العالم الاقتصادي- ماهر تقي
في صباح كل يوم عمل؛ تتحول شوارع دمشق إلى بحر من السيارات المتوقفة، حيث يضيع الموظفون والمواطنون الساعات في زحام خانق، وسط عوادم الحافلات؛ التي تلوث الهواء؛ وتنهش من رئة العاصمة، ليست هذه معاناةً يوميةً فحسب، بل هي أزمة اقتصادية صامتة؛ تضرب عمق الإنتاجية؛ وتنهك الميزانية العامة.
تكتظ دمشق بالكثير من المباني الحكومية والوزارات والهيئات العامة، حيث يقع معظمها في قلبها، هذا التمركز أدى إلى خلل عمراني ومروري خانق، حيث تشير التقديرات غير الرسمية إلى أن الازدحام يكبّد الاقتصاد السوري خسائر يومية تقارب المليارات من الليرات.
الخسائر الاقتصادية: أرقام في الظل
من الناحية الاقتصادية، يتسبب الازدحام بثلاثة تكاليف:
أولاً– هدر الوقت والإنتاجية: فالموظف الذي يقضي ساعتين يومياً في الزحام يخسر قرابة 40 ساعة عمل شهرياً، ما يعني تراجعاً في كفاءة القطاع العام الذي يشغّل أكثر من مليون شخص.
ثانياً– استهلاك الوقود: إن السيارات العالقة في الازدحام تستهلك ضعف كمية البنزين، ومع الاستيراد للمشتقات النفطية في سوريا؛ تتحمل الخزانة العامة عبئاً كبيراً من القطع الأجنبي.
ثالثاً– التلوث وتداعياته الصحية: فغازات أول أكسيد الكربون والجسيمات الدقيقة؛ ترفع معدلات الربو والتهاب القصبات؛ وتزيد الإنفاق الصحي؛ وتخفض من الناتج المحلي الإجمالي.
هناك أيضاً خسائر غير مباشرة، كتراجع جاذبية الاستثمار، فالمستثمر المحلي والأجنبي يبحث عن بيئة لوجستية مريحة، فكيف يغامر برأسماله في مدينة؛ تتحول فيها رحلة قصيرة إلى اختبار صبر؟
المدينة الإدارية.. الحلم القديم المتجدد
منذ عقود، تطرح فكرة إنشاء “مدينة إدارية متكاملة” على أطراف دمشق؛ تجمع كل الوزارات والهيئات والمرافق العامة في حرم واحد حديث، على غرار ما فعلته مصر بالعاصمة الإدارية الجديدة أو ماليزيا بوادي الحكومة في بوتراجاي، هذه الفكرة؛ تعيد توزيع الكثافة؛ وتخفف الضغط عن وسط العاصمة القديم، لكن هل ستتحسن النواحي الاقتصادية جميعها حال إقامتها؟ الجواب معقد.
من الناحية الإيجابية، يمكن أن تحقق المدينة الإدارية قفزات نوعية، من ناحية انخفاض تكاليف الازدحام، حيث تتقلص مسافات التنقل، ما يوفر للاقتصاد ملايين ساعات العمل، وملايين الليرات من الوقود، كما أنه سيؤدي إلى الانتعاش العقاري على الأطراف، حيث إن بناء مدينة جديدة؛ يحفز الاستثمار في الإسكان والخدمات؛ ويخلق فرص عمل، إضافة إلى أنه يؤدي الى تحسين بيئة العمل الحكومي، فتجميع الإدارات المتفرقة؛ يسهل التنسيق بين الوزارات؛ ويقلص البيروقراطية، ما ينعكس إيجاباً على الإنفاق العام، أي إن إنشاء منطقة إدارية حديثة؛ قد يجذب استثمارات تقنية؛ ويحرر وسط دمشق ليصبح منطقة تراثية وسياحية، ما يدر إيرادات جديدة، لكن، ثمّة محاذير اقتصادية عميقة وهي:
أولاً- التكلفة الباهظة للإنشاء: في ظل أزمة اقتصادية خانقة تعانيها سوريا من عقوبات ودمار حرب؛ قد تستهلك المدينة الإدارية موازنات كانت أولى بإعادة إعمار المساكن المدمرة أو دعم الصناعة المحلية، فالتقديرات الأولية تبدأ من 3 مليارات دولار لإنشاء بنية تحتية أساسية، وهو مبلغ شبه مستحيل في الظرف الراهن.
ثانياً- خطر تحويل الأزمة مكانياً لا حلها: إذا لم ترفد المدينة الإدارية بشبكة نقل عام حديثة ومواقف ذكية وطرق ربط سريعة، فقد تتحول هي نفسها إلى عقدة مرورية جديدة على أطراف دمشق.
ثالثاً- إشكالية الإيجارات: فانتقال الموظفين من ذوي الرواتب المتواضعة إلى موقع بعيد؛ قد يجبرهم على دفع إيجارات مرتفعة إذا لم تتوافر مساكن مدعومة؛ ما يرهق كاهلهم؛ ويقلل استهلاكهم؛ وتالياً يخفض الطلب الكلي في الاقتصاد.
أيضاً، إذا لم يتم التخطيط لمشاريع زراعية أو صناعية صغيرة بشأن المدينة الإدارية، فقد تخلق عبئاً اقتصادياً إضافياً بدلاً من أن تكون محركاً للنمو.
الخلاصة.. تحسن جزئي مشروط
باختصار، إقامة مدينة إدارية على أطراف دمشق؛ ستحسّن الأوضاع الاقتصادية بشكل كبير، لكن ليس من “جميع النواحي”؛ وستخفف الازدحام والتلوث وما يرتبط بهما من خسائر؛ وستخلق قطاعات اقتصادية جديدة؛ وستُحرِّر العاصمة القديمة لاستخدامات أكثر جدوى، لكنها لن تحل مشاكل اقتصادية هيكلية كالتضخم والبطالة وضعف الإنتاج؛ وقد تخلق مشاكل تمويلية وعقارية إذا لم تخطط بعناية، لذلك، الحل الأمثل ليس مشروعاً طموحاً واحداً؛ بل حزمة متكاملة تشمل المدينة الإدارية؛ بتدرج زمني؛ وبتمويل من القطاع الخاص والمنح الدولية؛ مع تطوير متزامن للنقل العام داخل دمشق.
هل ستتحقق هذه الرؤية في ظل الواقع السوري المعقد؟ يبقى السؤال مفتوحاً، لكن المؤكد أن استمرار الوضع الحالي يعني استمرار النزيف الاقتصادي الصامت، ودفع المواطن والاقتصاد ثمناً باهظاً للزحام الذي يبدو جزءاً من صباحات دمشق، لكنه ليس قدراً محتوماً.
