العالم الاقتصادي- وكالات
سجلت كلفة اقتراض الخزانة الفرنسية ارتفاعاً حاداً مع استعداد الحكومة لخوض معركة جديدة حول موازنة 2027، ما أثار مخاوف المستثمرين من سقوط حكومة أخرى وسط انقسامات سياسية حادة داخل البرلمان.
وقفز عائد السندات الحكومية الفرنسية لأجل 10 سنوات، المعروفة باسم “OAT”، فوق مستوى 4.5% للمرة الأولى منذ عام 2008، قبل أن يستقر عند مستويات تقارب 4.67%، في إشارة إلى تنامي القلق بشأن المسار المالي والسياسي للبلاد.
واتسعت الفجوة بين عوائد السندات الفرنسية ونظيرتها الألمانية لأكثر من نقطة مئوية كاملة للمرة الأولى منذ ذروة أزمة الديون السيادية الأوروبية في 2012، فيما باتت الأسواق تطالب بعائد أعلى للإقراض لفرنسا مقارنة بإيطاليا واليونان، اللتين كانتا في قلب الأزمة آنذاك.
وأصبحت فرنسا من بين أعلى دول مجموعة السبع من حيث تكاليف الاقتراض الحكومي، في وقت تتزايد فيه الضغوط على المالية العامة للدولة.
وتستعد حكومة رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو، التي تفتقر إلى أغلبية برلمانية مستقرة، لتقديم مشروع موازنة 2027 مطلع أكتوبر، على أن يخضع لنقاشات برلمانية مكثفة قبل التصويت عليه في 17 نوفمبر.
واستهدفت الحكومة خفض الإنفاق بنحو 54 مليار يورو، مؤكدة أن تشديد الانضباط المالي بات ضرورياً لكبح جماح الدين العام وتقليص أحد أكبر العجوزات المالية في منطقة اليورو.
وأظهرت تقديرات وزارة المالية الفرنسية أن الدين العام سيبلغ مستوى قياسياً يعادل 119.3% من الناتج المحلي الإجمالي في 2026، قبل أن يرتفع إلى 121.7% في 2027.
وتفاقمت الأزمة السياسية منذ الانتخابات المبكرة التي دعا إليها الرئيس إيمانويل ماكرون في يوليو 2024، بعدما فشل البرلمان في إنتاج أغلبية واضحة، ما أدى إلى صدامات متكررة بين اليمين المتطرف واليسار وتحالفات الوسط بشأن سياسات الإنفاق والضرائب.
وأطاحت تصويتات بحجب الثقة بحكومتين خلال كانون الأول 2024 وأيلول 2025، بينما اضطر لوكورنو إلى تمرير موازنة 2026 عبر آلية دستورية استثنائية تتيح تجاوز البرلمان.
وحذر محللون في مجموعة “أوراسيا” من أن مشروع موازنة 2027 قد يؤدي إلى إسقاط الحكومة رغم رغبة معظم القوى السياسية في تجنب أزمة جديدة قبل الانتخابات الرئاسية المقررة الربيع المقبل.
ورجحوا أن تواجه إجراءات تقشفية، مثل تجميد جزء من معاشات التقاعد، معارضة قوية داخل البرلمان، ما قد يدفع الحكومة مجدداً إلى استخدام صلاحيات دستورية استثنائية لضمان تمرير الموازنة قبل الموعد النهائي في ديسمبر.
ورأى محللو بنك ING أن التحديات السياسية لن تنتهي حتى في حال تمرير الموازنة، إذ سيتحول اهتمام الأسواق سريعاً إلى الانتخابات الرئاسية وما قد يتبعها من انتخابات تشريعية ومفاوضات معقدة لتشكيل حكومة جديدة.
وزادت هذه المخاوف الضغوط على السندات الفرنسية، خصوصاً مع ارتفاع أسعار الطاقة الأوروبية وتزايد الانقسامات داخل الاتحاد الأوروبي، ما دفع بعض المؤسسات المالية إلى توقع استمرار الفجوة بين تكاليف الاقتراض الفرنسية والألمانية عند مستويات مرتفعة خلال الأشهر المقبلة.
وحذر بنك HSBC من أن أكثر من نصف السندات الفرنسية باتت مملوكة لمستثمرين أجانب، وهو ما قد يزيد تقلبات السوق إذا قرر هؤلاء تقليص حيازاتهم في ظل تصاعد المخاطر السياسية والمالية.
في المقابل، أبدى مسؤولون في بنك BNP Paribas قدراً من التفاؤل بإمكانية التوصل إلى تسوية تسمح بإقرار الموازنة في موعدها، مع الإقرار بأن خفض الدين العام أصبح أولوية ملحة للحفاظ على ثقة الأسواق في الاقتصاد الفرنسي.
