الأربعاء - 4 فبراير - 2026 - 07:39 صباحًا

ما الذي ينبغي على قادة الأعمال فعله بعد دافوس؟

قبل قرن، جادل الخبير الاقتصادي فرانك نايت، في كتابه «المخاطرة وعدم اليقين والربح»، بأن بعض الحقب التاريخية تتشكل بفعل مخاطر قابلة للقياس، بينما تعاني حقب أخرى من حالة عدم يقين لا يمكن فهمها. 

وهذا الأمر هو ما شغل بال المشاركين في المنتدى الاقتصادي العالمي بدافوس خلال الأيام الماضية.

تتمتع نخبة دافوس عموماً بمهارة في قياس المخاطر الاقتصادية والمالية، بل إن بعضهم يجري نماذج للمخاطر البيئية أيضاً، مثل الظواهر الجوية المتطرفة.

لكن قليلين منهم يشعرون بالجاهزية لحالة عدم اليقين المحلية والجيوسياسية الراهنة، والتي تتفاقم بفعل التغير التكنولوجي غير المسبوق.

لنتأمل فقط ما حدث خلال الأيام القليلة الماضية: بدأ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالتهديد بالسيطرة على غرينلاند وفرض تعريفات جمركية، ثم بدا وكأنه يتراجع، والآن كشف النقاب عن «مجلس السلام» الذي أدهش كثيرين.

«لا نرى نهاية لهذه الاضطرابات»، هكذا عبر مسؤول المخاطر في شركة أدوية كبرى عن أسفه، مضيفاً: «بل نتوقع أن تزداد حدة الأمور».

فكيف يمكن للرؤساء التنفيذيين أو المستثمرين استيعاب كل هذا الغموض؟ بالنظر إلى ما دار في دافوس هناك أربعة دروس رئيسية يجب استيعابها:

أولها، وأكثرها وضوحاً، هو الإصغاء إلى مارك كارني، رئيس الوزراء الكندي، الذي شدد على «أننا نواجه انقطاعاً جيوسياسياً».

ومن الناحية العملية، يعني هذا أن العناصر الثلاثة: «الشعبوية، والحمائية، والوطنية أو القومية المتطرفة»، وهو ما لفتت إليه كريستين لاغارد، رئيسة البنك المركزي الأوروبي، أمام المنتدى.

وقد دفع هذا الوضع بالفعل إلى إعادة هيكلة سلاسل التوريد، نظراً لتأثير الحمائية الكبير على السلع المتداولة. لكن القومية المتطرفة قد تؤثر على القطاع المالي أيضاً.

ويظهر التاريخ أن الحروب التجارية غالباً ما تتحول إلى حروب رؤوس أموال، وهو ما أشار إليه راي داليو، مؤسس شركة «بريدج ووتر»، وقد تشهد أسواق المستهلكين تحولات أيضاً.

فعلى سبيل المثال، يظهر استطلاع جديد أجرته مجموعة «إيدلمان» للعلاقات العامة أن المستهلكين العالميين يثقون حالياً بشكل متزايد بالعلامات التجارية المحلية أكثر من الأجنبية.

ثانياً، هناك درس آخر يتمثل في ضرورة الاستعداد لتدخل حكومي متزايد، يصور على أنه رأسمالية وطنية وشعبوية.

ويجسد الرئيس الأمريكي هذا الأمر: فمع أن قضية غرينلاند استأثرت بمعظم الاهتمام خلال خطابه في دافوس، إلا أن اللافت للنظر هو احتفاؤه بخطط فرض ضوابط جديدة على الاستثمار العقاري الأمريكي ورسوم بطاقات الائتمان.

يأتي ذلك في أعقاب تحركات البيت الأبيض الأخيرة للتدخل في سوق الأوراق المالية المدعومة بالرهن العقاري، وكذلك قطاعات التعدين والطاقة والدفاع، لأسباب شعبوية وأمنية قومية على التوالي.

