السعودية والذكاء الاصطناعي في عصر” البريكس”.. شراكات رقمية لعالم متعدد الأقطاب

زمن القراءة: 9 دقائق

بقلم: وليد أبو السل

في عصر التحول الرقمي، أضحى “الذكاء الاصطناعي” أحد أهم أدوات التغيير في السياسات الاقتصادية والتنموية للدول والتكتلات الاقتصادية، هذا التغيير؛ الذي سعت مجموعة دول “البريكس” إلى الاستفادة منه في تعزيز مكانتها العالمية، من خلال الاستثمار في التقنيات الحديثة، ولا سيما “الذكاء الاصطناعي”.

ومع توسع اهتمام الدول من خارج المجموعة؛ برزت “المملكة العربية السعودية” كمؤثر جديد وطموح في هذا المجال، ولاسيما بعد مشاركتها في القمة الأخيرة للمجموعة والتي عقدت منتصف العام الحالي في مدينة ريو دي جينيرو، حيث أظهرت المملكة استعدادها للتعاون التقني، والمساهمة في تشكيل مستقبل “الذكاء الاصطناعي” عالمياً.

الإطار النظري

تعد مجموعة “البريكس” تحالفاً دولياً ذا طبيعة اقتصادية؛ يضم في عضويته دولاً ناشئةً؛ تسعى لإعادة تشكيل النظام العالمي، بعيداً عن الهيمنة الغربية، من هنا جاءت فكرة تأسيس المجموعة في عام 2006، بتعاون الدول المؤسسة الخمس، وهي البرازيل، وروسيا، والهند، والصين، وجنوب إفريقيا.

ويهدف تعاون المجموعة إلى تعزيز التعاون الاقتصادي والسياسي بين الدول الأعضاء فيها، تحقيق التنمية المستدامة، والسعي إلى تحقيق التوازن في النظام العالمي؛ عبر تقليل الاعتماد على المؤسسات المالية الغربية الكبرى، مثل: “صندوق النقد والبنك الدوليان”.

تشكل دول “البريكس” ما نسبته 45% من سكان العالم و30% من مساحة اليابسة، الأمر الذي يمنحها ثقلاً جيوسياسياً متزايداً؛ يعزز من مكانتها التجارية والاقتصادية؛ ويوسع من العملية الاستثمارية بين أعضائها؛ كما يسهم- بشكل كبير- في تقديم الحلول للقضايا العالمية مثل تغير المناخ، والفقر، وغيرها.

الذكاء الاصطناعي في دول البريكس

دعت مجموعة “البريكس” في اجتماعاتها المتتالية إلى تنظيم استخدام “الذكاء الاصطناعي”، من أجل حماية البيانات والملكية الفكرية، ووضع إطار عالمي عادل؛ يضمن حقوق الأفراد والمبدعين.

ففي قمتها الأخيرة في مدينة ريو دي جينيرو البرازيلية، أبدت مجموعة دول “البريكس” قلقاً متزايداً من الاستخدام غير المنظم للذكاء الاصطناعي، ولاسيما فيما يتعلق بجمع البيانات، واستخدام المحتوى الإبداعي من دون إذن، ولهذه الغاية اتخذت عدة مواقف، أبرزها:

  • الدعوة الى فرض ضوابط صارمة على استخدام البيانات في تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي، مع التأكيد على حماية الخصوصية والملكية الفكرية.
  • المطالبة بوضع إطار عالمي عادل لتنظيم الذكاء الاصطناعي؛ يضمن حقوق صانعي المحتوى؛ ويمنع استغلال أعمالهم من دون ترخيص.
  • الإعراب عن رفضها للاستخدام المفرط للبيانات من قبل شركات التكنولوجيا الكبرى، خصوصاً تلك التي تجمع بين المحتوى الفني والأدبي لتدريب النماذج من دون دفع مقابل أو الحصول على إذن.
  • وضع آليات لسداد مدفوعات عادلة؛ مقابل استخدام المحتوى الإبداعي في تدريب الذكاء الاصطناعي؛ في خطوة تهدف إلى تحقيق العدالة الرقمية.
  • التأكيد على أهمية التعاون الدولي لـ: تفادي الهيمنة التقنية من الدول الغنية، وتعزيز دور الدول النامية في صياغة مستقبل الذكاء الاصطناعي.

