تعيش الأسواق حالة اضطراب واسعة في أعقاب التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران وسط مخاوف من إطالة أمد الصراع وتعطّل إمدادات الطاقة عبر مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية.
هذا المشهد أعاد إلى الواجهة هواجس التضخم ورفع منسوب القلق في أسواق السلع والعملات والسندات، ما يعكس تحول أولويات المستثمرين من البحث عن التحوط التقليدي إلى إعادة تقييم مخاطر التضخم والسياسة النقدية.
المفارقة الأبرز تمثلت في تراجع الذهب رغم احتدام المواجهة وهو ما أثار تساؤلات حول ما إذا كانت الأسواق باتت تنظر إلى الصراع باعتباره أكثر من مجرد حدث جيوسياسي يدفع نحو الملاذات الآمنة التقليدية، بل تطوراً يحمل تداعيات واسعة النطاق على الاقتصادات الكبرى ومسار السياسات النقدية.
كيف تفاعلت الأسواق؟
– قفزت أسعار النفط بقوة مع اتساع رقعة المواجهات، مدفوعة بمخاوف تعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز وارتفاع تكاليف التأمين والشحن، مع ارتفاع خام “برنت” إلى أعلى مستوى له منذ تموز 2024 عند 85.12 دولار.
– اتجه المستثمرون للعملة الأمريكية كملاذ آمن، حيث يتجه مؤشر “بلومبرج” للدولار لتسجيل أكبر ارتفاع له خلال يومين منذ ما يقرب من عام، وسط موجة بيعية لليورو والين، بسبب اعتماد الدول الأوروبية واليابان على واردات الطاقة.
– أما الذهب، فعلى خلاف المعتاد في أوقات الأزمات، تعرض لضغوط بيعية خلال تعاملات اليوم، ويعود السبب إلى ارتفاع عوائد السندات الأمريكية وقوة الدولار، ما زاد تكلفة الاحتفاظ بالمعدن الذي لا يدر عائداً.
– عزت “ثو لان نجوين” المحللة لدى “كوميرتس بنك”، تراجع الذهب إلى تركيز السوق بشكل أكبر على مخاطر التضخم الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط، وبالتالي تقليص توقعاتها لخفض أسعار الفائدة، وهو ما يفسر أيضاً سبب ارتفاع الدولار.

– أما وول ستريت، فتراجعت مؤشراتها الرئيسية بحدة مع اتساع موجة العزوف عن المخاطرة، وسط مخاوف من أن تؤدي قفزة أسعار الطاقة إلى ضغط إضافي على هوامش أرباح الشركات وإبطاء وتيرة نمو الاقتصاد الأمريكي.
ماذا عن الفيدرالي؟
– تشير تجربة عام 2022، عندما أدى اندلاع الحرب في أوكرانيا إلى قفزة حادة في أسعار النفط والغاز وتغذية موجة تضخم عالمية، إلى نموذج قد يتكرر في المشهد الحالي؛ فآنذاك، دفعت صدمة الطاقة الاحتياطي الفيدرالي إلى تسريع وتيرة التشديد النقدي لكبح جماح التضخم.
– اليوم، ومع عودة أسعار النفط للارتفاع بفعل التوترات الجيوسياسية، تبرز مخاوف من سيناريو مشابه، حيث قد تؤدي تكاليف الطاقة المرتفعة إلى تسارع التضخم أو على الأقل إبطاء مسار تراجعه، وهو ما قد يحول دون تنفيذ خطط التيسير النقدي.

– بدأت الأسواق تُسعر بالفعل خطر الأزمة على سياسات الاحتياطي الفيدرالي حيث يتوقع المستثمرون الآن خفضاً لأسعار الفائدة بمقدار 37 نقطة أساس هذا العام مقارنة بتوقعات بلغت 60 نقطة أساس يوم الجمعة.
– قالت وزيرة الخزانة الأمريكية السابقة “جانيت يلين”: إن تداعيات الحرب مع إيران وتأثيراتها المحتملة على أسواق النفط ستعرقل نمو الاقتصاد وستزيد الضغوط التضخمية، مما يعقد مهام الفيدرالي بشكل كبير.
– كما يرى “واين واينغاردن” الباحث الاقتصادي البارز في معهد أبحاث المحيط الهادئ، أنه إذا طال أمد الحرب في الشرق الأوسط فقد يشهد المستهلكون الأمريكيون ارتفاعاً حاداً في تكاليف الطاقة، مما قد يدفع الاقتصاد الأمريكي نحو الركود التضخمي.
– في النهاية، لا تتعامل الأسواق مع الصراع في الشرق الأوسط باعتباره أزمة جيوسياسية تقليدية، بل كعامل قد يعيد تشكيل مسار التضخم والسياسة النقدية؛ فتحركات الأصول تُشير إلى أن المستثمرين يعيدون تموضعهم تحسباً لبيئة قد تتسم بفائدة مرتفعة لفترة أطول ونمو هش.
المصادر: أرقام – رويترز – بلومبرج – وول ستريت جورنال – يو إس إيه توداي – بي بي إس نيوز
