تحوّل المصارف الحكومية إلى شركات مساهمة محلية.. أم بيعٌ لشركات مصرفية أجنبية؟

زمن القراءة: 9 دقائق
أ.د. علي كنعان عميد كلية الاقتصاد بجامعة دمشق

بقلم: أ.د. علي كنعان *

 تعد المصارف والمؤسسات المالية /التأمين، والأسواق المالية/ الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني، لأنه، من خلال هذه المؤسسات، يمكن تجميع المدخرات، من المؤسسات ذات الفائض، وإقراضها أو تقديمها للمؤسسات ذات العجز، الأمر الذي يؤدي إلى: زيادة الإنتاج، تشغيل العمالة الوطنية، تنشيط التجارة بين القطاعات الاقتصادية، وتنشيط التجارة الخارجية؛ وفي هذا التنشيط تكون المصارف حاضرة تمارس دورها بكفاءة عالية.

لذلك لا يمكننا أن نتصور اقتصاداً في هذه الأيام من دون مصارف ومؤسسات مالية.

 فالسؤال المطروح: هل الاعتماد على المصارف المحلية ينشط الاقتصاد الوطني أكثر، أم إن المصارف الأجنبية أكثر قدرة على تنشيط وتحفيز الاقتصاد؟

للإجابة عن هذا التساؤل؛ لا بد من مناقشة دور كل منهما؟

 الاعتماد على المصارف المحلية    

تلعب المصارف المحلية دوراً متميزاً في تجميع المدخرات، ومعرفة مصادرها، والفئات التي تمتلك تلك الأموال، ولديها إمكانية معرفة مجالات التوظيف؛ سواء في التجارة أو في الصناعة والحرف أو في الزراعة، وتستطيع تحديد القدرة على السداد لكل مقترض، وفي حالات التعثر تستطيع وضع برامج وخطط ميسرة لمساعدة المقترضين على السداد، وإذا قامت الحكومة بمساعدة المصارف في تجاوز أزمة الديون المتعثرة؛ فسوف تستطيع تجاوز هذه الأزمات بنجاح وسيعود الاقتصاد من جديد للانطلاق.

أما في حال كانت الأمور ميسرة، ولا يوجد تعثر؛ فالمصارف تنمو وتوظف أموالها في مجالات عديدة، الأمر الذي يزيد من حجم الاستثمار والتوسع والانطلاق، كما حدث في: ماليزيا، سنغافورة، كوريا الجنوبية، أندونيسيا، ودول أميركا اللاتينية، حيث استطاعت هذه الدول- من خلال مصارفها- دعم وتمويل الاستثمارات المحلية من جهة، وإعادة استثمار الأرباح في الاقتصاد الوطني من جهة أخرى ، لذلك تمكنت هذه الحكومات من إنجاز تنمية سريعة؛ وصفت بـ “النمور الآسيوية”، من خلال قفزاتها السريعة، كل ذلك بفضل التطور المصرفي والمالي.

 الاعتماد على المصارف الأجنبية 

إن اعتماد الدول والاقتصاد على مصارف أجنبية؛ سيؤدي إلى ضخة أولى جيدة في الاقتصاد؛ ويزداد القطع الأجنبي؛ ويتحسن سعر الصرف للعملة الوطنية؛ ويتطور الاستيراد لدعم الصناعة الوطنية بـ (الآلات، التقانات، والمواد الأولية)، الأمر الذي يسهم في: زيادة الإنتاج، زيادة الصادرات والواردات، وتشغيل العمالة الوطنية، فإذا ما استمرت المصارف الأجنبية بتوظيف أموالها في الاقتصاد المحلي سيؤدي ذلك إلى قفزات نمو متعددة، لكن عندما يستقر النمو وتستقر الأرباح؛ تبدأ هذه المصارف بالبحث عن فرص جديدة، مثل:

  • مجالات توظيف في الأسواق المالية الدولية.
  • دول أكثر استقراراً وأمناً من هذه الدولة أو تلك.
  • البلد الأم الذي أتت منه.

هذه الفرص والمجالات تضر بالاقتصاد الوطني، لذلك عندما تخرج الأموال إلى الخارج تؤدي إلى:

  • تراجع سعر الصرف للعملة الوطنية.
  • نزوح رأس المال الوطني مع تلك الأموال، ما يؤدي لزيادة الأموال الخارجة أكثر من الداخلة.
  • احتمال حدوث أزمة مالية، كما حصل في دول جنوب شرق آسيا عام 1997.