قمةالبريكسالأخيرة

عقدت المجموعة آخر قمة لها في عام 2025 في مدينة ريو دي جانيرو البرازيلية يومي 6 و7 تموز تحت شعار: “تعزيز التعاون بين دول الجنوب العالمي لحوكمة أكثر شمولاً واستدامة”، وركزت على مجالات عدة، مثل التعاون الصحي العالمي، والتجارة، والاستثمار، والتغيير المناخي، وحوكمة الذكاء الاصطناعي، وإصلاح هيكل الحوكمة متعدد الأطراف، وقد ترأس الأمير فيصل بن فرحان- وزير الخارجية- وفد المملكة العربية السعودية في القمة السابعة عشرة لمجموعة بريكس، بصفتها “دولة مدعوة للانضمام للمجموعة”.

دور السعودية في الذكاء الاصطناعي

تعدّ “المملكة العربية السعودية” دولة رائدة في مجال الذكاء الاصطناعي، وقد حققت إنجازات بارزة في هذا المجال، منها:

  • الريادة العالمية في الاستراتيجية الحكومية للذكاء الاصطناعي، حيث حصلت المملكة على المركز الأول عالمياً في مؤشر الاستراتيجية الحكومية للذكاء الاصطناعي لعام 2023 وفقاً لمؤشر Tortoise الدولي.
  • عملت المملكة في عام 2019 على تأسيس الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي “سدايا”، والتي تقود: جهود التحول الرقمي، وتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي في المملكة، كما أطلقت بالتعاون مع وزارة التعليم، ووزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية؛ مبادرة وطنية حملت شعار “مليون سعودي للذكاء الاصطناعي- سماي”؛ تهدف إلى تدريب مليون مواطن ومواطنة على المهارات والمعارف المرتبطة بتقنيات الذكاء الاصطناعي؛ دعماً لبناء القدرات الوطنية؛ وتحقيقاً لمستهدفات رؤية السعودية 2030 في هذا المجال.
  • إحداث نموذج “علّام” وهو أول نموذج لغوي توليدي سعودي ناطق باللغة العربية؛ هدفه تعزيز استخدام اللغة العربية الفصحى واللهجات المحلية الأخرى، كما طورت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي “سدايا” لخدمة اللغة العربية، وتعزيز مكانة المملكة في أنظمة الذكاء الاصطناعي.
  • استفادة 81% من الجهات الحكومية السعودية من تقنيات الذكاء الاصطناعي، الأمر الذي يؤكد التكامل بين التقنية والخدمات الحكومية.
  • حظيت المملكة بإشادة دولية من “اليونسكو” بجاهزيتها في تبني الذكاء الاصطناعي، وفقاً للمعايير الأخلاقية العالمية، واعتبارها نموذجاً يحتذى به في هذا المجال.
  • خلال مؤتمر “ليب 2025” تم استعراض القفزات النوعية في الاقتصاد الرقمي العالمي، حيث تستحوذ السعودية على 50% من الاقتصاد الرقمي في المنطقة، من خلال استخدامها لتقنيات الذكاء الاصطناعي والابتكار.
  • حظيت المملكة باستثمارات كبيرة في البنية التحتية والتعاون مع شركات التكنولوجيا العالمية، فساهمت في إطلاق منطقة سحابية عامة ثانية لشركة “أوراكل”، باستثمار بلغت قيمته 1،5 مليار دولار؛ من أجل تعزيز خطة المملكة في الاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي حتى عام 2030.
  • أدرجت المملكة الذكاء الاصطناعي في المناهج التعليمية، بدءاً من العام الدراسي 2025-2026.
  • تسعى المملكة لتكون مصدراً عالمياً للذكاء الاصطناعي، من خلال التركيز على تطبيقاته لخدمة الإنسان، وتقديم حلول تتوافق مع القيم الثقافية للمنطقة، وقد خططت لمستقبل الذكاء الاصطناعي، من خلال إنشاء مبادرة “تجاوز” بقيمة 100 مليار دولار لتطوير التقنية؛ ما ينعكس إيجاباً على ارتفاع الناتج المحلي بنسبة 12% مع حلول عام 2030، وتنظيم قمة البيانات الذكية والذكاء الاصطناعي في الرياض.
  • تدرس المملكة العربية السعودية مجالات التعاون المحتملة بينها وبين مجموعة دول “البريكس” في مجالات الذكاء الاصطناعي، والبيانات، والأمن السيبراني.

