العالم الاقتصادي- رصد
مع تزايد الضغوط المرتبطة بشح الموارد المائية وارتفاع كلفة استيراد السلع الغذائية، يطرح الأرز الهوائي نفسه خياراً زراعياً يمكن أن يسهم في تقليص فاتورة الاستيراد وتعزيز الأمن الغذائي، مستفيداً من حاجته إلى كميات أقل من المياه مقارنة بزراعة الأرز التقليدي.
وعاد الأرز الهوائي إلى واجهة النقاش الزراعي في سوريا بعد نجاح تجارب بحثية حققت نتائج إيجابية، في وقت تستورد فيه البلاد نحو 250 إلى 300 ألف طن من الأرز سنوياً، ما يمنح هذا المحصول أهمية اقتصادية في حال الانتقال من التجارب المحدودة إلى الإنتاج على نطاق أوسع.
وأظهرت نتائج الأبحاث التي أجرتها الهيئة العامة للبحوث العلمية الزراعية في عدد من المناطق السورية مؤشرات إيجابية على قدرة المحصول على تحقيق إنتاجية جيدة باستهلاك مائي أقل من الأرز التقليدي.
6 أطنان في الهكتار
أكد مدير إدارة الموارد الطبيعية في الهيئة العامة للبحوث العلمية الزراعية، الدكتور منهل الزعبي، نجاح تجارب زراعة الأرز الهوائي في عدة مناطق سورية خلال السنوات الماضية، مشيراً إلى أن المشروع أصبح جاهزاً للتطبيق العملي، ويمكن إدراجه ضمن الخطط الزراعية المستقبلية.
وأوضح الزعبي، في تصريح لصحيفة «الثورة السورية»، أن الأبحاث الخاصة بزراعة الأرز الهوائي بدأت منذ سنوات، إذ نُفذت تجارب أولية في محافظتي دير الزور والرقة ضمن مشروع مشترك بالتعاون مع منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «الفاو»، كما استمرت التجارب خلال فترة الثورة في سهل عكار، وحققت نتائج إيجابية أكدت ملاءمة المحصول للظروف المحلية.
وبيّن أن المساحات المزروعة ضمن محطات البحوث لم تتجاوز هكتاراً واحداً، ومع ذلك بلغت الإنتاجية نحو 6 أطنان للهكتار، مؤكداً أن التجارب حققت نجاحاً كاملاً وأصبحت مهيأة للانتقال إلى مرحلة التطبيق على نطاق أوسع. وكشف أن المشروع أُوقف سابقاً بقرار من أحد وزراء الزراعة في النظام المخلوع، رغم النتائج المشجعة التي حققها.
وأشار الزعبي إلى أن أبرز الصعوبات التي تواجه التوسع في زراعة الأرز الهوائي ترتبط بمرحلة ما بعد الحصاد، إذ يحتاج المحصول إلى تجهيزات وآلات متخصصة لعمليات التقشير والتبييض. وأضاف أن الهيئة العامة للبحوث العلمية الزراعية أوصت، بصفتها جهة بحثية، بإدخال هذا المحصول ضمن الخطة الزراعية، مع التركيز على منطقة حوض الفرات باعتبارها من أكثر المناطق ملاءمة لزراعته.
ولفت إلى أن سوريا تعتمد حالياً على استيراد كامل احتياجاتها من الأرز، التي تُقدّر بنحو 300 ألف طن سنوياً، ما يكلف البلاد الكثير من العملات الأجنبية، ويجعل الأمن الغذائي أكثر تأثراً بتقلبات الأسعار والاحتكار في الأسواق العالمية، خاصة خلال الأزمات الدولية، ومنها التداعيات الحالية للحرب الأمريكية الإيرانية وما نتج عنها من آثار. وأكد أن التوسع في زراعة الأرز الهوائي يمثل خياراً اقتصادياً واستراتيجياً يمكن أن يسهم في تقليص فاتورة الاستيراد وتعزيز الاكتفاء المحلي.
تجربة ليست جديدة
من جهته، قال الخبير في الاقتصاد والاستثمار الزراعي، المهندس حسام القصار، عضو الجمعية العربية للعلوم الاقتصادية والاجتماعية الزراعية وعضو مجلس إدارة جمعية حماية المستهلك، في تصريح لصحيفة «الثورة السورية»، إن «التجارب البحثية الخاصة بالمحصول أثبتت نتائج مشجعة، إلا أن التوسع في زراعته لا يزال يحتاج إلى استكمال متطلبات فنية ولوجستية وبنية تحتية داعمة».
وذكر أن زراعة الأرز في سوريا ليست تجربة جديدة، إذ عُرفت منذ عقود في محافظات الحسكة والرقة وحمص وحماة ودرعا والقنيطرة، مستفيدة من توافر المياه خلال تلك الفترات.
