريا؟
يتمثل أول مكسب محتمل في إيرادات العبور والترانزيت، لكنها لا تمثل سوى الطبقة الأولى من العائد الاقتصادي، فالاكتفاء برسوم مرور الشاحنات أو البضائع يجعل الأثر محدوداً، بينما يظهر المكسب الحقيقي عندما تتوسع الخدمات المرتبطة بالعبور، مثل التخزين والتبريد والصيانة والتأمين والنقل الداخلي والتخليص الجمركي وإدارة المرافئ الجافة، فهذه الأنشطة تخلق فرص عمل، وتفتح المجال أمام الشركات الصغيرة والمتوسطة، وتربط حركة التجارة الخارجية بالاقتصاد المحلي.
كما يمكن للممرات أن تدعم القطاعات الإنتاجية، فالمزارع يحتاج إلى طرق وأسواق ومراكز تبريد، والصناعي يحتاج إلى كهرباء مستقرة ونقل منتظم وكلفة شحن قابلة للتوقع، والتاجر يحتاج إلى معابر تعمل بكفاءة وإجراءات لا تستهلك الوقت ورأس المال، لذلك فإن تطوير الربط الإقليمي يمكن أن ينعكس إيجاباً على الإنتاج المحلي إذا صُمم بطريقة تربط الطرق بالمدن الصناعية والمناطق الزراعية والمرافئ والأسواق.
وتمثل الطاقة مكسباً إضافياً لا يقل أهمية، إذ إن ضعف الكهرباء وارتفاع كلفة الوقود من أبرز القيود التي تضغط على الصناعة والزراعة والخدمات في سوريا، ويمكن لأي تحسن في الربط الكهربائي أو في تدفقات الطاقة أن يخفض كلفة الإنتاج ويرفع قدرة القطاعات المحلية على العمل، لذلك ينبغي التعامل مع مشاريع النقل والطاقة باعتبارها ملفاً واحداً ضمن استراتيجية التعافي، لأن الطريق من دون طاقة لا يكفي، والطاقة من دون حركة إنتاج وأسواق لا تصنع تعافياً اقتصادياً واسعاً.
ويتطلب تحويل الموقع الجغرافي إلى فرصة للتعافي توافر مجموعة من الشروط الأساسية، ويتمثل الشرط الأول في تأهيل البنية التحتية ذات الأولوية، ولا سيما الطرق الدولية، والمعابر، والمرافئ، وشبكات الكهرباء المرتبطة بالمناطق الاقتصادية، إذ لا تستطيع سوريا أن تنافس كمسار للعبور إذا بقي النقل مكلفاً أو بطيئاً أو غير قابل للتوقع، كما أن أي مشروع ربط لن يحقق أثراً واسعاً إذا ظل منفصلاً عن احتياجات المدن الصناعية والقطاع الزراعي والأسواق المحلية.
أما الشرط الثاني، فيتمثل في إصلاح إدارة المعابر، إذ يحتاج هذا الملف إلى إجراءات جمركية أكثر بساطة، ورسوم معلنة ومستقرة، وتقليص الزمن الإداري، واعتماد نظام واضح للتعامل مع شركات النقل والتجار، فالعبور الناجح يُقاس بسرعة الحركة، ووضوح الكلفة، وانخفاض المخاطر، وكلما ازدادت الضبابية، تراجعت جاذبية الطريق السوري مهما بلغت أهمية موقعه.
ويرتبط الشرط الثالث بتعزيز التنسيق مع دول الجوار، إذ لا يمكن لمشاريع الربط أن تنجح بقرار محلي منفرد، لأنها بطبيعتها عابرة للحدود، ولذلك تحتاج سوريا إلى ترتيبات فنية وقانونية مع الأردن وتركيا والعراق ودول الخليج، تشمل الرسوم، والمعايير، والتأمين، والنقل متعدد الوسائط، وتبادل البيانات، وهذا التنسيق هو الذي يحول الطريق من مقطع محلي إلى جزء من شبكة إقليمية متكاملة.
