نفط إيران وروسيا في خدمة السوق.. هل ينجح ترمب بتهدئة الأسعار؟

زمن القراءة: 9 دقائق
جزيرة خارك في مياه الخليج هي شريان منظومة تصدير النفط الإيراني (رويترز)

تحاول إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تهدئة أسواق النفط العالمية تجاه تداعيات الحرب على إيران، وذلك عبر رفع بعض القيود عن الخام الإيراني المخزن والخام الروسي وضخهما سريعاً في السوق، في خطوة تعكس انتقالاً من سياسة “العقوبات والضغط” إلى سياسة “إدارة الأزمة وتفادي الانفجار السعري”.

فقد أعلنت واشنطن أمس الجمعة إعفاءً من العقوبات لمدة 30 يوما، للسماح ببيع وتداول النفط الخام الإيراني ومشتقاته الموجودة حاليا على متن ناقلات في عرض البحر منذ 20 مارس/ آذار الحالي.
ويأتي هذا القرار -الذي أعلنه وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت– كجزء من إستراتيجية واشنطن لتخفيف ضغوط الإمدادات العالمية المتصاعدة منذ اندلاع المواجهة العسكرية المباشرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى.

وقال الوزير بيسنت في بيان على منصة “أكس”: “من خلال فتح هذا الإمداد الحالي للعالم مؤقتا، ستجلب الولايات المتحدة بسرعة ما يقارب 140 مليون برميل من النفط إلى الأسواق العالمية، مما يوسع كمية الطاقة العالمية، ويساعد في تخفيف الضغوط المؤقتة على العرض التي تسببت فيها إيران”.

وأضاف “سنستخدم البراميل الإيرانية ضد طهران لإبقاء السعر منخفضا بينما نواصل “عملية الغضب الملحمي” وهو الاسم الذي أطلقته الولايات المتحدة على حربها على إيران.

حركة ناقلات النفط الإيراني لم تتعرض لأي مضايقة في مضيق هرمز أو مياه الخليج منذ بدء الحرب (رويترز-أرشيف)

الصين ضمن حسابات أمريكا

وكان بيسنت قد اقترح في وقت سابق هذه الخطوة (إعفاء بيع النفط الإيراني في البحار من العقوبات) كوسيلة لمنع الصين من أن تكون المستفيد الوحيد من النفط الإيراني.

وكانت واشنطن قد خففت سابقا العقوبات على النفط الروسي، ففي 12 مارس/آذار الحالي، سمحت الولايات المتحدة مؤقتا بتسليم وبيع النفط الروسي ومشتقاته الموجود في عرض البحر حتى 11 أبريل/نيسان المقبل

غير أن هذا التوجه من إدارة ترامب يطرح إشكالاً جوهرياً: إلى أي حد يمكن لواشنطن أن تراهن على نفط خصومها (إيران وروسيا) لضبط السوق، دون أن يبدو ذلك اعترافاً عملياً بتآكل فعالية العقوبات، خاصة مع تزامن هذا القرار مع تخفيف العقوبات الأمريكية على النفط الروسي.

هل تكفي لتهدئة الأسواق؟

يرى الخبير في قطاع النفط أحمد النعيمي في تصريح للجزيرة نت إنه أسعار النفط كانت دائما ما تتأثر بمخاوف الأسواق نتيجة أي تطورات جيوسياسية في مناطق إنتاجه، وتُمثل الحرب في منطقة الخليج العربي تهديدا قد يمتد لفترة أطول من المتوقع، في حالة تحققت أسوأ الاحتمالات، وذلك لأهمية مضيق هرمز كمنفذ لصادرات دول الخليج.

وحسب تقدير النعيمي فإن لم يكن لقرار واشنطن تجاه النفط الإيراني والروسي أي تأثير إيجابي في خفض الأسعار لحد الساعة، مشيرا إلى أن السبب ربما راجع لسياسة أكثر الدول المستهلكة للنفط في العالم إلى تخزين النفط، وهو ما زاد من حجم الطلب العالمي.

من ناحية أخرى، يقول محمد رمضان وهو مستشار سابق لوزير المالية الكويتي إن قرار إعفاء الخام الإيراني والروسي من العقوبات الأمريكية هو يخفف فقط النقص في إمدادات أسواق النفط لبضعة أيام لا غير.

ويوضح رمضان بأنه في الوقت الذي تعبر من مضيق هرمز إمدادات من النفط تناهز 20 مليون برميل نفط يوميا، فإن كمية النفط المشمولة بالإعفاء من العقوبات تغطي حاجة السوق لمدة تتراوح بين 10 أيام إلى أسبوعين.

ويتساءل المتحدث نفسه عما إذا هذه المدة كافية لكي يتم إنهاء الحرب الجارية رغم دخولها إلى مرحلة معقدة من التصعيد بين طرفي الحرب.

هل فشلت العقوبات الأمريكية؟

يرى أحمد النعيمي أن الرئيس ترمب يعمل وفق إستراتيجية تتيح له في النهاية خفض الأسعار لأقل من 60 دولار، وهذا سبب محاولته تغيير النظام الإيراني ثم تحرير إنتاج النفط والتي قد تتبعها العراق.

