تتجه سوريا إلى توسيع الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة ضمن مزيج توليد الكهرباء، بالتوازي مع تطوير شبكات النقل وتعزيز أنظمة التخزين والاستفادة من الإمكانات الكهرومائية المتاحة. ويأتي هذا التوجه في إطار زيادة قدرات التوليد وتنويع مصادر الطاقة، مع تحديات فنية واستثمارية ترتبط بقدرة الشبكة على استيعاب الإنتاج الجديد والتعامل مع الطبيعة المتغيرة لمصادر الطاقة المتجددة.
ووفق بيانات وزارة الطاقة، تستهدف استراتيجية التوليد حتى عام 2030 الوصول إلى 2500 ميغاواط من الطاقة الشمسية و1500 ميغاواط من الطاقة الريحية، بإجمالي 4 آلاف ميغاواط، بالتوازي مع الاستفادة من الإمكانات المتاحة للطاقة الكهرومائية في السدود ومجاري الأنهار وقنوات نقل المياه، والتوسع في أنظمة تخزين الطاقة لتعزيز استقرار الشبكة وموثوقيتها.
وتتضمن مشاريع التوليد الاستراتيجية للطاقة المتجددة مع شركة “UCC HOLDING” أربعة مشاريع بإجمالي استطاعة تبلغ 1000 ميغاواط، موزعة على مشروع وديان الربيع في ريف دمشق باستطاعة 200 ميغاواط، والفرقلس في حمص باستطاعة 200 ميغاواط، والتيم في دير الزور باستطاعة 300 ميغاواط، إضافة إلى مشروع في حلب باستطاعة 300 ميغاواط.
استقرار الشبكة
وفي تقييمه لهذه الأهداف، يرى خبير الطاقات المتجددة محمد عبد السلام مردود أن تحقيق 4 آلاف ميغاواط من الطاقة المتجددة بحلول عام 2030 هدف جيد وقابل للتنفيذ، مع الأخذ في الاعتبار الواقع الحالي لشبكة نقل الكهرباء ومحطات التوليد.
ويقول مردود لـ«الثورة السورية» إن إنتاج الطاقة الكهربائية المزمع بلوغه خلال الأعوام الثلاثة المقبلة قد يتجاوز 6 آلاف ميغاواط، معتبراً أن إضافة 4 آلاف ميغاواط من الطاقة المتجددة إلى حجم الإنتاج المتوقع حينها ستشكل تحولاً كبيراً في مزيج الطاقة الكهربائية.
لكن الخبير يحذر من أن إضافة إنتاج الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة قد يكون لها تأثير سلبي كبير على الشبكة إذا لم تتم دراسة الحد المسموح به لهذه الإضافات، مشدداً على ضرورة وجود تعويض مباشر للطاقة في حال فقدانها من مصادر الطاقة المتجددة، بما يمنع فقد مصادر أخرى أو قطع الأحمال، أو تحميل محطات التوليد التقليدية أعباء إضافية.
ويضيف أن ربط محطات الطاقة المتجددة يتطلب شبكة نقل جيدة بسعة تسمح بنقل الطاقة الكهربائية المنتجة، إلى جانب استقرار الشبكة، لافتاً إلى أن التغيرات في قيمة التوتر قد تؤدي إلى خروج المحطات عن الخدمة إذا تجاوزت الحدود المسموح بها.
وفي هذا السياق، يعتبر مردود أن استخدام أنظمة تخزين الطاقة الكهربائية في محطات الطاقة المتجددة مهم جداً للاستفادة القصوى من الطاقة المنتجة والتحكم في استخدامها في الأوقات التي تحتاج فيها الشبكة إلى الكهرباء.
وبحسب مردود، قد لا يكون استخدام أنظمة تخزين الطاقة الكهربائية بالبطاريات مجدياً في الوقت الراهن، نظراً إلى ارتفاع تكلفتها وعدم قدرة المستهلكين على تحمل تعرفة أعلى من مستواها الحالي، إلا أنه يرى إمكانية استخدامها على نطاق محدود في بعض المناطق، لتوفير استقرار للشبكة وتعويض نقص الطاقة في بعض الأوقات، خصوصاً خلال ساعات الذروة.
وحول المشاريع الأربعة المعلنة، يرى مردود أنها تشكل نقطة انطلاق جيدة وطموحة لتحقيق التنمية المستدامة، وتعزيز حصة الطاقة المتجددة ضمن مزيج إنتاج الطاقة في البلاد.
ويعتبر أن استقدام المستثمرين العالميين قد يكون عاملاً أساسياً للنهوض بهذه المشاريع، نظراً إلى قدرتهم على تمويلها والدخول في شراكات مع الدولة لتطويرها، مع ضرورة وجود حوكمة وأنظمة تضبط هذه المشاريع وتضمن توفير الكهرباء بأقل تكلفة ممكنة، بما يسهم في استقرار تعرفة الكهرباء وتلبية احتياجات المواطنين.
مكاسب اقتصادية
من جهته، يرى الخبير الاقتصادي رضوان الدبس، أن التوسع في استخدام الطاقة المتجددة في سوريا يمثل خياراً اقتصادياً استراتيجياً، لا سيما خلال مرحلة التعافي وإعادة الإعمار التي تحتاج فيها البلاد إلى طاقة مستقرة وبتكلفة يمكن تحملها.
