لم يعد السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيغيّر سوق العمل، بل كيف سيتغير العمل نفسه، ومن سيستفيد من التحول ومن قد يدفع تكلفته؟ فبينما تتسابق الشركات لتوظيف أدوات الذكاء الاصطناعي في مهام كانت تتطلب ساعات من العمل البشري، لا تسير تداعيات هذه التكنولوجيا بوتيرة واحدة.
بعض الوظائف قد تتعرض للاستبدال سريعاً، بينما ستشهد وظائف أخرى تعزيزاً لقدرات العاملين، وقد ترتفع قيمة الخبرة البشرية في مجالات معينة وتنخفض في مجالات أخرى.

وتشير الأدبيات الاقتصادية إلى أن التعامل مع هذا التحول لا ينبغي أن يقوم على توقع اختفاء وظائف بعينها، بل على فهم الطريقة التي سيعيد بها الذكاء الاصطناعي تشكيل قيمة الخبرة البشرية، وإتاحة الفرص الاقتصادية، وطبيعة المهارات المطلوبة.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى سياسات مرنة تستبق الاضطرابات المحتملة، وتدعم العمال الذين يفقدون وظائفهم فعلياً، وتوسع فرص الوصول إلى القطاعات الجديدة الأعلى إنتاجية.
الرهانات الاقتصادية
تأتي ثورة الذكاء الاصطناعي في وقت يواجه فيه الاقتصاد تحديات تتعلق بالحراك الاقتصادي، وارتفاع المديونية، وتراجع القدرة على امتلاك المنازل بالنسبة إلى الشباب، واتساع الفوارق في الأجور المرتبطة بالتعليم والمهارات.
وتراجع الحراك الاقتصادي بشكل ملحوظ؛ ففي أربعينيات القرن الماضي كان نحو 90% من الأطفال ينشؤون ليحققوا دخلاً يفوق دخل آبائهم، بينما انخفضت هذه النسبة إلى نحو 50% في الأجيال اللاحقة.
وقد يساعد الذكاء الاصطناعي في معالجة بعض هذه المشكلات من خلال مساعدة العمال على تطوير خبراتهم والاستفادة منها، وتقليص الحاجة إلى بعض أشكال التعليم الرسمي، وخلق وظائف جديدة أكثر إنتاجية.
لكنه قد يؤدي أيضاً إلى نتائج معاكسة، مثل إزاحة العمال قسراً، وإحداث خسائر طويلة الأمد في الدخل، وتعميق فجوات الأجور، وتعطيل المسارات المهنية التقليدية التي يعتمد عليها صعود الموظف من الوظائف المبتدئة إلى المناصب الأعلى أجراً.
عدم اليقين لا يعني الانتظار
لا يزال من الصعب تحديد سرعة وحجم وتأثير التحول الذي سيحدثه الذكاء الاصطناعي في سوق العمل. فلا يمكن الجزم اليوم بالوظائف التي ستتراجع، أو الأدوار الجديدة التي ستظهر، أو المهارات التي سترتفع قيمتها مستقبلاً.
لكن هذا الغموض لا يعني تأجيل الاستعداد. ويرى بعض الخبراء أن السياسات العامة مطالبة باتخاذ خطوات أولية اليوم، مع تصميمها بحيث يمكن تعديلها وفقاً للبيانات الفعلية وتطور التكنولوجيا.
وفي المقابل، لا يعني ذلك تبني تدخل شامل على مستوى الاقتصاد بأكمله.
فمقترحات مثل الدخل الأساسي الشامل أو زيادة الضرائب على رأس المال أو إعادة هيكلة شبكات الأمان الاجتماعي قد تكون موضوعاً لنقاش أوسع، لكنها تواجه تحديات مالية وسياسية كبيرة.
الأولوية، وفقاً للتحليل الاقتصادي، ينبغي أن تكون لسياسات عملية يمكن تنفيذها في المدى القريب، وفي مقدمتها دعم العمال الذين يتعرضون للإزاحة الفعلية، وتوسيع الوصول إلى الوظائف الجديدة ذات الإنتاجية المرتفعة، وتصميم برامج تدريب متخصصة، وتوسيع برامج التدريب المهني، وإنشاء نظام للتأمين على الأجور.
القدرة التقنية لا تعني أتمتة مربحة
غالباً ما يستند النقاش حول تأثير الذكاء الاصطناعي في الوظائف إلى مفهوم «التعرض للذكاء الاصطناعي»، أي نسبة المهام التي يمكن للتكنولوجيا تنفيذها داخل مهنة معينة.
لكن القدرة التقنية على تنفيذ مهمة لا تعني بالضرورة أن الشركات ستجد أتمتتها مجدية اقتصادياً.
فقرار الأتمتة يعتمد أيضاً على موثوقية النموذج، ومعدل الأخطاء، ووقت إنجاز المهمة، وتكاليف تصحيح الأخطاء، ومدى سهولة دمج التكنولوجيا في سير العمل.