آفاق التعاون بين السعودية والبريكس

تلقت المملكة العربية السعودية دعوةً رسميةً للانضمام الى المجموعة في عام 2023، وقد قوبلت الدعوة بترحيب المملكة ابتداءً، إلا أنها مازالت تدرس هذه الدعوة بعناية، وذلك من أجل ضمان توافق انضمامها مع سياساتها الداخلية والتزاماتها الدولية، آخذة في الحسبان إمكانية أن يؤدي هذا التعاون إلى خلق فرص تبادل الخبرات والبيانات؛ بينها وبين دول المجموعة، وخلق شراكة تقنية هدفها تعزيز التكامل الاقتصادي والتنموي.

 نقطة التقاء استراتيجية

يمثل “الذكاء الاصطناعي” نقطة التقاء استراتيجية بين دول “البريكس” و”المملكة العربية السعودية”، وذلك لجهة بناء مستقبل قائم على الابتكار، والتكامل التقني، وما مشاركة المملكة في القمة الأخيرة لـ” البريكس”، ومبادراتها الطموحة في مجال الذكاء الاصطناعي، إلا خطوة في طريق فتح آفاق جديدة للتعاون الدولي، والتأكيد على أن التنمية المستدامة في القرن الحادي والعشرين لن تتحقق، إلا من خلال تحالفات ذكية وتقنيات متقدمة.

 مقترحات

  • السعي إلى إنشاء منصة تقنية مشتركة بين دول “البريكس” والمملكة العربية السعودية؛ هدفها تطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مجالات عدة، إضافة إلى اعتمادها كمركز دولي لـتبادل البيانات والخبرات بين الدول.
  • العمل على تأسيس مجلس تعاون بحثي للذكاء الاصطناعي؛ يضم خبراء من دول مجموعة “البريكس” والمملكة العربية السعودية؛ ويركز بشكل رئيس على الحوكمة الرقمية، والابتكار المسؤول؛ مع مراعاة الجانب الأخلاقي.
  • العمل على إطلاق مبادرة “ذكاء من أجل التنمية”؛ تهدف إلى استخدام الذكاء الاصطناعي لتحقيق أهداف التنمية المستدامة في الدول النامية، على أن يتم تمويلها من بنك التنمية التابع للمجموعة، وبمساهمة من المملكة العربية السعودية.
  • وضع سياسات موحدة لحوكمة الذكاء الاصطناعي، تشمل تنظيم استخدام البيانات، وحماية الخصوصية لتساعد في تسهيل التعاون التقني بين الدول ذات الأنظمة القانونية والاقتصادية المختلفة.
  • تشجيع الاستثمار المشترك بين الشركات التقنية الناشئة، من خلال دعم شركات الذكاء الاصطناعي الناشئة في دول البريكس والسعودية، وتوفير حاضنات أعمال ومسرعات تقنية مشتركة.
  • تنظيم “مؤتمر دولي سنوي” للذكاء الاصطناعي والتنمية في السعودية؛ يجمع الباحثين والمبتكرين وصناع القرار من دول “البريكس” والسعودية؛ يتم خلاله مناقشة التحديات والفرص في استخدام الذكاء الاصطناعي لتحقيق التنمية المستدامة.
  • إدماج الذكاء الاصطناعي في مشاريع البنية التحتية المشتركة، مثل المدن الذكية، شبكات النقل، والطاقة المتجددة؛ في خطوة تهدف إلى تحسين الكفاءة، وتقليل التكاليف.
آخر الأخبار