قد لا يفقد الموظف وظيفته فعلياً حتى يبدأ الشعور بفقدانها. رسالة غامضة من الإدارة، أو إعادة هيكلة مفاجئة، أو تراجع أداء الشركة، أو انتشار أنباء عن تسريح محتمل، كلها مؤشرات كفيلة بتحويل الوظيفة من مصدر للاستقرار إلى مصدر دائم للقلق.
وفي عالم يتغير فيه سوق العمل بوتيرة متسارعة، لم يعد عدم الأمان الوظيفي مرتبطاً فقط بمن يواجهون خطر الفصل، بل أصبح تجربة قد يعيشها موظفون حتى في شركات تحقق أرباحاً وتواصل التوسع.

عدم اليقين
يشير عدم الأمان الوظيفي إلى حالة من عدم اليقين بشأن استمرار الموظف في عمله، سواء أكان هذا القلق قائماً على مؤشرات فعلية أم مجرد مخاوف وتوقعات، وقد يكون حاداً، عندما يلوح خطر التسريح أو إنهاء الخدمة في الأفق، أو مزمناً عندما يتحول الشعور بعدم الاستقرار إلى حالة مستمرة مرتبطة بطبيعة الوظيفة أو القطاع.
ويواجه كثير من العاملين هذه الحالة في مرحلة ما من مسيرتهم المهنية، خصوصاً من أمضوا فترات طويلة في وظائف أو قطاعات تفتقر إلى الاستقرار. ولا تقتصر تداعيات عدم الأمان الوظيفي على الجانب المالي، إذ يمكن أن ينعكس على الصحة النفسية والجسدية، ومستوى الرضا عن العمل، والقدرة على التركيز والإنتاجية.
نوعان من عدم الأمان
ينقسم عدم الأمان الوظيفي بصورة أساسية إلى نوعين: حاد ومزمن. ويحدث عدم الأمان الحاد عندما يعتقد الموظف أن فقدان وظيفته أصبح قريباً، كأن تكون هناك مؤشرات على تسريح خلال الأسابيع المقبلة أو إلغاء للقسم الذي يعمل فيه.
أما عدم الأمان المزمن فيظهر عندما لا يكون هناك خطر مباشر، لكن الموظف يعتقد أن وضعه الوظيفي يمكن أن يتغير في أي وقت. فقد تكون الشركة في وضع مالي جيد، وقد يكون أداء الموظف مرضياً بالنسبة إلى مديره، لكن طبيعة القطاع أو سياسة الشركة في خفض التكاليف أو تكرار عمليات التسريح تجعل الاستقرار الوظيفي غير مضمون.
ويُعد هذا النوع شائعاً في أسواق العمل التي تسمح بدرجة كبيرة من المرونة في إنهاء علاقات العمل. وفي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، يعمل موظفو القطاع الخاص في معظم الولايات وفق نظام «التوظيف حسب الرغبة»، ما لم يغطِّهم عقد عمل ينص على خلاف ذلك. وتُعد مونتانا الاستثناء الوحيد الذي يشترط، بعد فترة اختبار إلزامية، وجود «سبب وجيه» لإنهاء خدمة الموظف.
ولا يعني ذلك أن صاحب العمل يستطيع إنهاء خدمة الموظف لأي سبب كان، إذ تحظر قوانين العمل الفيدرالية وقوانين الولايات الفصل لأسباب تمييزية. وتشمل الخصائص المحمية على المستوى الفيدرالي الجنس والحمل والعرق والدين والأصل القومي والمعلومات الجينية والعمر لمن يبلغون 40 عاماً فأكثر. كما لا يجوز فصل الموظف انتقاماً منه بسبب تقديم شكوى تتعلق بالتمييز.
الوظيفة باقية.. لكن مكانتها تتغير
لا يقتصر عدم الأمان الوظيفي على احتمال فقدان الوظيفة نفسها، فقد يحتفظ الموظف بمنصبه لكنه يخسر جزءاً من مكانته المهنية أو مزاياه السابقة.
وقد يحدث ذلك عندما تعيد الشركة هيكلة أعمالها، فيُنقل الموظف إلى إدارة أو وظيفة جديدة أقل إرضاءً أو أبعد عن أهدافه المهنية، وربما يترافق النقل مع راتب أقل أو فرص محدودة للترقي، حتى وإن ظل الموظف على رأس عمله.
ورغم أن هذا النوع من عدم الأمان لا يسبب بالضرورة الضغوط المالية نفسها التي تنتج عن فقدان الوظيفة بالكامل، فإنه قد يؤثر تدريجياً في الرضا الوظيفي والانخراط في العمل والشعور بالانتماء إلى المؤسسة.

القلق يمتد إلى الصحة
لا يتوقف أثر عدم الأمان الوظيفي عند حدود المكتب أو الراتب، إذ تربط دراسات عدة بين الشعور بعدم الاستقرار الوظيفي ومجموعة من التداعيات الصحية، من بينها أمراض القلب والسكري والقرح والصداع وآلام الظهر والأرق.
