“مركز دمشق المالي”.. رسائل ثقة بالاقتصاد السوري وتحفيز جديد للاستثمار والعمل

زمن القراءة: 6 دقائق
الخبير المالي والمصرفي الدكتور علي محمد

العالم الاقتصادي- روعة غنم:

في خطوة تعكس تنامي الرهان على الاستثمار، كأحد مسارات التعافي الاقتصادي، شهدت دمشق وضع حجر الأساس لمشروع “مركز دمشق المالي” في منطقة البرامكة، وهو مشروع متعدد الاستخدامات يضم أبراجاً سكنية وتجارية وسياحية، ومراكز للأعمال والاستثمار، ضمن إطار شراكة بين القطاعين العام والخاص، في وقت تسعى فيه سوريا إلى إعادة تنشيط بيئتها الاستثمارية، جذب رؤوس الأموال، وتوسيع النشاط الاقتصادي في العاصمة.

وفي تصريح خاص لـ”العالم الاقتصادي”، أوضح الخبير المالي والمصرفي الدكتور علي محمد أن أهمية المشروع لا تتوقف عند البعد العمراني؛ بل تتجاوز ذلك إلى كونه يحمل رسائل اقتصادية واستثمارية متعددة؛ تعكس بداية تحرك فعلي لرأس المال السوري داخل البلاد، إلى جانب كونه مؤشراً إلى دخول مرحلة جديدة من التفكير الاستثماري القائم على مشاريع كبرى متعددة الوظائف.

البرامكة.. موقع استراتيجي ورسائل استثمارية متجددة

يرى الدكتور محمد أن اختيار منطقة البرامكة لتنفيذ المشروع يحمل دلالات مهمة، نظراً لما تتمتع به من موقع حيوي في قلب العاصمة، حيث تلتقي فيها الحركة الأكاديمية لقربها من جامعة دمشق مع النشاط التجاري والخدمي المحيط بها، ما يجعلها نقطة مركزية ذات قيمة استثمارية مرتفعة.

ويؤكد أن هذا التمركز الجغرافي يبعث برسالة واضحة، مفادها: إن دمشق ما زالت قادرة على استيعاب مشاريع استثمارية كبرى في مواقعها الحيوية، لافتاً إلى أن تنفيذ المشروع من قبل شركة سوريا القابضة يعكس تحولاً مهماً؛ يتمثل ببدء تحرك المستثمر السوري الوطني داخل السوق المحلية، وهو ما يعتبره مؤشراً إيجابياً إلى عودة الثقة تدريجياً بالبيئة الاستثمارية.

كما يشير إلى أن سوريا بحاجة ماسة إلى تطوير نماذج عمرانية واقتصادية حديثة؛ تجمع بين الأعمال والسكن والخدمات والسياحة، بما يواكب متطلبات المرحلة المقبلة، إضافة إلى أهمية معالجة الواقع الخدمي في المنطقة المحيطة بالمشروع؛ سواء من خلال تحسين البنية التحتية أو تطوير الشبكات المرورية والاتصالات؛ بما يسهم في تخفيف الازدحام، ورفع كفاءة المنطقة اقتصادياً.

حراك اقتصادي وفرص عمل ودعم للشباب

وعن الأثر الاقتصادي المباشر للمشروع، يلفت الدكتور محمد إلى أن إطلاق مشروع بهذا الحجم؛ يمثل رسالة تشجيع واضحة للمستثمرين، سواء المحليين أو العرب أو الأجانب، للدخول إلى السوق السورية خلال المرحلة المقبلة، خصوصاً في ظل الحديث عن مشاريع مشابهة يمكن أن تتوسع لاحقاً داخل العاصمة ومحيطها.

ويؤكد أن وجود أبراج متعددة الاستخدامات؛ تشمل الأعمال والتجارة والسكن والسياحة، ضمن منطقة واحدة؛ يوفر بيئة متكاملة وجاذبة للاستثمار؛ ويعزز من فرص استقطاب الشركات والخدمات، خلال السنوات القادمة، بالرغم من التحديات الإقليمية والدولية التي أثرت في وتيرة تنفيذ المشاريع في الفترة الماضية.