ويقول الخبير الاقتصادي نوريل روبيني متحسراً: «هذه رأسمالية دولة مضاعفة. ونحن نصبح مثل الصين»، مشيراً إلى أن هذا يتجاوز أي شيء وعد به زهران ممداني، عمدة نيويورك.

ولم تقلد الدول الأوروبية ترامب تماماً بعد. لكن هذا النمط من الرأسمالية الوطنية والشعبوية قد ينتشر بسهولة.

لذلك، تحتاج الشركات بشكل عاجل إلى معرفة كيفية الحصول على «ترخيص حكومي وشعبي» للعمل، حسبما أخبرتني نغاير وودز، رئيسة كلية بلافتنيك للحوكمة بجامعة أكسفورد. الدرس الثالث لقادة الأعمال والرؤساء التنفيذيين هو أنه لا يمكن لأحد أن يبقى حبيساً لأفكاره الضيقة. ولنأخذ على سبيل المثال قصة توربينات الرياح.

ففي عام 2021، أنتج تاكر كارلسون، مقدم البرامج التلفزيونية المؤيد لحركة «لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً»، فيلماً وثائقياً انتقد فيه التوربينات بشدة واصفاً إياها بـ«الاختراع الأوروبي الشرير».

لم تعر النخب الليبرالية الأمر اهتماماً يذكر، بل إن بعضهم لم يكن على علم به؛ لكن يوم الأربعاء، انتقد ترامب نفسه هذه التوربينات بشدة، ما أثار صدمة الحاضرين.

ما الدرس المستفاد هنا؟ لا تتجاهل أي شيء يقوله السياسيون، مهما بدا غريباً أو منفراً.

أو، كما قالت نغاير وودز مرة أخرى: بينما يميل البشر بطبيعتهم إلى التمسك بمن يشبهونهم في أوقات عدم اليقين، نحتاج إلى فعل العكس، واحتضان المزيد من التنوع الفكري، لا العكس.
الدرس الرابع والمهم، هو ألا نستسلم للتشاؤم، حتى وإن كان هذا رد فعل بشري طبيعي آخر تجاه عدم اليقين.

فبالنسبة للمديرين التنفيذيين أو المستثمرين، يعد تجاهل المخاطر الإيجابية خطيراً تماماً كإغفال المخاطر السلبية.

ولننظر إلى الولايات المتحدة مرة أخرى، فعندما أطلق ترامب العنان لسياساته المتقلبة قبل عام، أثار ذلك توقعات اقتصادية قاتمة.

ومع ذلك، وبينما كان الرئيس يتباهى في دافوس، يشهد الاقتصاد الأمريكي ازدهاراً، بفضل مزيج من التحفيز النقدي والمالي والتنظيمي.

والأكثر إثارة للدهشة، أن المسؤولين الأمريكيين أخبروا الحضور في دافوس أن النمو السنوي سيتجاوز قريباً 5 %.

قد يكون هذا تفاؤلاً مفرطاً؛ إذ يشير العديد من الرؤساء التنفيذيين الآن إلى احتمالية حدوث تباطؤ في وقت لاحق من هذا العام.

لكن هذا الأمر يظهر بوضوح مخاطر تجاهل السيناريوهات الإيجابية.

لهذا السبب، لا يخطط أي مسؤول تنفيذي تقريباً تحدثت إليه خلال أيام دافوس لمقاطعة الولايات المتحدة، بغض النظر عن آرائهم السياسية.

ولهذا السبب أيضاً يخبرني كبار المستثمرين أنهم لن يتخلوا عن الدولار، حتى لو تحوطوا بالذهب.

يعني ذلك ببساطة أن الرد العقلاني الوحيد على الاضطرابات التي أطلقها ترامب في دافوس هو التنويع المكثف، والخروج من دائرة التفكير المغلق، وإعمال الخيال بشأن المستقبل.

جيليان تيت

المصدر: فايننشال تايمز

اقرأ أيضاً

Next Post

آخر ما نشرنا

أرشيف الموقع

فبراير 2026
د ن ث أرب خ ج س
1234567
891011121314
15161718192021
22232425262728

صفحتنا على فيسبوك

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.