ويتمثل الشرط الرابع في حسن إدارة العوائد، فمن الضروري ربط أي إيرادات مستقبلية ناتجة عن العبور والخدمات بأعمال صيانة الطرق والمعابر وشبكات الكهرباء والمناطق المحيطة بالممرات، فإذا لم تنعكس هذه العوائد على تطوير البنية التحتية والخدمات، ستبقى الممرات مصدر مالي محدود الأثر، أما إذا وُجه جزء منها لتحسين البيئة الاقتصادية المحلية، فستتحول إلى أداة فاعلة للتعافي.
تحتاج سوريا إلى الانتقال من التفكير بمنطق العبور إلى التفكير بمنطق القيمة المضافة، فمرور البضائع عبر الأراضي السورية قد يحقق رسوماً مالية، لكن بناء منظومة خدمات متكاملة حول هذه الحركة يخلق اقتصاداً أوسع وأكثر استدامة، ويمكن للمرافئ الجافة، ومناطق التخزين، ومراكز التبريد، وشركات النقل، وخدمات الصيانة، ومراكز التوزيع أن تحول الممرات إلى محركات محلية للنشاط الاقتصادي.
ويتطلب هذا التحول وضع خريطة أولويات واضحة، تبدأ بتحديد المعابر الأكثر قابلية للتطوير، والطرق التي تربطها بالمراكز الصناعية والزراعية، والمناطق المناسبة لإنشاء خدمات لوجستية، والقطاعات القادرة على الاستفادة سريعاً من انخفاض كلفة النقل والطاقة، كما ينبغي إشراك القطاع الخاص المحلي في هذه العملية، لأن التعافي لا يمكن أن يقوم على المشاريع المركزية الكبرى وحدها، فشركات النقل والتخزين والتأمين والتبريد والتوزيع قادرة على اقتناص جزء مهم من الفرص التي تتيحها الممرات إذا توفرت لها بيئة مستقرة ومحفزة.
ومن منظور تحليلي، يمكن لسوريا أن تبدأ بخمس خطوات عملية: إعداد خريطة وطنية للممرات ذات الأولوية تربط المعابر بالمدن الصناعية والمرافئ والمناطق الزراعية، وتطوير إدارة المعابر عبر رقمنة الإجراءات وتوحيد الرسوم وتقليص زمن التخليص، وإنشاء مناطق لوجستية ومرافئ جافة على المسارات الأكثر حيوية، وربط مشاريع النقل بملف الطاقة بما يمنح الأولوية للمناطق القادرة على الإنتاج والتشغيل، إضافة إلى تخصيص جزء من عوائد العبور المستقبلية لصيانة الطرق وتحسين الخدمات في المناطق المتصلة بالممرات.
ولا تتطلب هذه الخطوات انتظار اكتمال المشاريع الكبرى، إذ يمكن البدء بتنفيذها تدريجياً وبما يتناسب مع الإمكانات الحالية، فالفرصة تكمن في قدرة سوريا على بناء جاهزية داخلية تجعلها شريكاً موثوقاً في أي مشروع ربط مستقبلي.
وفي النهاية، لا يدور النقاش حول أهمية الموقع السوري، فهذه حقيقة جغرافية معروفة، وإنما حول كيفية إدارة هذا الموقع اقتصادياً، فإذا ارتبطت مشاريع الربط بالإنتاج والطاقة والخدمات وفرص العمل المحلية، يمكن أن يصبح الموقع الجغرافي مدخلاً فعلياً للتعافي الاقتصادي، أما إذا بقيت المسألة عند حدود الخرائط والتصريحات، فستظل سوريا تمتلك فرصة كبيرة غير مستثمرة، في وقت لم يعد فيه الاقتصاد يحتمل مزيداً من الفرص المؤجلة.
نجاح عبد الحليم
المصدر: الثورة السورية