وتشير أبحاث حديثة إلى أن نماذج الذكاء الاصطناعي، رغم قدرتها المتزايدة، لا تزال عرضة للأخطاء.
وحتى نهاية 2025، كانت النماذج قادرة على إنجاز مهام تستغرق من البشر 3 إلى 4 ساعات، لكن بمعدل نجاح يبلغ نحو 65% فقط.
كما أن طول المهمة يؤثر في الأداء؛ إذ يؤدي ارتفاع متوسط مدة المهمة عشرة أضعاف إلى تراجع أداء النموذج بنحو 11%.
ولهذا قد تنتشر الأتمتة أولاً في المهام القصيرة والقابلة للتجزئة، بينما تظل الأعمال الطويلة والمعقدة أكثر اعتماداً على البشر.
ويظهر ذلك تاريخياً في الروبوتات الصناعية، التي بدأت بالمهام القصيرة والمتكررة مثل اللحام والطلاء، بينما استغرقت المهام الأكثر تعقيداً، مثل تركيب الأسلاك وتجميع المنتجات النهائية، عقوداً حتى أصبحت قابلة للأتمتة.

أتمتة المهام لا تعني بالضرورة تراجع أوضاع العمال
لا تؤدي أتمتة العمل تلقائياً إلى نتائج سلبية للموظفين. فقد تحل التكنولوجيا محل الأعمال الروتينية والمملة أو الخطرة، ما يسمح للعمال بالتركيز على مهام أكثر أهمية.
لكنها قد تستبدل أيضاً الأجزاء الأكثر إثارة للاهتمام في الوظيفة، وتترك الموظفين أمام أعمال أقل جاذبية.
وهنا تبرز أهمية قيمة الخبرة البشرية. فالذكاء الاصطناعي قد يجعل بعض المهام المتخصصة أسهل، لكنه في الوقت نفسه قد يرفع قيمة الخبرة اللازمة للحكم على النتائج أو التعامل مع الحالات المعقدة.
فإذا استطاع الذكاء الاصطناعي أتمتة مسك الدفاتر وإدخال البيانات، لكنه ظل أقل موثوقية في الاستشارات الضريبية والتحليل المتقدم، فقد ترتفع قيمة المحاسبين ذوي الخبرة، حتى مع انخفاض عدد الوظائف المتاحة في المهنة.
وفي المقابل، إذا أصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على تشخيص الحالات الشائعة التي يعالجها أطباء الأسرة بصورة موثوقة، فقد تنخفض قيمة بعض الخبرات المتخصصة، وتصبح تلك المهام متاحة لممارسين صحيين أقل تكلفة، ما قد يوسع فرص العمل لكنه يضغط على الأجور.
وبالتالي، لا يكفي السؤال عما إذا كانت الوظائف ستختفي؛ الأهم هو كيف ستتغير قيمة العمل والخبرة البشرية.

دمج الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى تجربة وحكم بشري
لا يكفي تعليم الموظفين كيفية استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي. فهذه الأنظمة قد تنتج إجابات خاطئة أو غير متسقة، ولذلك يحتاج استخدامها الفعال إلى تدريب متخصص وتجربة عملية وتقييم مستمر.
ويشمل ذلك معرفة متى يمكن الوثوق بمخرجات الذكاء الاصطناعي، ومتى يجب مراجعتها، وكيفية دمجها في سير العمل الفعلي.
كما أن تطبيق الذكاء الاصطناعي داخل الشركات يتطلب في كثير من الأحيان تخصيص النماذج للعمليات والبيانات الخاصة بكل مؤسسة، ورفع مستوى دقتها إلى الحد الذي يسمح باستخدامها في مهام حقيقية.
لذلك فإن التحدي ليس تعليم الموظف «ثقافة الذكاء الاصطناعي» فقط، وإنما تطوير قدرته على الحكم على جودة مخرجاته واكتشاف حدوده.
تحسن النماذج قد يوسع نطاق الأتمتة المستقلة
بدأ الذكاء الاصطناعي في كثير من الحالات كأداة تساعد العامل البشري، لكن تحسن قدراته قد يدفعه تدريجياً نحو تنفيذ المهام بصورة أكثر استقلالية.
وتشير أبحاث حديثة إلى أن معدلات فشل النماذج تنخفض بنحو النصف كل 2.5 عام تقريباً.
وإذا استمر هذا المسار، فقد تصل النماذج إلى معدل نجاح أساسي يبلغ نحو 93% في معظم المهام المهنية النصية بحلول 2029.
لكن التطور التقني لا يعني بالضرورة اعتماد الشركات للتكنولوجيا فوراً. فقد أظهرت أبحاث أخرى أن الشركات الأمريكية، عند احتساب تكاليف دمج الذكاء الاصطناعي، ستختار أتمتة نحو 23% فقط من مجموعة مهام الرؤية الحاسوبية التي يمكن للذكاء الاصطناعي تنفيذها تقنياً.
