منذ أن بدأ والد كوري جودهيو بزراعة الأرض في كارلايل، أيوا، قبل نصف قرن، ازداد كل شيء في مزرعته تقريباً.
وأصبحت المزرعة تمتد الآن على مساحة 3000 فدان. إلا أن هوامش الربح تتضاءل مع تصاعد التوترات التجارية وانخفاض الأسعار في منطقة الغرب الأوسط.
في العام الماضي، حققت مزرعة جودهيو أفضل محصول فول صويا في تاريخها، ومع ذلك تكبدت خسائر. وهذا العام، تتوقع المزرعة بأكملها دخلاً تشغيلياً لا يتجاوز 60 ألف دولار مقابل نفقات تتجاوز مليوني دولار. ويتوقع الاتحاد الأمريكي للمزارعين أن يواجه المزارعون الأمريكيون صعوبات العام المقبل في المحاصيل الأساسية، حيث ستصل الخسائر إلى 138 دولاراً للفدان الواحد من فول الصويا و167 دولاراً للفدان الواحد من الذرة.
وبعد أكثر من قرن من الهيمنة، أصبحت الولايات المتحدة على وشك فقدان مكانتها كأكبر مصدر زراعي في العالم. في العام الماضي، بلغت صادرات الولايات المتحدة الزراعية 171 مليار دولار، متقدمة على البرازيل بملياري دولار فقط. ومع انخفاض الصادرات الأمريكية وارتفاع الصادرات البرازيلية، قد يكون عام 2026 هو العام الذي تفقد فيه أمريكا هيمنتها. فالبرازيل هي بالفعل أكبر منتج في العالم لفول الصويا ولحم البقر والدواجن، وأكبر مصدر للقطن، ويعود ذلك بشكل كبير إلى تحول الصين في مشترياتها.
ولا تزال أمريكا قادرة على إنتاج محاصيل استثنائية، لكن بعائدات أقل واعتماد أكبر على الدعم الحكومي. ويقول غودهيو: «لم نعد المورد العالمي لفول الصويا، بل أصبحنا المورد المتبقي».
على مدار القرن العشرين، حوّلت الولايات المتحدة أراضيها الخصبة وشبكة صادراتها إلى أداة للهيمنة التجارية العالمية، وكانت الصين العميل الرئيسي لكسب فول الصويا الأمريكي.
لكن هذه العلاقة تصدعت عام 2018 عندما فرض الرئيس دونالد ترامب رسوماً جمركية على البضائع الصينية، فردت بكين بإجراءات انتقامية استهدفت المنتجات الزراعية الأمريكية. وكرد فعل، وزعت إدارة ترامب الأولى نحو 23 مليار دولار كإعانات للمزارعين. وبدلاً من العودة إلى السوق الأمريكية، اشترت الصين المزيد من فول الصويا من البرازيل، ما جعل البرازيل تتجاوز توقعات وزارة الزراعة الأمريكية بسنوات.
وقال آرون ليمان، رئيس اتحاد مزارعي أيوا: «قبل خمس سنوات، فقدنا بعض مستهلكي ما ننتجه، ولم يعودوا إلينا حتى الآن».
وبالنسبة للمزارعين الذين يتخذون قرارات الزراعة قبل أشهر، تتسبب حالة عدم اليقين المستمرة في السياسات التجارية في عقبات جسيمة. في الوقت نفسه، انخفضت حصة الولايات المتحدة من صادرات الذرة العالمية من 68 % قبل عقدين إلى نحو 30 % اليوم.
لم يكن صعود البرازيل مجرد نتيجة للسياسة التجارية الأمريكية فحسب، فبعد أن كانت تعتمد على واردات الغذاء في سبعينيات القرن الماضي، بنت البرازيل قطاعاً زراعياً متنامياً يتصدر الآن عالمياً في إنتاج لحوم البقر، وفول الصويا، والقهوة، وقصب السكر، وعصير البرتقال.
