بين الحرب والسلام .. خريطة الرابحين تتغير في البورصات العالمية

زمن القراءة: 8 دقائق

لم تستغرق رحلة انتقال الرابحين في البورصات العالمية من شركات الدفاع والنفط إلى شركات الرقائق الإلكترونية والشحن البحري سوى نحو مائة يوم، وهي فترة كانت كافية لإعادة رسم واحدة من أسرع خرائط الثروة تغيراً في السنوات الأخيرة.

فبعد اندلاع العمليات العسكرية المفاجئة في منطقة الشرق الأوسط نهاية شباط الماضي، أعادت تلك الحرب رسم خرائط الأسواق المالية بوتيرة سريعة قبل أن تعيد ترتيب أوراقها بعد الاتفاق الذي وقعته الولايات المتحدة مع إيران وانحسار التوترات في المنطقة.

فالمستثمرون الذين هرعوا إلى أسهم شركات الدفاع ومنتجي الطاقة والأصول الآمنة وجدوا أنفسهم فجأة يعيدون تقييم مراكزهم، مع انخفاض أسعار النفط وتحسن مستويات الثقة، وهو ما دفع رؤوس الأموال نحو شركات الطيران والتكنولوجيا والسياحة والقطاعات الدورية.

الملاذات الدفاعية وطفرة الطاقة

عندما اندلعت الأعمال العسكرية نهاية فبراير الماضي تهيأت الأسواق العالمية لأزمة طاقة ممتدة.

وتسبب الإغلاق اللاحق لمضيق هرمز -وهو ممر بحري حيوي يتدفق عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية وأكثر من 17 مليون برميل يومياً- في حدوث صدمات قوية في أسواق السلع الأساسية.

وقفزت أسعار النفط الخام سريعًا متجاوزة عتبة 120 دولارًا أمريكيًا للبرميل، مما شكل حملاً ثقيلاً على الاقتصاد العالمي.

وخلال هذه الفترة، كان الفائزون الواضحون في البورصات العالمية هم شركات النفط الكبرى التقليدية، وتكتلات الصناعات الدفاعية، وصناديق الاستثمار المتداولة العكسية المصممة للربح من تراجع الأسواق الواسعة.

وأدى الارتفاع الحاد في تكاليف النفط إلى تشويه توقعات أرباح الشركات خارج قطاع الطاقة بشكل كبير؛ حيث شهدت شركات الطيران، والمصانع الصناعية، وخطوط الشحن التقليدية ضغوطًا شديدة على هوامش تشغيلها بسبب تصاعد تكاليف الوقود وعلاوات التأمين.

وأدى استمرار الحرب لأكثر من ثلاثة أشهر إلى انحصار مكاسب الأسواق في عدد محدود من أسهم الدفاع والطاقة، بينما تعرضت معظم القطاعات الأخرى لضغوط متزايدة.

ومع بداية اندلاع الحرب أشارت صحيفة وول ستريت جورنال إلى أن سهم آر تي إكس قفز 4.7% في جلسة واحدة، بينما ارتفع سهم نورثروب جرومان 6%، وصعد سهم لوكهيد مارتن 3.3%، وجميعها شركات دفاعية سجلت قممًا سنوية جديدة آنذاك.

كما ارتفع صندوق آي شيرز الأمريكي لقطاع الدفاع والفضاء بنحو 35% مقارنة بالفترة التي أعقبت الضربات الأمريكية على إيران في العام السابق.

إلا أن المكاسب لم تستمر بالزخم نفسه، إذ أشارت رويترز في أبريل الماضي إلى أن مؤشر ناسداك لأسهم شركات الدفاع الذي يضم 34 شركة دفاعية تراجع بنحو 8% خلال مارس، وهو ما عكس قيام المستثمرين بعمليات جني الأرباح بعد موجة الصعود الأولى.

كما حققت شركة راينميتال الألمانية وغيرها من الشركات الأوروبية مكاسب قوية، مع استمرار دول حلف شمال الأطلسي في زيادة ميزانياتها الدفاعية.

وارتفع سهم راينميتال بأكثر من 200% خلال الاثني عشر شهرًا الماضية، مستفيداً من الطفرة التي يشهدها الإنفاق الدفاعي الأوروبي.

وبحسب بيانات حلف شمال الأطلسي، تجاوزت نفقات الدفاع الأوروبية 500 مليار دولار أمريكي خلال 2025، مقارنة بنحو 380 مليار دولار في 2022، وهو ما دعم تقييمات القطاع.

شركات النفط والطاقة استفادت من المخاوف

لا يوجد قطاع يتفاعل مع التوترات في الشرق الأوسط بالسرعة التي يتفاعل بها، وأدت المخاوف من اضطرابات الإمدادات خلال المواجهة العسكرية إلى ارتفاع أسعار النفط، ما دعم شركات الطاقة حول العالم.

واستفادت شركات النفط الكبرى مثل إكسون موبيل وشيفرون وشل من ارتفاع أسعار الخام، كما حظي القطاع بدعم إضافي نتيجة المخاوف من أن تؤدي العقوبات أو اضطرابات الشحن إلى تشديد الإمدادات العالمية.

فمع الإعلان عن اتفاق السلام وعودة الآمال بإعادة فتح مضيق هرمز، انخفض خام برنت بنحو 5% في جلسة واحدة، لتتعرض أسهم شركات الطاقة لضغوط بيعية جديدة.