أي تكون الفرص مهيأة لحصول أزمات مالية أكثر من الحالة الوطنية، أي أكثر مما لو كانت المصارف وطنية محلية، وتوظف إمكانياتها في وطنها، كما أن المالكين لهذه الاستثمارات، أي المساهمين، يريدون توزيعات أرباح سنوية يجب أن تخرج من الاقتصاد الوطني لشركات أجنبية مالكة لهذه الاستثمارات.

 الحالة السورية

تعاني المصارف الحكومية السورية من سلبيات عديدة، أهمها:

  • حالة التضخم التي يعيشها الاقتصاد السوري منذ عام 2011 وحتى نجاح الثورة 2024 وحتى مرحلة ما بعد الثورة.
  • تذبذب سعر الصرف والتراجع المستمر، الأمر الذي يؤثر في حالة الإيداع والإقراض.
  • تمسك المصرف المركزي بدعم سعر الصرف عن طريق تجفيف منابع السيولة؛ بمنع المصارف من سداد الودائع للمودعين حتى الوقت الحاضر، الأمر الذي يدفع المودعين إلى عدم استثمار الودائع في المصارف، وادخارها في المنازل.
  • عدم الحصول على القروض لعدم قدرة المقترض على سحبها من المصرف إلا على دفعات، وهذا الأمر لا يشجع على تأسيس شركات صناعية.
  • تراجع حجم الاستثمار المحلي والأجنبي، الأمر الذي يؤدي إلى: تراجع حجم الإنتاج، وزيادة معدلات البطالة.
  • طول فترة تبديل العملة السورية من 3 أشهر إلى 6 أشهر، وربما لنهاية العام، الأمر الذي يبقي المستثمرين في حالة ترقب وخوف مما هو قادم.
  • عدم وضوح الإجراءات المالية والنقدية يؤثر في: الحالة الاستثمارية، ووضع المصارف وشركات التأمين.

إن هذه السلبيات تؤثر في: الوضع المصرفي والمالي، الإنتاج، الاستثمار، والاستيراد والتصدير، ومع ذلك يبدو أن الحكومة تريد المشاركة بين المصارف الحكومية والمصارف الأجنبية أو حتى استحواذ المصارف الأجنبية على المصارف الحكومية.

سوف نناقش سلبيات وإيجابيات كل حالة: (حالة المشاركة أو الاستحواذ)، وحالة التحول إلى شركات مساهمة سورية.

حالة المشاركة الأجنبية أو الاستحواذ (السلبيات والإيجابيات

إيجابيات المشاركة أو الاستحواذ: إن قيام المصارف الأجنبية بإجراء المشاركة مع المصارف الحكومية السورية أو استحواذها سوف يؤدي إلى عدد من الإيجابيات:

  • إضافة مبالغ جديدة للاقتصاد السوري يكون بحاجة إليها في الظروف الراهنة.
  • استقدام أنظمة عمليات متطورة أفضل من المعمول بها حالياً.
  • استقدام كفاءات وخبرات مصرفية عالمية متطورة.
  • تسريح العمالة الفائضة المتراكمة في المصارف حالياً.
  • العمل بالمعايير المصرفية الدولية.
  • القدرة على: تجميع المدخرات الوطنية، ومنح القروض للشركات الكبيرة والصغيرة والمتوسطة؛ بأساليب وأشكال متعددة.

إن هذه الإيجابيات سوف تؤدي إلى: تطوير القطاع المصرفي الحكومي، وزيادة كفاءته وإنتاجيته في الاقتصاد السوري.