ومع تحسن أداء النماذج وانخفاض تكاليف استخدامها، قد تتسع قاعدة المهام القابلة للأتمتة اقتصادياً، لكن توقيت هذا التحول ونطاقه لا يزالان غير محسومين.
|
خمس أولويات لسياسة سوق العمل |
|
|
دعم العمال الذين يفقدون وظائفهم |
ينبغي أن تركز السياسات على العمال الذين يتعرضون للإزاحة الفعلية، إلى جانب القطاعات التي تظهر فيها فرص جديدة عالية الإنتاجية. وتشير الدراسات إلى أن فقدان الوظيفة يمكن أن يؤدي إلى خسائر كبيرة وطويلة الأمد في الدخل، خصوصاً خلال فترات ارتفاع البطالة. وقدّر أحد الأبحاث أن خسائر الدخل الناتجة عن الإزاحة في تلك الفترات تعادل 2.8 عام من الدخل السابق. لذلك لا ينبغي أن يقتصر الدعم على إعادة التدريب، بل يشمل المساعدة في البحث عن وظائف، والتأمين على الأجور، وإعادة الانتقال إلى مهن وقطاعات أخرى عندما تكون المسارات الجديدة واقعية. |
|
تدريب متخصص داخل بيئة العمل |
التدريب العام على أدوات الذكاء الاصطناعي قد لا يكون كافياً. فالبرامج الأكثر ارتباطاً بالاحتياجات الفعلية للقطاعات والشركات يمكن أن تساعد الموظفين على اختبار المخرجات، وفهم حدود الأنظمة، ودمجها في مهامهم اليومية. كما ينبغي إشراك أصحاب العمل في تصميم برامج التدريب لضمان ارتباطها بالطلب الحقيقي على العمالة وبفرص التوظيف. |
|
مواكبة تغير قيمة الخبرة |
يجب التمييز بين خطر فقدان الوظيفة وخطر انخفاض الأجر. ففي بعض المهن قد يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى تقليص عدد الوظائف مع رفع قيمة الخبرة، بينما قد يؤدي في مهن أخرى إلى خفض قيمة الخبرة وتوسيع فرص العمل مع الضغط على الأجور. وبناءً على ذلك، تحتاج كل حالة إلى أدوات مختلفة، من المساعدة في الانتقال الوظيفي والتأمين على الأجور إلى برامج التطور المهني والتدريب المهني.
|
|
توسيع برامج التدريب المهني |
قد يخفّض الذكاء الاصطناعي الحاجة إلى بعض المؤهلات التعليمية أو سنوات الخبرة في وظائف معينة، ما قد يفتح أبواباً أمام عمال جدد. لكن ذلك قد يجعل من الصعب على الشركات معرفة من يمتلك القدرة على الحكم والتكيف والتعلم. وهنا يمكن أن تلعب برامج التدريب المهني دوراً مهماً، لأنها تجمع بين التدريب العملي والمراقبة المباشرة لأداء العامل. |
|
إنشاء تأمين اتحادي على الأجور |
يمكن أن يساعد التأمين على الأجور العمال الذين يفقدون وظائفهم ويجدون أنفسهم مضطرين إلى قبول وظائف جديدة بأجور أقل. وتشير دراسات إلى أن العمال منخفضي الأجر قد يظلون بعد ست سنوات من فقدان وظائفهم أمام أجور تقل بنحو 13% عن مستوياتهم السابقة. كما أظهرت تجارب أمريكية سابقة في برامج شبيهة بالتأمين على الأجور إمكانية تنفيذ مثل هذه البرامج بصورة فعالة وضمن أطر مالية قابلة للاستمرار. |
لا يكمن التحدي الرئيسي في معرفة عدد الوظائف التي سيخلقها الذكاء الاصطناعي أو تلك التي قد يلغيها، بل في فهم كيف سيغير قيمة العمل البشري والخبرة والمهارات.
النتائج لن تكون متشابهة بين جميع المهن والقطاعات. وقد تتعرض بعض الوظائف للاستبدال سريعاً، بينما تستفيد أخرى من الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة لتعزيز الإنتاجية والخبرة.
ومن ثم، تقترح الأدبيات الاقتصادية التركيز على خمس أولويات: دعم العمال الذين يتعرضون للإزاحة، وتوسيع الوصول إلى الفرص الاقتصادية الجديدة، وتطوير برامج تدريب متخصصة مرتبطة بالقطاعات، ومواكبة التغير في قيمة الخبرة، وتوسيع برامج التدريب المهني، إلى جانب إنشاء نظام للتأمين على الأجور.
وفي ظل استمرار عدم اليقين، يمكن البدء ببرامج تجريبية محددة تخضع للتقييم وفقاً لنتائج سوق العمل وتطور التكنولوجيا. فالهدف ليس التنبؤ بكل وظيفة ستتغير، وإنما بناء سياسة قادرة على التحرك قبل أن تتحول الاضطرابات المؤقتة إلى خسائر اقتصادية دائمة.
المصدر: “بروكينغز”
