شركات لا تفضل الشباب .. لماذا أصبح كبار السن هدفاً للتوظيف؟

زمن القراءة: 8 دقائق

“كسالى”، “مدللون”، و”غير جديرين بالثقة”.. هذه عينة بسيطة من الأوصاف التي بات بعض مسؤولي التوظيف في الشركات يطلقونها علنًا على أبناء جيل زد.

فعلى مدار عقود، كانت الإستراتيجية السائدة في الشركات العالمية مركزة على الشباب، وتتسابق لتوظيف خريجي الجامعات الجدد الذين كان يُنظر إليهم بأنهم أكثر اطلاعًا على التكنولوجيا، ومفعمون بالحيوية، وقليلو التكلفة.

لكن السنوات الأخيرة شهدت تحولاً هيكلياً عميقاً؛ إذ بدأت أعداد متزايدة من الشركات العالمية تغلق أبوابها بهدوء أمام الشباب المبتدئين، لتتجه بدلًا من ذلك بقوة نحو استهداف الموظفين الذين تتجاوز أعمارهم 50 عاماً.

فمن مصانع السيارات في ألمانيا إلى سلاسل المتاجر في الولايات المتحدة، ومن المستشفيات اليابانية إلى شركات الخدمات اللوجستية في أوروبا، أصبح هناك اتجاه متزايد لتوظيف العاملين في الخمسينيات والستينيات من العمر، بل وحتى إلى من تجاوزوا سن التقاعد.

رفض صامت لجيل زد

يبدو أن إقبال الشركات على الكفاءات الشابة يشهد تراجعًا، إذ كشف استطلاع عالمي أجرته مؤسسة إنتليجنت دوت كوم وشمل نحو ألف من مديري التوظيف في الشركات، عن واقع صادم.

ويعترف 1 من كل 6 أصحاب عمل بترددهم الشديد في توظيف مرشحين من جيل زد مجددًا، والأكثر دلالة من ذلك، أن 60% من الشركات المستطلعة اعترفت بطرد موظف من هذا الجيل في غضون أشهر قليلة من تعيينه خلال العام الماضي.

وذكر المديرون أسبابًا تمثلت في غياب الحافز المستمر، وضعف مهارات التواصل، وعدم القدرة على التعامل مع النقد البنّاء، والافتقار العام للجاهزية للانخراط في سوق العمل المهني.

وقد أجبر هذا الاضطراب التشغيلي الواسع إدارات الموارد البشرية على البحث في مكان آخر، وتوجيه ميزانيات التوظيف بعيدًا عن الحرم الجامعي وصوب الفئات العمرية الأكبر سنًا.

وتعد التداعيات الاقتصادية لارتفاع معدل الدوران الوظيفي بين الشباب محركاً رئيساً وراء هذا التحول في سياسات الشركات.

فتدريب موظف مبتدئ يتطلب استثماراً ضخماً ووقتاً طائلاً، وعند استقالته بعد أشهر قليلة من التوظيف يتجرع صاحب العمل خسارة كاملة لهذا الاستثمار.

في المقابل، يظهر الموظفون الأكبر سناً معدلات احتفاظ بالوظيفة أعلى بكثير؛ إذ تظهر بيانات مكتب إحصاءات العمل الأمريكي أن متوسط مدة الخدمة للموظفين الذين تتراوح أعمارهم بين 55 و64 عامًا يبلغ نحو 9.8 سنة.

هذا الرقم يمثل أكثر من ثلاثة أضعاف متوسط مدة الخدمة البالغة 2.8 سنة المسجلة للموظفين الأصغر سناً الذين تتراوح أعمارهم بين 25 و34 عاماً.

زحف الشعر الفضي نحو سوق العمل

يعد التحول الديموغرافي أحد أهم الأسباب وراء هذا الاتجاه، ففي كثير من الاقتصادات المتقدمة، تتراجع معدلات المواليد بينما تتسارع وتيرة الشيخوخة السكانية، مما يحد من نمو القوى العاملة.

وتشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن العديد من الدول ستحتاج إلى بقاء الأشخاص نشطين اقتصادياً بعد سن الخامسة والستين للحفاظ على النمو الاقتصادي وتخفيف آثار نقص العمالة.

وفي الولايات المتحدة، أظهرت بيانات مكتب إحصاءات العمل الأمريكي أن نسبة المشاركة في سوق العمل بين من تبلغ أعمارهم 65 عامًا فأكثر بلغت 19.1% خلال عام 2025، مقارنة بنحو 12.9% فقط في عام 2000.

وتعد اليابان المثال الأبرز على هذا التوجه؛ إذ دفعت الشيخوخة السكانية الحادة العديد من الشركات إلى إعادة توظيف المتقاعدين أو تمديد أعمارهم الوظيفية، حتى بات من المعتاد رؤية موظفين في السبعينيات من العمر.

نقص المهارات يرفع قيمة الخبرة

بدأت الشركات تدرك أن تعويض عقود طويلة من المعرفة والخبرة ليس بالأمر السهل، فكبار السن يمتلكون خبرات فنية وعلاقات مهنية وقدرات على حل المشكلات يصعب اكتسابها خلال فترة قصيرة.

