المرسوم 69… نافذة التعافي الاقتصادي في سوريا

زمن القراءة: 5 دقائق

لم يعد التحدي في سوريا اليوم محصوراً بإعادة الإعمار، بل أصبح السؤال الأهم كيف يمكن إعادة تشغيل اقتصاد أنهكته سنوات الحرب؟ في هذا الإطار، يقدّم الخبير المتخصص في دراسات الجدوى الاقتصادية للمشاريع، والاستراتيجيات المالية، الدكتور محمد زريق فرحات قراءته للمرسوم التشريعي رقم /69/ لعام 2026، مؤكداً أنه يشكّل فرصة حقيقية لإعادة تشغيل المنشآت المتضررة وتحريك الاقتصاد من القاعدة الإنتاجية.

الموضوع لا يتعلق بإعفاءات ضريبية تقليدية، بل بسياسة مدروسة ترتبط مباشرة بحجم الخسائر الفعلية للمنشآت. هذا الربط يحقق نوعاً من العدالة الضريبية، ويمنح المستثمرين مساحة واقعية لإعادة النشاط دون ضغط مالي إضافي. الإعفاءات ليست هدفاً بحد ذاتها، بل أداة لإعادة تفعيل الدورة الاقتصادية وتحفيز الإنتاجية.

ويضيف فرحات: “أهمية المرسوم لا تقتصر على تخفيف الالتزامات الضريبية، بل تشمل أيضاً إعادة الثقة بين القطاع الخاص والدولة. فالدولة تدعم الإنتاج ولا تكتفي بتحصيل الإيرادات.”

ويشير إلى أن المرسوم يضع القطاع الصناعي والسياحي في مقدمة الأولويات، مع إعفاءات أطول مقارنة بالقطاع التجاري، ما يعكس توجهاً استراتيجياً نحو دعم القطاعات الأكثر قدرة على قيادة التعافي الاقتصادي.

دعم موجّه… وقطاعات في الواجهة

الميزة الأساسية في المرسوم أنه يطبّق ما يمكن وصفه بـ”الدعم الذكي”، حيث يتم توجيه الإعفاءات نحو المنشآت الأكثر تضرراً بدل التوزيع العام، ما يعزز فعالية السياسة الاقتصادية.

الفوائد المتوقعة

خلق فرص عمل: من المتوقع أن إعادة تشغيل المنشآت المستفيدة ستوفر فرص عمل جديدة خلال العام المقبل، نصفها في القطاع الصناعي.

تحفيز سلاسل التوريد المحلية: النشاط التجاري المتجدد سيدعم الموردين المحليين.

دعم الصادرات والعملات الأجنبية: النشاط الصناعي والسياحي سيضخ عملات أجنبية إلى السوق، ما يعزز ميزان المدفوعات.

بهذا يتحول دعم المرسوم إلى استثمار في المستقبل الاقتصادي، وليس مجرد تخفيف مؤقت للأعباء.

السيولة… بداية التعافي الحقيقي

من الناحية العملية، ينعكس المرسوم بشكل مباشر على تحسين السيولة لدى المنشآت المتضررة.

كما يوضح الخبير فرحات أن الإعفاءات تمنح المنشآت مساحة مالية لإعادة ترتيب أوضاعها التشغيلية، وتخفف الضغط النقدي في مرحلة حرجة، ما يساعد على استئناف النشاط تدريجياً، الموارد التي كانت ستُستهلك في الضرائب يمكن توجيهها الآن لإعادة تأهيل الأصول، شراء المواد الأولية، وإعادة تشغيل العمالة. تقديراتنا تشير إلى أن نحو 70% من المنشآت المتضررة ستتمكن من إعادة تشغيل نشاطها بالكامل خلال الأشهر الستة المقبلة.”

التحديات… لكنها قابلة للتجاوز

ورغم الإيجابيات، لا يخلو التطبيق من تحديات، أبرزها آلية تقدير نسبة الضرر.

حيث يرى الخبير الاقتصادي أن هذه التحديات طبيعية في مرحلة انتقالية، ويمكن معالجتها عبر اعتماد معايير موحّدة على المستوى الوطني لتقييم الأضرار.

تطوير قواعد بيانات دقيقة وشاملة

تعزيز كفاءة اللجان المختصة لمراجعة الطلبات والتقديرات.

“معالجة هذه النقاط بجدية تضمن عدالة التطبيق وتزيد ثقة المكلفين، ما يجعل الإعفاءات أكثر تأثيراً ويمكّن نحو 80% من المنشآت الصغيرة والمتوسطة من الاستفادة الفعلية خلال الأشهر المقبلة.”

نحو حزمة اقتصادية متكاملة

الأثر الكامل للمرسوم لن يتحقق بمعزل عن أدوات أخرى، ويشدد فرحات على أهمية دمجه مع آليات تمويلية واستثمارية إضافية، مثل القروض الميسّرة والضمانات الائتمانية، ليصبح الإعفاء رافعة اقتصادية مركبة تؤدي إلى تحريك الاقتصاد بشكل أوسع.

“الإعفاء الضريبي خطوة أولى، لكنه يتحول إلى رافعة اقتصادية حقيقية عندما يصاحبه دعم مالي واستثماري متكامل، هذا التكامل يشجع المستثمرين على العودة بشكل أكثر استدامة ويخلق دورة إنتاجية متجددة، عند الجمع بين الإعفاءات والدعم التمويني، يمكن أن نرى نمواً بنسبة 15–18% في النشاط الصناعي والسياحي خلال العام الأول.”

بين الإجراء والنتيجة

يحمل المرسوم /69/ رسالة واضحة للقطاع الخاص هناك فرصة حقيقية للعودة… وشراكة جديدة قيد التشكّل.

لكن النتيجة الحقيقية لن تُقاس بنسبة الإعفاء وحدها، بل بعدد المنشآت التي ستستأنف الإنتاج، ومدى قدرتها على الصمود والنمو، تشير تقديرات الخبراء إلى أن نحو 60% من المنشآت التي ستستفيد من الإعفاءات ستتمكن من استعادة طاقتها الإنتاجية الكاملة خلال عام، ما يمثل مؤشر تعافٍ مهم للاقتصاد السوري.

يمثل المرسوم التشريعي /69/ خطوة متقدمة في مسار التعافي الاقتصادي في سوريا، ويفتح نافذة جدية لإعادة تشغيل المنشآت المتضررة.

ومع حسن التنفيذ وتكامل السياسات، يمكن أن يتحول هذا الإجراء من مجرد إعفاء ضريبي إلى نقطة انطلاق لاقتصاد أكثر مرونة وإنتاجية، ويؤسس لموجة جديدة من النشاط الصناعي والسياحي، مدعومة بتوجه حكومي واضح نحو تحفيز الإنتاج وإعادة الثقة للأسواق.

نهلة أبو تك

المصدر: الحرية

آخر الأخبار