العالم الاقتصادي- خاص
من المتوقع أن يمثل إطلاق سوق دمشق للعملات الأجنبية والذهب، تحولاً نوعياً في مسار السياسة النقدية السورية، في ظل التحديات الاقتصادية العميقة التي تواجه البلاد منذ نحو عقد ونصف العقد من الزمن، ويأتي هذا المشروع استناداً إلى قرار رئاسة مجلس الوزراء رقم 189 لعام 2025، بوصفه خطوة إصلاحية، تهدف إلى إعادة تنظيم سوق الصرف ضمن إطار رسمي وشفاف، وتعزيز قدرة المصرف المركزي على إدارة السيولة وضبط المضاربات، ويُنظر إلى هذه السوق كأداة استراتيجية؛ يمكن أن تسهم في الحد من التشوهات النقدية، تقليص دور السوق السوداء، ودعم مسار التعافي الاقتصادي على الأمدين؛ المتوسط والطويل.
أهداف تأسيس السوق
تسعى سوق دمشق للعملات الأجنبية والذهب، إلى تحقيق مجموعة مترابطة من الأهداف النقدية والاقتصادية، في مقدمتها تعزيز استقرار سعر الصرف عبر منصة تداول رسمية؛ تعكس مدى قوى العرض والطلب بشكل مباشر؛ بما يحد من التقلبات الحادة التي ميزت السوق خلال السنوات الماضية، وتقليص الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية؛ وهو ما يشكل خطوة أساسية للحد من نشاط السوق السوداء التي لعبت دوراً مركزياً في تحديد سعر الصرف خارج الإطار الرسمي.
وتعمل السوق أيضاً على رفع مستوى الشفافية، من خلال توفير بيانات دقيقة ومحدثة عن الأسعار وحجم التداول؛ ما يعزز ثقة المتعاملين؛ ويقلل من حالة عدم اليقين، كما تسهم في إخضاع عمليات التداول لإشراف المصرف المركزي؛ بما يحد من المضاربات غير المنظمة؛ ويعزز الانضباط المالي.
آلية العمل والمنصة الإلكترونية
تعتمد السوق على منصة إلكترونية مركزية حديثة؛ تُدار وفق معايير دولية؛ وتشارك فيها جهات مالية مرخصة، مثل المصارف وشركات الصرافة؛ وتتيح المنصة تحديد الأسعار- بشكل لحظي- بناءً على العرض والطلب؛ مع تسجيل جميع العمليات بشكل رسمي، ما يوفر قاعدة بيانات دقيقة تساعد في الرقابة، التحليل، واتخاذ القرار الاقتصادي.
ويؤكد المصرف المركزي أن هذه المنصة تمثل جزءاً من حزمة إجراءات أوسع لإعادة تنظيم سوق الصرف، وأنها ستعتمد أفضل المعايير العالمية في إدارة أسواق العملات والذهب، الأمر الذي من شأنه تعزيز كفاءة السوق، وتالياً يخدم أهداف الاستقرار النقدي.
الأثر المتوقع في الاقتصاد السوري
من المتوقع أن ينعكس تأسيس السوق على الاقتصاد السوري عبر ثلاثة مستويات زمنية:
الأمد القصير؛ قد يؤدي إطلاق السوق إلى تحسن نسبي في استقرار سعر الصرف، وزيادة الثقة بالنظام المالي، مع تراجع محدود في نشاط السوق السوداء، نتيجة توافر قناة رسمية أكثر شفافية.
الأمد المتوسط؛ يمكن أن تسهم السوق في تقليص الفجوة بين أسعار الصرف، وتحسين دور المصارف في تمويل التجارة الخارجية، ورفع كفاءة إدارة النقد الأجنبي، كما قد تعزز من قدرة المؤسسات المالية الرسمية على استعادة دورها في تنظيم السيولة.
الأمد الطويل؛ قد يشكل المشروع خطوة نحو استقرار نقدي أوسع، تحسين البيئة الاستثمارية، وجذب رؤوس أموال جديدة؛ بما يدعم مسار التعافي الاقتصادي؛ وإعادة بناء الثقة بين الفاعلين الاقتصاديين.
مكافحة السوق السوداء
تُعد السوق السوداء أحد أبرز التحديات التي واجهت الاقتصاد السوري، إذ لعبت دوراً رئيساً في تحديد سعر الصرف خارج الإطار الرسمي، إلا أنه من المتوقع أن تسهم السوق الجديدة في تقليص هذا الدور عبر توفير بديل رسمي أكثر كفاءة وشفافية، غير أن نجاح هذا الهدف يعتمد على قدرة المنصة على توفير سيولة كافية، مدى التزام المتعاملين بالقنوات الرسمية، إضافة إلى فعالية الرقابة.
التحديات المحتملة
بالرغم من أهمية المشروع، إلا أنه يواجه مجموعة من التحديات البنيوية التي قد تؤثر في سرعة تنفيذه وفعاليته، فضعف الثقة بالمؤسسات المالية، نتيجة التجارب السابقة، لا يزال يشكل عائقاً أمام انضمام شرائح واسعة من الفاعلين الاقتصاديين إلى المنصة، كما أن اتساع حجم الاقتصاد غير الرسمي، الذي يستحوذ على نسبة كبيرة من النشاط الاقتصادي، قد يحدّ من قدرة المنصة على تحقيق الشمول المالي الكامل؛ إذا بقي خارج نطاق التنظيم، ويُضاف إلى ذلك الحاجة إلى بنية تكنولوجية قوية قادرة على معالجة حجم كبير من العمليات بشكل آمن وفعال، إلى جانب ضرورة وجودة سياسات نقدية ومالية متسقة؛ تدعم أهداف المنصة؛ وتضمن استقرار البيئة التشغيلية.
نقطة تحول في تحديث البنية المالية والاقتصادية
يمثل إطلاق سوق دمشق للعملات الأجنبية والذهب خطوةً واعدةً نحو بناء منظومة مالية؛ أكثر شفافية وتنظيماً؛ قادرة على دمج شرائح واسعة من الفاعلين الاقتصاديين، ضمن إطار رسمي حديث، غير أن نجاحه يتطلب معالجة التحديات البنيوية المرتبطة بالثقة، الحوكمة، والبنية التكنولوجية، إضافة إلى تطوير سياسات داعمة؛ تعزز الاستقرار؛ وتضمن استدامة المنصة.
وفي حال تم تجاوز هذه العقبات؛ يمكن للمشروع أن يشكل نقطة تحول حقيقية في تحديث البنية المالية والاقتصادية، دعم مسار التعافي، وتعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على جذب الاستثمارات ورفع كفاءته التشغيلية.