سلبيات المشاركة أو الاستحواذ: إن دخول المصارف السورية الحكومية بمشاركات مع القطاع المصرفي الأجنبي سوف يؤدي للسلبيات الآتية:

  • حصول المصارف الأجنبية على حصة كبيرة بأسعار منخفضة، لأن التقييم الحالي بأسعار متدنية أو من خلال التكلفة التاريخية.
  • انخفاض قيمة رأس المال، ما يساعد المصارف الأجنبية على الحصول على جزء من رأس المال بمبالغ متدنية.
  • قد لا يدخل رأس المال الأجنبي إلى سوريا، ويبقى في بلده وتجري قيود محاسبية، كما حصل في المشاركات السابقة بين (2004 – 2010) ، حيث كانت المبالغ تبقى في البلد الأم وتسوى قيود محاسبية فقط ، وهذا ما (أعطى الأجانب مصارف مجانية في سوريا).
  • ترحيل الأرباح إلى البلد الأم في نهاية كل عام، ما يؤثر في الدخل السوري والقطع الأجنبي، ويؤثر سلباً في الاستثمار.
  • قيام إدارة المصارف بتوظيف الفائض لدى المصرف الأم أو في مصارف أجنبية؛ بهدف تعظيم الأرباح، الأمر الذي لا يسهم في تطوير الاقتصاد السوري، بل في زيادة أرباح المصارف فقط.
  • عدم قدرة المصرف المركزي على مراقبة إدارات المصارف؛ الأمر الذي يجعلها فوق القانون؛ ويؤثر ذلك في العمل المصرفي؛ ويحولها إلى باحث عن الربح بدلاً من عنصر فاعل في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

إن هذه السلبيات إذا لم تُراقب ويتم ضبطها تنال من الإيجابيات ومن قدرتها على تطوير الاقتصاد السوري.

حالة تحويل المصارف الحكومية إلى شركات مساهمة سورية محلية 

تؤدي هذه الحالة إلى عدد من الإيجابيات والسلبيات:

إيجابيات الحالة:

  • إدخال المدخرات السورية إلى قطاع الاستثمار والتوظيف، من خلال شراء الأسهم من الحكومة، وقد يؤدي ذلك لدخول مدخرات سورية من الخارج.
  • تكوين رأسمال مصرفي ضخم أكبر من الرأسمال الحالي؛ يدعم الموقف المالي للمصارف.
  • إعداد أنظمة عمليات مصرفية جديدة متطورة، من خلال المجالس الجديدة المنتخبة.
  • استقدام خبرات سورية عاملة في الخارج لإدارة المصارف الجديدة.
  • تنشيط العمل المصرفي (إيداع – إقراض)، الأمر الذي يدعم تطور الاقتصاد الوطني السوري.
  • توظيف الأرباح في الاقتصاد السوري، الأمر الذي يدعم التطور والاستثمار وإقامة شركات جديدة وكبيرة سورية.

السلبيات:

  • استمرار التطور المصرفي البطيء في سوريا؛ عندما لا تستقدم مجالس الإدارة الجديدة خبرات خارجية.
  • استمرار الروتين والبيروقراطية في العمل المصرفي.
  • عدم مواكبة التطورات المصرفية العالمية.
  • الاكتفاء بالخبرات والكفاءات المحلية وآليات العمل القديمة، وسيطرة المصرف المركزي على هذه المصارف، ما يؤدي إلى تراجع التطور المالي.

 الحالة المقترحة

من خلال استعراض مزايا ومساوئ المشاركة أو الاستحواذ الأجنبي على المصارف الحكومية، ومزايا ومساوئ التحويل إلى شركات مساهمة سورية؛ فإنني أفضل الحالة الثانية، وهي: تحويل المصارف الحكومية؛ وحتى جميع مؤسسات القطاع العام إلى شركات مساهمة سورية؛ بهدف تكوين: رأسمال وطني، خبرات وطنية، وشركات سورية؛ تدعم التداول في سوق الأوراق المالية من جهة؛  والاستثمار والتوسع في الاقتصاد السوري من جهة أخرى، لأن استحواذ الشركات المصرفية العالمية على المصارف السورية قد لا يدعم الاستثمار الصناعي والحرفي والزراعي والتجاري، بل يدعم التطور العقاري والطفيلي فقط، الأمر الذي يحول سوريا إلى استثمارات عقارية؛ لا يمكن من خلالها تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي تنشدها الحكومة، ويريدها الشعب السوري، كما لا يمكن تحقيق الأهداف العامة في بناء اقتصاد سوري حديث ومتطور.

إن بناء قدرات ذاتية وطنية؛ يدعم التنمية والنمو؛ ويحقق العديد من الأهداف المنشودة.

__________________________________________

* عميد كلية الاقتصاد بجامعة دمشق

آخر الأخبار