ويولي الدكتور محمد أهمية خاصة لبعد التشغيل، مشيراً إلى أن المشروع من المتوقع أن يوفر آلاف فرص العمل، حيث يتم الحديث عن نحو 15 ألف فرصة، وهو ما يشكل عنصراً مهماً؛ في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعاني منها الأسر السورية.

كما يشير إلى أهمية التوجه نحو ربط فرص العمل بالخريجين الجدد، من خلال ما تم تداوله حول اشتراط تشغيل ٣٠% من الشباب من خريجي الجامعات، الأمر الذي: يسهم في خلق صلة مباشرة بين التعليم وسوق العمل، ويفتح المجال أمام الكفاءات الشابة للمشاركة في مشاريع اقتصادية كبرى داخل البلاد.

ويرى أن هذه الديناميكية لا تقتصر على التوظيف فحسب، بل تمتد لتشمل تحريك قطاعات واسعة مرتبطة بالمشروع، مثل قطاع الإنشاءات ومواد البناء والهندسة والتصميم والخدمات المساندة، ما يجعل منه مشروعاً ذا تأثير اقتصادي متشعب.

الثقة بالاقتصاد وتمهيد لمرحلة استثمارية جديدة

وفيما يتعلق بالأثر الأوسع للمشروع على الاقتصاد السوري، يدعو الدكتور محمد إلى التعامل بواقعية مع التوقعات، موضحاً أن الأثر الأهم في المرحلة الحالية لا يتمثل في النتائج النقدية المباشرة، بل في تعزيز الثقة بالاقتصاد السوري وإرسال إشارات إيجابية للمستثمرين حول إمكانية تنفيذ مشاريع كبيرة داخل البلاد.

ويشير إلى أن كلفة المشروع المقدرة بنحو 452 مليون دولار، مع اعتماد جزء كبير من التمويل على الموارد الذاتية للشركات السورية، تمثل بحد ذاتها رسالة ثقة بقدرة رأس المال الوطني على تمويل مشاريع استراتيجية، مع إمكانية فتح المجال أمام شراكات استثمارية عربية في مراحل لاحقة.

كما يلفت إلى أن مثل هذه المشاريع قد تشكل نواة لإطلاق مراكز أعمال واستثمار جديدة في أطراف العاصمة مستقبلاً، بما ينسجم مع الحاجة إلى توسع عمراني واقتصادي مدروس، ويعزز من موقع دمشق كمركز اقتصادي قابل للتطور خلال المرحلة المقبلة.

ويختم الدكتور علي محمد بالإشارة إلى أن القيمة الحقيقية للمشروع لا تكمن فقط في الأبراج والمنشآت، بل في قدرته على تحريك دورة اقتصادية متكاملة تشمل مختلف القطاعات، من الهندسة والتصميم إلى البناء والخدمات، وصولاً إلى ترسيخ فكرة أن الاستثمار في سوريا بدأ يأخذ شكلاً أكثر واقعية وحركة على الأرض.

في المحصلة، لا يقتصر مشروع “مركز دمشق المالي” على كونه تطويراً عمرانياً أو استثمارياً داخل العاصمة، بل يندرج ضمن سياق أوسع يعكس محاولة لإعادة تموضع سوريا على الخريطة الاقتصادية الإقليمية، وتعزيز حضورها الجيو-اقتصادي كبيئة قادرة على استقطاب الاستثمارات وإعادة إنتاج دورها في محيطها الاقتصادي.

فمثل هذه المشاريع، رغم تحدياتها وامتداد تنفيذها على سنوات طويلة، تحمل دلالة تتجاوز البنية العمرانية نحو إعادة تشكيل مركز الثقل الاقتصادي في دمشق تدريجياً، عبر خلق نقاط جذب استثماري جديدة، وربط المدينة بشبكات الأعمال والتمويل والخدمات في المنطقة.

وبين الرسائل الاستثمارية المباشرة والأبعاد الاستراتيجية غير المباشرة، تبدو أهمية هذه المشاريع في قدرتها على تثبيت فكرة أن سوريا، رغم كل الظروف، ما زالت حاضرة في معادلة الاقتصاد الإقليمي، وقابلة لاستعادة دورها التدريجي كمحور جيو-اقتصادي في محيطها.

آخر الأخبار