ووفقاً لتقرير المنتدى الاقتصادي العالمي عن مستقبل الوظائف، والذي استند إلى استطلاع شمل أكثر من ألف شركة عالمية تمثل ما يزيد على 14 مليون موظف، فإن 63% من أصحاب الأعمال يرون أن نقص المهارات يمثل أكبر عقبة أمام عمليات التحول والتطوير.

كما يتوقع التقرير أن تتغير نحو 40% من المهارات المطلوبة في الوظائف بحلول عام 2030.

وفي ظل هذه الظروف، وجدت الشركات أن الاحتفاظ بالعاملين ذوي الخبرة أقل تكلفة وأكثر كفاءة من البحث المستمر عن موظفين جدد، ولذلك يعتزم 77% من أصحاب الأعمال الاستثمار في تطوير مهارات العاملين الحاليين، بحسب المنتدى الاقتصادي العالمي.

وفي أستراليا، قدرت شركة “كيه بي إم جي” أن زيادة مشاركة الفئة العمرية بين 55 و65 عامًا في سوق العمل يمكن أن تضيف نحو 240 ألف عامل إضافي، وأن ترفع الناتج الاقتصادي بنحو 45 مليار دولار أسترالي (29 مليار دولار أمريكي).

الذكاء الاصطناعي قد يمنح الخبرة قيمة أكبر

على الرغم من المخاوف المتعلقة بقدرة كبار السن على مواكبة التطورات التقنية، فإن بعض الخبراء يرون أن انتشار الذكاء الاصطناعي قد يزيد من أهمية الخبرة البشرية.

فمع توسع استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، تحتاج الشركات إلى موظفين قادرين على تقييم النتائج التي تنتجها هذه الأنظمة واكتشاف الأخطاء واتخاذ القرارات المناسبة استنادًا إلى الخبرة والسياق العملي.

ونقلت صحيفة “ماركت ووتش” عن عدد من الخبراء أن المعرفة المؤسسية والخبرة العملية التي يمتلكها الموظفون المخضرمون يصعب تعويضها بواسطة الأنظمة الذكية.

وفي المقابل، حذرت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، “كريستالينا جورجيفا”، من أن الوظائف المبتدئة التي تشكل نقطة الانطلاق للشباب قد تكون أكثر عرضة لتأثيرات الذكاء الاصطناعي، مما قد يجعل الخبرة عاملًا أكثر أهمية من العمر نفسه.

نماذج واقعية لتكيف الشركات

يظهر الانتقال نحو منح الأولوية للموظفين الأكبر سناً بوضوح لدى كبرى الشركات العالمية حيث بدأ العديد منها تعديل بيئات العمل لجذب الموظفين الأكبر سناً والاستفادة من خبراتهم.

ففي أوروبا، أدركت شركة صناعة السيارات الألمانية العملاقة بي إم دبليو مبكرًا أن خطوط تجميعها لا يمكنها الاعتماد فقط على العمال الأصغر سناً بسبب التحولات الديموغرافية والارتفاع الكثيف لدوران العمالة التصنيعية.

وأطلقت مبادرة لتكييف مصنعها في دينجولفينج لتلبية احتياجات قوتها العاملة التي تزيد أعمارها على 50 عامًا عبر إدخال تعديلات، شملت تركيب أرضيات خشبية لتقليل الضغط على المفاصل وتوفير أحذية طبية متخصصة، مما حافظ على نشاطها في خطوط الإنتاج.

وعلى النحو نفسه، شهد قطاع التجزئة متعدد الجنسيات في المملكة المتحدة تحولاً إستراتيجياً كبيراً؛ حيث قامت شركات تجزئة كبرى مثل أسدا وبي أند كيو بتأسيس برامج توظيف تستهدف صراحة الموظفين الأكبر سنًا.

ووجدت هذه الشركات أن الموظفين الأكبر سناً يسجلون باستمرار درجات أعلى في مؤشرات رضا العملاء، ويظهرون التزاماً أكبر بالمواعيد، ويتمتعون بأخلاقيات عمل موثوقة تدعم أنشطة تلك الشركات.

كما وفرت شركات مثل هوم ديبوت وسي في إس هيلث جداول عمل مرنة وفرصاً للعمل بدوام جزئي تستهدف المتقاعدين والموظفين ذوي الخبرة.

وفي وقت تتراجع فيه معدلات المواليد وتزداد ندرة المهارات، قد يصبح العمر نفسه أحد الأصول الاقتصادية التي تتنافس الشركات على الحفاظ عليها، بينما يكمن الفارق الحقيقي بين الشركات الناجحة وغيرها في قدرتها على الاستفادة من الخبرات المتراكمة والاحتفاظ بها.

المصادر: أرقام- مكتب إحصاءات العمل الأمريكي- منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية- المنتدى الاقتصادي العالمي- شركة كيه بي إم جي- صحيفة ماركت ووتش- منصة إنفستوبيديا- صندوق النقد الدولي

آخر الأخبار