في ظل التحديات الاقتصادية المتراكمة وتداعيات سنوات من التضخم وتراجع القيمة الشرائية، يبرز ملف الديون المتعثرة كأحد أبرز الملفات التي تواجه القطاع المصرفي في سوريا.
وفي هذا السياق، صدر المرسوم الرئاسي رقم 70 لعام 2026 كخطوة تهدف إلى إعادة تنظيم العلاقة بين المصارف والمقترضين، عبر تسويات مالية وآليات لإعادة الجدولة، تفتح الباب أمام استعادة جزء من السيولة وتحريكها ضمن الدورة الاقتصادية.
ويطبق المرسوم على القروض والتسهيلات الائتمانية المتعثرة الممنوحة قبل تاريخ نفاذه، مع استثناء التسهيلات الممنوحة من بنك الاستثمار الأوروبي، والتي تُشكل لجنة للنظر فيها بقرار من وزير المالية.
ويتضمن المرسوم إجراءات تسوية الديون وفق حجم كتلة الدين، حيث يشمل الإعفاء من كامل الفوائد والتأخيرات والغرامات للديون التي لا تتجاوز 100 مليون ليرة سورية عند سدادها خلال فترات محددة، مع إمكانية التسديد بالدولار وفق سعر صرف مصرف سورية المركزي. أما الديون الأكبر من 100 مليون ليرة سورية وديون العملات الأجنبية، فتشمل تسويات متفاوتة وفق نسب محددة من الإعفاءات، وشروط للتسديد بالليرة أو العملات الأجنبية.
وينظم المرسوم أيضاً إعادة جدولة القروض للديون الكبيرة، مع تحديد شروط الطلب والحد الأقصى للمدة، ودفعة حسن النية، ومعدلات الفائدة، وآليات تقديم الطلبات والموافقة عليها، مع قواعد الإلغاء في حال عدم الالتزام.
700 ألف متعثر
أوضح وزير المالية محمد يسر برنية، أن مرسوم القروض المتعثرة يهدف إلى مساعدة المواطنين على تسوية ديونهم من خلال تقديم إعفاءات وحوافز تشجع على التسوية مع المصارف الحكومية، مبيناً أن هذه الإجراءات ستخفف الأعباء عن المقترضين وتمنحهم فرصة للعودة إلى النشاط الاقتصادي، في ظل وجود نحو 700 ألف متعثر في مختلف المحافظات.
وفي هذا السياق، يقول الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي، لصحيفة “الثورة السورية”، إن هذا المرسوم يمنح المقترضين المتعثرين “فرصة ذهبية” عبر الإعفاء من فوائد التأخير والغرامات وتنظيم إعادة جدولة الديون الكبيرة التي تتجاوز 100 مليون ليرة سورية، إلا أن النص القانوني يصطدم بواقع اقتصادي مرير، وهو أن المبالغ التي يتم تحصيلها اليوم، مهما بلغت فوائدها العقدية، لا تمثل سوى جزء ضئيل من القيمة الشرائية التي كانت تملكها وقت منح القرض.
وأضاف قوشجي أن المصرف العام، عندما منح قرضاً قبل سنوات، كان ذلك المبلغ يمثل “قوة شرائية” حقيقية، قادرة على شراء عقارات أو خطوط إنتاج أو كميات كبيرة من المواد الأولية، أما اليوم، ومع التضخم المتسارع، فإن سداد القيمة الاسمية للدين (الرقم المكتوب في العقد) يعني أن المصرف يسترد أموالاً “رخيصة” فقدت قدرتها على تمويل مشاريع مماثلة في الوقت الحالي.
هذا التفاوت، بحسب قوشجي، يجعل من المقترض، رغم تعثره، رابحاً من الناحية الحسابية، حيث إن قيمة أصوله قد تضاعفت مئات المرات، بينما ظل التزامه المالي تجاه المصرف ثابتاً برقم اسمي لا يواكب هذا الارتفاع.
الفائدة العقدية
رأى قوشجي أنه في ظل هذا التآكل، تصبح الفائدة العقدية (التي يطالب بها المرسوم كجزء من التسوية) غير كافية لتحقيق التوازن المالي. فإذا كانت الفائدة العقدية تتراوح بين 10 بالمئة و15 بالمئة، بينما معدلات التضخم السنوية تفوق ذلك بكثير، فإن المصرف فعلياً يتقاضى “فائدة حقيقية سالبة”.
ومع ذلك، يشير الخبير الاقتصادي إلى أن المرسوم أبقى على هذه الفوائد لضمان الحد الأدنى من حقوق الخزينة العامة، معتبراً أن تحصيل “أصل الدين مع فوائده العقدية” أفضل من بقائه ديناً معدوماً لا يُرجى تحصيله، وهو ما يسمى في الاقتصاد “تقليص الخسائر”.
الكتل المالية الكبيرة
لفت قوشجي إلى أن المرسوم خصص إجراءات للكتل المالية الكبيرة التي تتجاوز 100 مليون ليرة، حيث تبرز أهمية إعادة الجدولة كآلية لضمان أن هذه الأموال المستردة ستعود إلى الدورة الاقتصادية بسرعة. فالمصرف يسعى، من خلال المهل المحددة في المرسوم، إلى سحب السيولة الراكدة لدى المتعثرين وإعادة ضخها في قروض إنتاجية جديدة تواكب الأسعار الحالية، في محاولة للحد من آثار التضخم.
وأشار قوشجي إلى أنه يمكن اعتبار المرسوم رقم 70 لعام 2026 بمثابة “عفو مالي واقعي”، إذ تدرك الدولة أن إلزام المقترضين بسداد القيمة الحقيقية قد يؤدي إلى إفلاس جماعي وتوقف الإنتاج، لذلك اعتمدت تسوية تقوم على القيمة الاسمية مع بعض الفوائد، مقابل إعادة هؤلاء الفاعلين الاقتصاديين إلى دائرة العمل.
ورأى أن النجاح الحقيقي لهذا المرسوم يُقاس بقدرة المصارف العامة على تحويل السيولة المستردة إلى محرك للنمو، يعوض الخسارة التي لحقت بالقيمة الحقيقية لرأس المال المصرفي عبر السنوات.
ميساء العلي
المصدر: الثورة السورية
