
تُقاس الاقتصادات بالأرقام: الناتج المحلي، معدلات النمو، الإنتاجية، والتشغيل، لكن خلف هذه المؤشرات الصلبة، ثمة اقتصاد كامل يعمل بصمت لا يدخل في الحسابات، ولا يظهر في الجداول، ومع ذلك يشكّل أحد أعمدة الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي إنه الاقتصاد غير المرئي الذي تتحمل النساء العبء الأكبر منه دون اعتراف أو مقابل.
عمل بلا أجر… لكنه ليس بلا قيمة
في كل بيت، هناك ساعات عمل طويلة تُستثمر يوميًا في الرعاية، التعليم المنزلي، إدارة شؤون الأسرة، دعم كبار السن، وتعويض نقص الخدمات العامة. هذه الأعمال لا تُدرج ضمن الناتج المحلي، ولا تُحتسب كوظائف لكنها تؤدي وظيفة اقتصادية واضحة: إبقاء المجتمع قادرًا على الاستمرار
في السياق السوري، تزداد أهمية هذا العمل غير المدفوع، لا بوصفه ظاهرة اجتماعية فقط، بل كآلية تعويض اقتصادي غير معلنة، ساهمت في امتصاص صدمات عميقة طالت سوق العمل، والخدمات والدخل.
النساء كشبكة أمان اقتصادية
خلال سنوات التحديات، تحولت النساء، بحكم الواقع، إلى شبكة الأمان الأولى للاقتصاد المحلي. فحين تراجعت القدرة الشرائية، وارتفعت تكاليف التعليم والرعاية الصحية، قامت الأسر – وغالبًا النساء داخلها – بإعادة تنظيم الموارد، وترشيد الاستهلاك، وتقديم بدائل غير نقدية حافظت على الحد الأدنى من الاستقرار.
هذا الجهد لا يُقرأ عادة بلغة الاقتصاد، لكنه في جوهره ممارسة اقتصادية يومية عالية الكفاءة، لولاها لارتفعت كلفة الأزمات على الدولة والسوق معًا.
الناتج المحلي… وما لا يقوله
تعترف الأدبيات الاقتصادية الحديثة بأن الناتج المحلي لا يعكس الصورة الكاملة للنشاط الاقتصادي، لأنه يستثني العمل غير المدفوع. وتشير دراسات دولية إلى أنه لو جرى احتساب هذا العمل، لارتفع الناتج المحلي في كثير من الدول بنسب تتراوح بين 20 و40%.
في الحالة السورية، حيث تلعب الأسرة دورًا مركزيًا في التعويض عن ضعف الخدمات، يمكن القول إن جزءًا معتبرًا من “النمو الصامت” تحمله النساء دون أن يظهر في أي تقرير اقتصادي.
مفارقة الاعتراف: حين يُعدّ العمل واجبًا لا قيمة
المفارقة أن هذا العمل، رغم كلفته الزمنية والبدنية والنفسية، لا يُنظر إليه كإنتاج، بل كواجب طبيعي. وبهذا المعنى، لا تتحمل النساء فقط عبء العمل، بل عبء إخفاء قيمته أيضًا. فكل ساعة رعاية غير مدفوعة، هي ساعة إنتاج مؤجل أو فرصة عمل مهدورة لم تُسجل أصلًا.
هذه المفارقة لا تضر النساء وحدهن، بل تضر الاقتصاد نفسه، لأنها تشوّه قراءة الواقع، وتدفع السياسات العامة إلى البناء على أرقام ناقصة.
من زاوية اقتصادية بحتة
إذا نظرنا إلى المسألة بعيدًا عن البعد الاجتماعي أو الحقوقي، فإن تجاهل الاقتصاد غير المرئي يعني التقليل من حجم رأس المال البشري المستخدم فعليًا وسوء تقدير الإنتاجية الحقيقية للمجتمع وتصميم سياسات عمل لا تراعي العبء غير المدفوع إضافة إلى إطالة أمد الهشاشة الاقتصادية للأسربمعنى آخر” اقتصاد لا يرى عمل نصف مجتمعه” هو اقتصاد يخطط بعين واحدة.
لماذا يهم هذا النقاش في 2026؟
لأن المرحلة القادمة ليست مرحلة إدارة أزمة، بل محاولة تعافٍ وإعادة بناء. وفي هذه المرحلة، لا يكفي البحث عن مصادر تمويل أو استثمارات، بل عن كل طاقة قائمة بالفعل ولم تُستثمر بعد. والاقتصاد غير المرئي هو أكبر هذه الطاقات.
الاعتراف بهذا العمل لا يعني بالضرورة تحويله كله إلى وظائف مدفوعة، بل: إدخاله في الحسابات الوطنية وأخذه بعين الاعتبار عند تصميم سياسات العمل والرعاية وتخفيف عبئه عبر خدمات عامة أكثر كفاءة
ثم فتح مسارات انتقال مرنة من العمل غير المدفوع إلى العمل المنتج
من العبء إلى القيمة
السؤال الحقيقي ليس: هل تعمل النساء؟
بل: لماذا نصرّ على اعتبار هذا العمل خارج الاقتصاد؟
في اقتصاد يعاني من محدودية الموارد، يصبح الاعتراف بالقيمة خطوة أولى نحو إدارتها بشكل أفضل. فالعمل غير المرئي ليس هامشًا، بل جزءًا من المعادلة، وتأجيل الاعتراف به يعني تأجيل حلول حقيقية لمشكلات الإنتاج، والتشغيل، والنمو.
خلاصة رأي
إذا أرادت سوريا في 2026 أن تقرأ اقتصادها بواقعية، فعليها أن توسّع عدستها، فالاقتصاد لا يعيش في الأسواق وحدها، بل في البيوت، وفي الوقت غير المحسوب، وفي الجهد الذي لا يظهر في الموازنات.
النساء لا يحملن عبء الاقتصاد غير المرئي فقط، بل يحملن أيضًا ثمن تجاهله. والاعتراف بهذا الدور ليس مجاملة اجتماعية، بل ضرورة اقتصادية لأي مشروع تعافٍ جاد.