وحول أسباب تراجع زراعة الأرز لاحقاً، بيّن القصار أنها تعود إلى انتشار زراعة القطن الأقل تكلفة، وانخفاض أسعار الأرز المستورد مقارنة بكلفة الإنتاج المحلي، إضافة إلى ظهور مشكلات صحية وبيئية آنذاك، ما أدى إلى تقلص المساحات المزروعة تدريجياً، مع شح المياه وارتفاع تكاليف الإنتاج.
وأفاد القصار بأن العقبة الرئيسية أمام زراعة الأرز التقليدي تتمثل في حاجته إلى كميات كبيرة من المياه لإبقاء الحقول مغمورة طوال موسم الزراعة، وهو ما أصبح من الصعب تحقيقه مع محدودية الموارد المائية والجفاف. وأضاف أن «التوجه نحو زراعة الأرز الهوائي جاء كحل بديل، لكونه لا يحتاج إلى الغمر بالمياه، ويمكن زراعته باستخدام وسائل الري الحديثة، مثل التنقيط أو الري بالرذاذ، ما يقلل الاستهلاك المائي بشكل كبير».
ولفت إلى أن الدراسات الخاصة بالأرز الهوائي بدأت عام 2008، وتبعتها تجارب ميدانية في حوض الفرات عام 2010، ثم نُفذ مشروع بالتعاون بين وزارة الزراعة ومنظمة «الفاو» عام 2011، حيث أظهرت التجارب في دير الزور والحسكة والرقة نتائج مشجعة، ووصلت الإنتاجية إلى نحو 6 أطنان للهكتار الواحد.
وأردف أن «مراكز البحوث العلمية الزراعية أجرت تجارب متعددة في اللاذقية وطرطوس والغاب لدراسة الاحتياجات المائية والسمادية لهذا المحصول، كما اختبرت عدداً من الأصناف ذات الأصول الوراثية المختلفة، واختارت الأصناف الأكثر ملاءمة للظروف السورية».
متطلبات التوسع والجدوى الاقتصادية
ويواجه تطبيق المشروع على نطاق واسع عدداً من الصعوبات، أبرزها نقص إنتاج البذار المناسبة، وتداخل مواعيد زراعته مع بعض المحاصيل الاستراتيجية الأخرى. وأشار القصار إلى صعوبات مرتبطة بتأمين الطاقة اللازمة لعمليات الري، إلى جانب غياب البنية التحتية الخاصة بتصنيع الأرز وتجهيزه بعد الحصاد، ومنها منشآت التقشير والتبييض، فضلاً عن الحاجة إلى دراسة مدى قبول المستهلك المحلي للأصناف المزروعة.
وأكد القصار أن المؤشرات الإنتاجية والاقتصادية لزراعة الأرز الهوائي تبدو إيجابية، إذ يمكن أن ينتج الدونم بين 400 و500 كيلوغرام من الحبوب، وقد ترتفع الإنتاجية في الظروف المناسبة، فيما لا تتجاوز دورة إنتاج المحصول 120 يوماً.
وذكر أن المحصول لا يحتاج إلى كميات كبيرة من المياه أو الأسمدة، ما يسهم في خفض تكاليف الإنتاج، فيما يمكن للتوسع في زراعته أن يقلص حجم الاستيراد ويخفف الضغط على احتياطي القطع الأجنبي. وأوضح أن سوريا تستورد حالياً كامل احتياجاتها تقريباً من الأرز، ما يجعل السوق المحلية مرتبطة بتقلبات الأسواق العالمية وقرارات الدول المصدرة.
ودعا القصار إلى حصر زراعة الأرز الهوائي في المناطق الأكثر ملاءمة، مثل سهل عكار والغاب وبعض مناطق حوض الفرات، مع دعم استخدام تقنيات الري الحديثة والطاقة البديلة، وشدد على أهمية إنتاج البذار محلياً، وتشجيع الاستثمار في منشآت التصنيع والتجهيز بعد الحصاد، وتطبيق برامج الزراعة التعاقدية لتشجيع المزارعين على التوسع في زراعته، مؤكداً أن نجاح مشروع الأرز الهوائي يمكن أن يسهم في توفير المادة محلياً، وتعزيز الأمن الغذائي الوطني، وتقليل الاعتماد على الأسواق الخارجية، وتحقيق مكاسب اقتصادية طويلة الأجل.
وتشير نتائج التجارب والمؤشرات الإنتاجية إلى إمكانية تحول الأرز الهوائي إلى خيار ضمن الخطة الزراعية السورية، لما يوفره من استهلاك أقل للمياه وفرصة لتقليص فاتورة الاستيراد وتعزيز الأمن الغذائي، على أن يرتبط التوسع في زراعته باستكمال متطلبات البنية التحتية وتأمين البذار والتجهيزات اللازمة لمرحلة ما بعد الحصاد.
بسام الرحال
المصدر: الثورة السورية