ويشير الدبس في حديثه لـ«الثورة السورية» إلى أن أولى المكاسب الاقتصادية للطاقة المتجددة تتمثل في خفض فاتورة الطاقة، إذ إن الاعتماد الكبير على الوقود التقليدي يجعل تكلفة إنتاج الكهرباء مرتبطة بأسعار النفط والغاز وتكاليف الاستيراد والنقل والتقلبات الجيوسياسية، في حين يتيح الاستثمار في الشمس والرياح ومصادر الطاقة المتجددة تحويل جزء مهم من تكلفة إنتاج الكهرباء من تكلفة وقود مستمرة إلى تكلفة استثمارية أولية، مع انخفاض نسبي في تكاليف التشغيل لاحقاً.
ويضيف أن سوريا تتمتع بميزة مهمة في هذا المجال تتمثل في ارتفاع عدد ساعات السطوع الشمسي في معظم مناطقها، ما يجعل الطاقة الشمسية، على وجه الخصوص، خياراً قابلاً للتوسع في المنازل والمنشآت التجارية والصناعية والزراعية، إلى جانب مشاريع التوليد الكبيرة.
يلفت الدبس إلى أن التوسع في الطاقة المتجددة يمكن أن يخفف الضغط على القطع الأجنبي، فكلما احتاج الاقتصاد إلى استيراد كميات أكبر من الوقود لتوليد الكهرباء، ارتفعت حاجته إلى العملات الأجنبية. ما يعني أن إنتاج جزء أكبر من الكهرباء محلياً من الشمس والرياح يمكن أن يقلل الطلب على بعض واردات الطاقة، ويوجه العملة الأجنبية نحو قطاعات أخرى، مثل الآلات والمواد الأولية ومتطلبات إعادة الإعمار.
ويمكن للطاقة المتجددة، وفق الدبس، أن تتحول إلى قطاع اقتصادي قائم بذاته، من خلال إنشاء شركات محلية متخصصة في تركيب الأنظمة وصيانتها، وتصنيع بعض مكوناتها، وتطوير البطاريات، وتوفير الخدمات الهندسية والبرمجيات وأنظمة التحكم، بما يفتح المجال أمام استثمارات جديدة وفرص عمل ومهن متخصصة.
دعم الزراعة والصناعة
ويؤكد الدبس أن الطاقة المتجددة يمكن أن تخدم القطاع الزراعي بصورة مباشرة، إذ تستطيع الطاقة الشمسية تشغيل مضخات الري والآبار والمنشآت الزراعية، بما يسهم في خفض تكلفة الري والإنتاج، وهو ما ينعكس على تكلفة المنتجات الزراعية والغذائية.
وفي القطاع الصناعي، يوضح أن استقرار الكهرباء يمثل حاجة أساسية للإنتاج، مشيراً إلى أن تمكين المنشآت الصناعية من تأمين جزء من احتياجاتها الكهربائية من منظومات شمسية خاصة يمكن أن يقلل تعرضها لانقطاعات الشبكة وتقلبات أسعار الوقود، ويساعدها على التخطيط للإنتاج وخفض تكاليف التشغيل.
ويضيف الدبس أن الطاقة المتجددة تمثل جزءاً من مزيج الطاقة السوري، بالتوازي مع إعادة تأهيل محطات التوليد وشبكات النقل والتوزيع، وإدخال مشاريع الطاقة الشمسية والرياح، وتطوير حلول التخزين، بما يعزز قدرتها على دعم الشبكة وتلبية جزء من احتياجاتها الكهربائية.
ويشدد على ضرورة تطوير صناعة وخدمات مرتبطة بقطاع الطاقة المتجددة داخل سوريا، إلى جانب تشجيع القطاع الخاص على الاستثمار، وتوفير التمويل الميسر للأسر والمنشآت، ووضع تعرفة واضحة لشراء الكهرباء المنتجة من المشاريع الخاصة وربطها بالشبكة، مع تعزيز كفاءة استيراد الألواح والبطاريات وتكاليفها.
كما يدعو إلى إعداد خريطة وطنية لمشاريع الطاقة المتجددة، تحدد المناطق الأنسب لاستثمار الطاقة الشمسية والرياح، وحجم الاستثمارات المطلوبة، وأولويات المشاريع، وآليات ربطها بالشبكة.
ويشير الدبس إلى أن الاستثمار في الطاقة المتجددة في سوريا يحمل خمسة مكاسب اقتصادية رئيسية، تتمثل في خفض تكلفة إنتاج الكهرباء على المدى المتوسط والطويل، وتقليل فاتورة استيراد الوقود والضغط على القطع الأجنبي، وخفض تكاليف الإنتاج الزراعي والصناعي، وخلق قطاع استثماري جديد يوفر فرص عمل ومهناً متخصصة، إضافة إلى رفع موثوقية الطاقة ودعم مسار التعافي وإعادة الإعمار.
وبناء على ذلك، يرى الدبس أن السؤال يتمحور حول كيفية توظيف الطاقة المتجددة بطريقة اقتصادية صحيحة، بحيث تتطور من حلول فردية على أسطح المنازل إلى قطاع استثماري وطني يسهم في خفض تكاليف الإنتاج وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد السوري.
إخلاص علي
المصدر: الثورة السورية