وتراجع سهم شيفرون بنحو 2.5% وانخفض سهم إكسون موبيل بنحو 3%، في إشارة واضحة إلى أن القطاع الذي استفاد من الحرب كان من أوائل القطاعات التي دفعت ثمن عودة السلام.

نقطة التحول مع اتفاق السلام

ومع بدء توارد الأنباء عن إطار سلام شامل بين الولايات المتحدة وإيران وبدء عودة الملاحة بشكل طبيعي في مضيق هرمز، تراجعت أسعار النفط الخام العالمية إلى نحو 80 دولارًا للبرميل.

وضخ هذا الانخفاض في تكاليف الطاقة موجة هبوطية قوية للتضخم في الاقتصاد العالمي، مما أطلق طفرة صعودية واسعة النطاق لارتياح الأسواق في البورصات الدولية الكبرى.

وفي يوم الإثنين الماضي، ومع اتضاح الشروط الملموسة لإعادة فتح الممرات البحرية، قفز مؤشر إس أند بي 500 بنسبة 1.7%، في حين ارتفع مؤشر ناسداك بنسبة 3.1% في أقوى أداء يومي له منذ أشهر.

وعلى الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، صعد مؤشر ستوكس 600 الأوروبي إلى أعلى مستوى له على الإطلاق مع تبخر التهديد المباشر بأزمة تقنين الطاقة المحلية.

وأشار محللون في مؤسسات مالية دولية إلى أن تراجع مخاطر تعطل الإمدادات العالمية أعاد الثقة في قدرة الشركات متعددة الجنسيات على استعادة هوامش أرباحها، ما ساهم في اتساع موجة الصعود لتشمل قطاعات كانت من أبرز المتضررين خلال أشهر الصراع.

الآثار الارتدادية.. التكنولوجيا والخدمات اللوجستية

برز قطاع التكنولوجيا، وخاصة الشركات المصنعة للأجهزة والذاكرة والرقائق، من بين أبرز المستفيدين من اتفاق الصلح الأخير.

فعلى سبيل المثال، قفزت أسهم شركة تصنيع الذاكرة (ويسترن ديجيتال) بنسبة 16.1% عقب إعلان السلام، وبالمثل، أضافت شركة مايكرون تكنولوجي نسبة 10.9% لقيمة أسهمها.

وامتدت موجة التفاؤل هذه إلى قطاعات اللوجستيات والشحن التجاري؛ إذ أدى استئناف حركة الناقلات التجارية المنتظمة عبر مضيق هرمز إلى خفض أسعار التأمين البحري العالمي، والتي كانت قد ارتفعت بشكل جنوني خلال فترة الحصار المزدوج.

تسبب هذا في ضخ سيولة فورية في شرايين شركات الشحن الكبرى، وهو ما انعكس في قفزة جماعية لمؤشرات قطاع النقل والخدمات اللوجستية في البورصات العالمية.

فعلى سبيل المثال، قفز سهم شركة فرونت لاين العالمية لإدارة ناقلات النفط بنسبة 4.9% في تداولات نيويورك خلال تعاملات يوم الإثنين الماضي.

كما ارتفعت أسهم شركات الطيران الأمريكية بنسب تتراوح ما بين 2 و4% خلال تداولات اليوم نفسه، وسجل سهم شركة دلتا انتعاشًا بنحو 2.3% فيما قفز سهم شركة ساوثويست بقيمة 2.8%.

وفي آسيا ارتفعت أسهم شركات السياحة والطيران الهندية بنسب بلغت 7% خلال تعاملات يوم الإثنين الماضي.

خريطة جديدة تختبر أسس التجارة العالمية

الانتقال من أجواء الحرب للمسار الدبلوماسي لا يعني ببساطة أن الأسواق العالمية ستعود إلى النقطة التي كانت عندها قبل شباط فالأشهر الماضية لم تغيّر أسماء الرابحين فقط، بل أعادت اختبار أسس التجارة العالمية نفسها وأجبرت الاقتصادات الكبرى على التكيف مع واقع جديد.

وخلال أشهر الصراع، دفعت المخاوف المتعلقة بالطاقة وسلاسل الإمداد العديد من الشركات إلى إعادة النظر في شبكات التوريد الخاصة بها، بينما أعادت اضطرابات الشحن والتأمين البحري إحياء النقاش حول أمن الإمدادات وتنويع مصادر المواد الخام والتصنيع.

ومع انحسار التوترات وعودة الملاحة تدريجياً إلى طبيعتها، بدأت الأسواق تراهن على استعادة الشركات متعددة الجنسيات لقدرتها على تحسين هوامش أرباحها وخفض التكاليف التي فرضتها أشهر الاضطراب.

وفي عالم باتت فيه المسافة بين ساحات المعارك وشاشات التداول أقصر من أي وقت مضى، أصبحت خريطة الرابحين أكثر سيولة، وأقل ثباتاً، وأسرع تغيراً.

ولم يعد السؤال المطروح من استفاد من الحرب أو من ربح من السلام، بل من يمتلك القدرة على التكيف مع المرحلة التالية، أياً كانت ملامحها.

المصادر: أرقام- وكالة رويترز- إنفستنج دوت كوم- بلومبرج- ياهو فاينانس- مجلس الذهب العالمي- تقارير حلف شمال الأطلسي- تقارير شركة بلاك روك

آخر الأخبار