تمويل التنمية أم خدمة الرفاه الفاخر؟ إعادة تقييم دور البنوك المصرية في توجيه الائتمان

زمن القراءة: 5 دقائق

العالم الاقتصادي- خاص

تواجه المنظومة المصرفية في مصراليومأسئلة جوهرية تتعلق بدورها الحقيقي في الاقتصاد الوطني، فهل يجب أن تتجه البنوك نحو تمويل المشروعات الإنتاجية والصناعية؛ التي تولّد فرص العمل؛ وتدعم الأمن الاقتصادي، أم إن الأولوية أصبحت لمشروعات عقارية فائقة الفخامة؛ تستهدف شريحة ضيقة من الأثرياء الجدد؟

هذا السؤال لم يعد نظرياً؛ بل فرض نفسه بقوة بعد تطورين بارزين: أزمة تعثّر رجل الأعمال محمد الخشن؛ أحد أكبر المقترضين في تاريخ القطاع المصرفي، ومساهمة البنك الأهلي المصري في مشروع عقاري فاخر تتجاوز استثماراته 1.4 تريليون جنيه، هذان الحدثان أعادا فتح النقاش بشأن طبيعة الائتمان، وأولويات البنوك، ومخاطر التركّز الائتماني، وحدود الدور الاجتماعي للمؤسسات المالية.

أزمة الخشن.. نموذج صارخ لمخاطر التركّز الائتماني

أثار تعثّر الملياردير محمد الخشن، صاحب واحدة من أكبر إمبراطوريات صناعة الأسمدة، صدمة واسعة في الأوساط الاقتصادية، فقد تجاوزت ديونه المتعثرة 40 مليار جنيه موزعة على أكثر من 30 بنكاً، ما يجعله أكبر حالة تعثّر في تاريخ القطاع المصرفي المصري، وتطرح هذه الأزمة عدة تساؤلات حادة:

-كيف حصل فرد واحد على هذا الحجم من التمويل؟

-أين كانت أدوات الرقابة وإدارة المخاطر؟

-هل تم تقييم قدرة الشركات على السداد بشكل واقعي؟

-وهل ساهمت الظروف الاقتصادية -من تراجع الجنيه إلى اضطراب الأسواق- في تفاقم الأزمة؟

كما امتدت تداعيات التعثّر إلى أفراد من عائلة الخشن، ما كشف عن شبكة معقدة من الارتباطات المالية، وأعاد النقاش بشأن: الشفافية، الحوكمة، ومخاطر الإقراض المفرط لكبار رجال الأعمال.

التمويل العقاري الفاخر.. انحراف عن الدور التنموي للبنوك

أعلن البنك الأهلي المصري عن مساهمة بنسبة 24.5% في مشروع “ذا سباين” الفاخر بالقاهرة الجديدة باستثمارات 1.4 تريليون جنيه.

 ويثير ذلك تساؤلات حول جدوى توجيه أموال البنوك الحكومية لمشروعات تخدم الأثرياء فقط، بدلاً من دعم قطاعات حيوية كالصناعة والزراعة والسياحة والمشروعات الصغيرة والمتوسطة والتجارة الخارجية والتكنولوجيا، باعتبارها أساس الاقتصاد المنتج والتنمية الشاملة في مصر.

 بين الربحية والمسؤولية الاجتماعية.. أين تقف البنوك؟

لا شك في أن المشروعات العقارية الفاخرة تحقق أرباحاً مرتفعة وسريعة، ما يجعلها جذابة للبنوك الباحثة عن عوائد مضمونة، لكن السؤال الأعمق هو: هل الربحية وحدها تكفي لتبرير هذا التوجه؟

البنوك ليست شركات خاصة تعمل بمعزل عن المجتمع، بل مؤسسات مالية تدير مدخرات المواطنين، وتتحمل مسؤولية دعم الاقتصاد الحقيقي، وعلى مدى عقود لعبت البنوك المصرية دوراً محورياً في تمويل الصناعة الوطنية، ودعم السياحة، وتمويل الزراعة، وتوفير السيولة للمشروعات الإنتاجية، أما اليوم، فإن انزياحها نحو تمويل “مدن الأثرياء الجدد” يهدد بتعميق الفجوة الاجتماعية، ويحوّل الائتمان من أداة للتنمية إلى أداة للرفاه الطبقي.

 الصناعة.. القطاع الأكثر احتياجاً والأقل حظاً

في الوقت الذي تتجه فيه البنوك لتمويل مشروعات عقارية ضخمة؛ يعاني القطاع الصناعي من: نقص حاد في التمويل، ارتفاع تكلفة الاقتراض، صعوبة توفير العملة الصعبة، تراجع القدرة التنافسية، وإغلاق مصانع أو تقليص إنتاجها، وعلى الرغم من أن الصناعة هي القطاع الأكثر قدرة على خلق فرص عمل، وزيادة الصادرات، وتقليل الواردات، ودعم العملة الوطنية، وتحقيق نمو مستدام؛ فإن هذا القطاع لا يحصل على التمويل الكافي، ما يهدد بتراجع قدرته على قيادة الاقتصاد.

نحو إعادة توجيه الائتمان لخدمة الاقتصاد الحقيقي

تحتاج مصر- اليوم- إلى إعادة تعريف دور البنوك بما يحقق توازناً بين الربحية والمسؤولية الاجتماعية، ويتطلب ذلك وضع حدود صارمة للتركيز الائتماني، وتعزيز الشفافية في منح القروض، وتوجيه التمويل نحو القطاعات الإنتاجية، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتقليل الانكشاف على العقارات الفاخرة، وتعزيز الرقابة على المخاطر، كما يجب أن تعود البنوك إلى دورها التاريخي كـمحرك للتنمية، لا كمجرد ممول لمشروعات النخبة.

من أحق بأموال البنوك المصرية؟

هذا السؤال لا يتعلق بالاقتصاد فقط، بل بمستقبل التنمية والعدالة الاجتماعية في البلاد، فإذا استمرت البنوك في تمويل مشروعات عقارية فاخرة تخدم أقلية صغيرة، بينما تُترك الصناعة والزراعة والقطاعات الإنتاجية دون دعم كافٍ؛ فإن الاقتصاد المصري سيواجه مزيداً من الاختلالات، أما إذا أعادت البنوك توجيه مواردها نحو الاقتصاد الحقيقي؛ فإنها ستسهم في خلق فرص عمل، وتعزيز الإنتاج، وتقوية العملة الوطنية، وتحقيق تنمية أكثر شمولاً واستدامة.

آخر الأخبار