وتكمن الميزة الرئيسية في المناخ، حيث تستطيع مناطق واسعة في البرازيل جني محصولين في السنة من الأرض نفسها، ما يوزع التكاليف الثابتة ويرفع هامش الربح. ففي ولاية ماتو جروسو، يزرع أكثر من نصف الأراضي المخصصة لفول الصويا بمحصول ثانٍ من الذرة أو القطن. كما يتيح توافر الأراضي بأسعار زهيدة التوسع بمساحات هائلة. وقد تضاعف إنتاج البرازيل من الحبوب والزيوت النباتية على مدار 13 عاماً ليصل إلى 346.1 مليون طن في عام 2025.
رغم ذلك، يواجه المزارعون البرازيليون ضغوطاً خاصة بهم، إذ يستوردون 85 % من احتياجاتهم من السماد في ظل الصراعات العالمية وارتفاع أسعار الفائدة المحلية. وقد قدر باحثون في جامعة «بوردو» أن أرباح فول الصويا في ماتو جروسو هبطت إلى أدنى مستوى لها منذ عقدين عند 10 دولارات للفدان في الحصاد الأخير. كما تعاني البرازيل من اختناقات في النقل، حيث تشكل تكاليف الشحن 30 % من قيمة فول الصويا في البرازيل، مقارنة بـ 10 إلى 15 % في الولايات المتحدة.
رغم ذلك، تستحوذ البرازيل على الحصة الأكبر من السوق الصينية، ما يترك المزارعين الأمريكيين عرضة لأزمة هيكلية مستمرة وليست مجرد دورة اقتصادية عابرة.
أجبر تراجع الطلب على الصادرات المزارعين الأمريكيين على الاعتماد على المشترين الذين يعتمدون على السياسات الحكومية المحلية. وتعتمد «ويندي جونسون»، التي تملك مزرعة في شمال أيوا بالقرب من مصنع للإيثانول، على الطلب على الذرة المدعوم بقواعد مزج الوقود الحيوي الفيدرالية.
ويستهلك قطاع الإيثانول حالياً نحو 40 % من محصول الذرة الأمريكي. وفي مارس، حددت وكالة حماية البيئة متطلبات قياسية لمزج الوقود الحيوي، ما خلق سوقاً تقدر بـ31 مليار دولار للذرة وزيت فول الصويا هذا العام.
وهكذا أصبحت الولايات المتحدة تتحول بشكل متزايد إلى سوق للاستهلاك المحلي. تقول جونسون «أصبحت مزارعنا مصادر للطاقة أكثر من أي شيء آخر. نحن لا نزرع الغذاء في الحقيقة، بل نزرع الإيثانول».
وعندما تخفق مزرعة أمريكية، غالباً ما يبتلعها كبار المستثمرين لإدارة تكاليف المعدات والتكنولوجيا عبر مساحات أكبر. لكن هذا الاندماج يؤدي إلى تهجير المجتمعات الريفية.
وقال «بوب ستيوارت»، وهو مزارع من الجيل الخامس في إلينوي: «نفقد صوتنا وتأثيرنا في المقاطعة لأن عدد المزارعين أصبح أقل بكثير»، أما في البرازيل، فالوضع يسير في الاتجاه المعاكس؛ إذ يمثل القطاع الزراعي نحو ربع الناتج الاقتصادي، ما يمنح المزارعين نفوذاً هائلاً في العاصمة برازيليا، ويحول المناطق الحدودية السابقة إلى مراكز ثراء متنامية بسرعة.
ورغم أن مزارعي الغرب الأوسط الأمريكي دعموا ترامب بشكل كبير، إلا أن الاضطرابات التجارية أوجدت قلقاً متزايداً. وكما يوضح «ليمان»، فبينما تقبل المزارعون الآلام قصيرة المدى أملاً في مكاسب سوقية طويلة الأجل، «فإننا في ولاية ترامب الثانية نجد أنفسنا في وضع أسوأ بكثير فيما يتعلق بالقضايا التجارية».
سوزانا سافاج ومايكل بولر
المصدر: فايننشال تايمز
سقوط الولايات المتحدة كقوة زراعية عظمى