كما أظهرت دراسات أن العاملين الذين يشعرون بعدم الأمان الوظيفي قد يكونون أكثر ميلاً إلى بعض السلوكيات غير الصحية، مثل التدخين.
واللافت أن الخطر قد لا يرتبط بفقدان الوظيفة فعلياً، بل بمجرد الاعتقاد بأن فقدانها محتمل. ويعزو باحثون ذلك إلى أن الموظف الذي يواجه حالة غامضة قد يفتقر إلى الدعم أو استراتيجيات واضحة للتعامل معها.
فعندما يفقد الموظف وظيفته بالفعل، قد يعرف الخطوات التي يمكن اتخاذها، مثل التواصل مع إدارة الموارد البشرية لمعرفة مستحقاته، أو البحث عن برامج التدريب والمساعدة، أو التقدم للحصول على إعانات البطالة، أو بدء البحث عن وظيفة جديدة. أما عندما يكتفي بالشعور بأن وظيفته مهددة، فقد يبقى عالقاً في حالة من الانتظار والقلق من دون معرفة ما ينبغي فعله.
الوظائف ليست متساوية في الأمان
تمنح بعض الوظائف درجة أعلى من الاستقرار مقارنة بغيرها، ومن بينها الوظائف الحكومية، وبعض الوظائف النقابية، والوظائف التي تحكمها عقود عمل واضحة أو اتفاقيات للمفاوضة الجماعية.
بيد أن معظم وظائف القطاع الخاص تحمل قدراً من عدم اليقين، حتى عندما تكون الشركة ناجحة. ويزداد هذا الشعور لدى العاملين في القطاعات التي تشهد تراجعاً أو تحولاً هيكلياً، أو لدى الموظفين في شركات تعاني ضغوطاً مالية.
وتُعد الشركات الناشئة مثالاً واضحاً على هذه المفارقة؛ فقد توفر فرصاً كبيرة للنمو والدخل، لكنها في الوقت نفسه تحمل مستويات مرتفعة من المخاطر، نظراً إلى أن نسبة كبيرة من الشركات الناشئة لا تستمر على المدى الطويل.
كما أن بعض ثقافات الشركات تركز على النتائج قصيرة الأجل أكثر من الاحتفاظ بالموظفين لفترات طويلة. ولهذا ليس من غير المعتاد أن تكون مدة بقاء الموظف في بعض شركات التكنولوجيا الناجحة قصيرة نسبياً، وقد لا تتجاوز سنة أو سنتين في المتوسط.
اقتصاد العمل المؤقت
يتزايد أيضاً حجم القوى العاملة التي قد يصبح عدم الأمان الوظيفي بالنسبة إليها جزءاً دائماً من طبيعة العمل. ويشمل ذلك المستقلين والمتعاقدين ورواد الأعمال، الذين يعملون في كثير من الأحيان وفق مشاريع محددة أو عقود قصيرة الأجل مع مجموعة من العملاء بدلاً من الارتباط بصاحب عمل واحد.
وقد لا يعرف هؤلاء العاملون بالضرورة من أين سيأتي دخلهم في الأسبوع أو الشهر التالي، كما أن قدرتهم على زيادة أو خفض حجم أعمالهم قد تكون محدودة تبعاً لعدد العملاء والطلب على خدماتهم.
كيف يتعامل الموظف مع عدم الأمان؟
رغم صعوبة التخلص الكامل من عدم الأمان الوظيفي، يمكن للموظف تقليل مخاطره من خلال التخطيط المسبق والتعامل مع سوق العمل باعتباره بيئة متغيرة.
أولاً، من المفيد ألا يكون الولاء موجهاً بالكامل إلى صاحب العمل، حتى لو كان الموظف يحب وظيفته وفريقه ورسالة الشركة. فالبقاء لسنوات طويلة لدى المؤسسة نفسها لم يعد مضموناً كما كان في السابق. لذلك يُنصح بالحفاظ على السيرة الذاتية محدثة، وتطوير المهارات بصورة مستمرة، ومراقبة فرص العمل الجديدة، والانتباه إلى المؤشرات التي قد تنذر بعمليات تسريح.
ثانياً، يمكن للموظف التفكير في الانتقال إلى مجالات توفر استقراراً أكبر، مثل الوظائف الحكومية أو القطاعات التي تتمتع بحضور نقابي قوي، أو الشركات المعروفة بانخفاض معدلات مغادرة موظفيها.
ثالثاً، يبقى تطوير المهارات المطلوبة في سوق العمل أحد أهم أدوات تقليل المخاطر. فامتلاك مهارة أو شهادة مهنية مطلوبة لا يضمن بالضرورة الاحتفاظ بالوظيفة الحالية، لكنه قد يزيد قدرة الموظف على العثور على فرصة جديدة إذا فقد عمله أو قرر الانتقال.
وفي النهاية، لا يعني عدم الأمان الوظيفي أن فقدان الوظيفة أصبح حتمياً، لكنه يعكس حقيقة أساسية في سوق العمل الحديث: الاستقرار المهني لم يعد يعتمد فقط على بقاء الوظيفة، بل أيضاً على قدرة الموظف على التكيف مع تغيراتها.
المصدر: “ذا بالانس ماني”