ولهذا -يضيف خبير أسواق النفط – فإن لترمب أولويات وكلفة لتحقيق أهدافه، كما أن هناك مؤشرات على اقتراب الولايات المتحدة من تحقيق فوز كاسح على إيران.

وأما المستشار السابق لوزير المالية الكويتي فيعتقد أنه لا يمكن الجزم بفشل العقوبات الأمريكية في تحجيم عائدات النفط الإيراني والروسي، مشددا على أنه بعد اندلاع الحرب الحالية أصبح ضرر هذه العقوبات الأمريكية أكبر من نفعها، وبالتالي فرفعها في الوقت الحالي سيكون مفيدا في ظل الظروف التي نعيشها على حد قوله.

محمد رمضان: المشكلة ليست في القانون بل في تطبيقه
محمد رمضان: إدارة ترمب تحاول تصحيح نتائج حساباتها الخاطئة التي حكمت قرار شن الحرب على إيران (الجزيرة-أرشيف)

ويخلص محمد رمضان أن هذه الخطوة من الإدارة الأمريكية هي محاولة لتصحيح نتائج الحسابات الخاطئة التي استندت عليها واشنطن لشن حرب بمعية تل أبيب على طهران.

وبخلاف ما ذهب إليه محمد طارق، يرى المتخصص في قطاع الطاقة أنس الحجي أن سياسة العقوبات الأمريكية تجاه النفط الإيراني منيت بالفشل، مضيفا في تدوينة على حسابه على منصة إكس “حتى طالب في الصف الخامس الابتدائي يمكنه ملاحظة التناقض (في سياسة العقوبات) والتساؤل: لماذا انتهت هذه السياسة بالفشل؟”.

“إذن -يضيف أنس الحجي- ما مدى فعالية حملة الضغط الأقصى التي رُوِّج لها كثيرا، والتي كان هدفها إيقاف صادرات النفط الإيرانية تمامًا؟”

إدارة أزمة أم ارتباك إستراتيجي؟

يذهب المستشار السابق لوزير المالية الكويتي أن إدارة ترمب تريد السيطرة على مضيق هرمز ولكن السؤال هل تمتلك المقدرات للقيام بذلك، فهذه مهمة صعبة للغاية، وذلك في ظل الحديث عن احتمال إرسال الولايات المتحدة جنود البحرية الأمريكية (المارينز) والقيام بعملية برية ضد إيران.

وأما الخبير في أسواق الطاقة محمد الحجي فيرى أن ترمب انقلاب في موقفه من النقيض إلى النقيض في ثلاث سياسات وهي: إعفاء النفط الروسي الموجود في البحر، واستثناء النفط الإيراني من العقوبات، والسحب من المخزون النفطي الإستراتيجي للولايات المتحدة وتخفيض مستواه لأدنى حد منذ نهاية السبعينيات، بعد أن وعد الرئيس الأمريكي بملئه بالكامل.

من ناحية أخرى، يوجه ريتشارد نيفيو وهو مسؤول سابق في وزارة الطاقة الأمريكية انتقادا لاذعا لقرار إدارة ترمب الأخير تجاه صادرات النفط الإيرانية، ويقول في تدوينة له على منصة إكس “لو أرادوا القيام بهذا العمل السخيف، لكانت هناك على الأقل طريقة لتجنب وضع الأموال مباشرة في أيدي الحكومة الإيرانية. لكن ذلك كان سيتطلب تفكيرا وإستراتيجية وجهودا دبلوماسية. لقد اختاروا أغبى طريقة للقيام بهذا العمل الأحمق”.

ويضيف نيفيو أنه من المفهوم أن الرئيس الأمريكي يريد إبقاء أسعار النفط منخفضة قدر الإمكان، غير أن “منح إيران إعفاءات من العقوبات المفروضة على صادراتها النفطية، في حين أنها تمنع الآخرين من التصدير، يُوحي للعالم بأن الإيرانيين يسيطرون على نفط الخليج”.

حدود قدرة واشنطن على ضبط السوق

يرى الخبير الطاقة أحمد النعيمي أن أهم وأول الخيارات أمام الولايات المتحدة هو منع إيران من إغلاق مضيق هرمز والسيطرة عليه في فترة لاتتجاوز 15 أبريل/نيسان المقبل، أي قبل أن تبدأ الآثار التضخمية في الولايات المتحدة إذا ما تجاوزت أسعار برميل النفط 100 دولارا لمدة 3 أشهر.

ويضيف النعيمي “ما يزال هناك خيارات أمام واشنطن ومنها زيادة الإنتاج الأمريكي من الحقول في البحر والبر الأمريكي، وحث دول تكتل “أوبك بلس” القادرة على التصدير على تجاوز حصصها الإنتاجية المتفق عليها”.

في المقابل، يقول محمد رمضان إن هناك إشكالية أخرى ستظهر في مرحلة ما بعد انتهاء الحرب الحالية، إذ لا توجد أي ضمانات أن إيران ستتيح حرية الملاحة في مضيق هرمز.

ويوضح المتحدث نفسه أن المضيق سيظل خاضعا للسيطرة الإيرانية بحيث تفرض طهران رسوم عبور على حركة السفن التجارية، أو تأمرها باتباع تعليماتها إن هي أرادت ضمان عبور آمن للمضيق.

المصدر: الجزيرة + مواقع التواصل الاجتماعي
آخر الأخبار