حوار القطاع الخاص في سوريا.. اختبار جديد لمسار الشراكة الاقتصادية

زمن القراءة: 8 دقائق

تتجه الأنظار غداً إلى دمشق، حيث من المقرر انعقاد النسخة الثامنة من “حوار القطاع الخاص السوري“، في حدث اقتصادي يُعد الأول من نوعه داخل البلاد بعد سنوات من انعقاده في الخارج.

ويأتي هذا المؤتمر في لحظة اقتصادية دقيقة تتزايد فيها التحديات المرتبطة بالإنتاج والاستثمار وبيئة الأعمال، ما يضعه أمام اختبار حقيقي لمدى قدرة الحوار الاقتصادي على الانتقال من طرح الرؤى والتوصيات إلى بلورة سياسات عملية تعزز الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص وتدفع مسار التعافي الاقتصادي.

وسيناقش أولويات اقتصادية قابلة للتطبيق لتحفيز الإنتاج، وخلق فرص العمل، وتعزيز الاستقرار الاقتصادي، ويشارك في الحوار ممثلون عن الجهات الحكومية والقطاع الخاص المحلي والسوريين في المغترب، إلى جانب خبراء اقتصاديين وشركاء دوليين، وفق ما أفادت وزارة الاقتصاد والصناعة، التي أشارت إلى أن هذه النسخة تعتمد مساراً تشاركياً يبدأ من الورشات المحلية والقطاعية وصولاً إلى المؤتمر الوطني.

وشملت الورشات ممثلين عن المنشآت الصغيرة والمتوسطة ورواد الأعمال، إضافة إلى النساء والشباب، إلى جانب جلسات تشاورية مخصصة لرجال الأعمال السوريين في المغترب، بما يعزز الربط بين الاقتصاد المحلي والخبرات والاستثمارات الخارجية.

وبحسب الوزارة، فإن المؤتمر سيُبنى على مخرجات هذه الورشات التي أُطلقت بالشراكة مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وبدعم من الحكومة اليابانية، بهدف جمع رؤى مباشرة من الصناعيين والتجار وأصحاب المشروعات الصغيرة والمتوسطة ورواد الأعمال والفعاليات الاقتصادية السورية في الداخل والمغترب.

محطّة مفصلية

تُعد النسخة الثامنة من المؤتمر محطّة مفصلية، كونها تُعقد للمرة الأولى داخل سوريا بعد سبع نسخ سابقة نُظمت خارج البلاد، ما يعكس توجهاً نحو تعزيز الملكية الوطنية للحوار الاقتصادي وربط النقاشات بشكل مباشر بالواقع الإنتاجي والتجاري في البلاد.

وتعكس هذه الخطوة توجهاً متنامياً نحو “توطين الحلول الاقتصادية”، أي الانتقال من انتظار المبادرات الخارجية إلى بناء مقاربات داخلية تستند إلى تشخيص دقيق للمشكلات المحلية، خاصة في ظلّ التحولات الإقليمية الأخيرة ومحاولات إعادة تنشيط العلاقات الاقتصادية والاستثمارية العربية مع سوريا.

وخلال الأشهر الماضية، شهدت دمشق سلسلة منتديات ولقاءات اقتصادية، ما يشير إلى حراك اقتصادي متزايد تسعى الحكومة من خلاله إلى تحفيز بيئة الاستثمار واستعادة النشاط الإنتاجي تدريجياً.

ويتمثل أحد أبرز التحولات التي يعكسها المؤتمر في إعادة تعريف دور القطاع الخاص داخل الاقتصاد السوري، فبعد سنوات طويلة كان خلالها القطاع الخاص أقرب إلى متلقٍ للقرارات الحكومية، يبدو أن التوجه الحالي يسعى إلى إشراكه بصورة أوسع في صياغة السياسات الاقتصادية.

ووصف عضو نقابة الاقتصاديين السوريين عبد الكريم الناعم انتقال الحوار إلى داخل البلاد بأنه “تحول استراتيجي في إدارة الملف الاقتصادي”، معتبراً أن هذه الخطوة تمثّل إعلاناً عن دخول مرحلة “الاعتماد على الذات وتوطين الحلول وربط السياسات التنموية بمتطلبات الواقع الإنتاجي المباشر”.

وقال الناعم لصحيفة “الثورة السورية” :إن القيمة الأساسية للحوار تكمن في “الاستماع إلى صوت الميدان الإنتاجي”، موضحاً أن الورشات التمهيدية التي جرت في المحافظات والمناطق الصناعية لم تكتفِ بالنقاشات النظرية، بل نزلت إلى أرض الواقع للاستماع إلى أصحاب المنشآت الصغيرة والحرفيين ورواد الأعمال، بما يتيح بناء خريطة دقيقة للمشكلات والحلول.

وأضاف أن إشراك مختلف الفعاليات الاقتصادية يسهم في بناء الثقة المتبادلة بين الدولة والقطاع الخاص، وأن المستثمر عندما يشعر بأن صوته مسموع وأن مقترحاته تؤخذ بجدية، يصبح أكثر استعداداً لدعم السياسات الاقتصادية الوطنية والاستثمار في الداخل.

كما شدد على أهمية إشراك رجال الأعمال السوريين في المغترب، ليس فقط لجذب رؤوس الأموال، بل للاستفادة من خبراتهم وعلاقاتهم الخارجية في فتح أسواق جديدة للمنتجات السورية، ونقل الخبرات الإدارية والتقنية الحديثة إلى الداخل

شروط لنجاح المؤتمر

رغم الترحيب الواسع بعقد المؤتمر، إلا أن التحدي الأكبر يبقى في مدى قدرته على تحقيق نتائج تنفيذية ملموسة، بعيداً عن الاكتفاء بإصدار توصيات عامة.

وأوضح الخبير الاقتصادي الدكتور إيهاب اسمندر، لصحيفة “الثورة السورية”، أن نجاح المؤتمر مرهون بتحويل توصياته إلى “مصفوفة تنفيذية واضحة”، تتضمن تحديد الجهات المسؤولة عن التنفيذ، والإجراءات المطلوبة، والجداول الزمنية، وآليات المتابعة والتقييم.

وأكد اسمندر أن المطلوب “توصيات محددة وواضحة وذات أثر ملموس على القطاع الخاص السوري”، ترتبط مباشرة بتحليل الواقع الاقتصادي الحالي ونتائج تنفيذها المتوقعة.

ودعا إلى تشكيل لجنة متابعة دائمة تتولى التواصل مع الجهات الحكومية المعنية، وتقديم تقارير دورية عن نسب تنفيذ التوصيات، بما يمنع تحول المؤتمر إلى فعّالية موسمية تنتهي بانتهاء جلساته.

كما اعتبر أن المؤتمر يجب أن يشكل “شرارة لإطلاق برنامج إصلاح اقتصادي في سوريا”، يشمل تطوير السياسات الاقتصادية والمالية والنقدية، وتحسين بيئة الاستثمار، وإصلاح قطاع التجارة الخارجية، وتحديث المرافئ والمطارات وتسهيل الإجراءات الجمركية واللوجستية.

وأشار اسمندر إلى أن أي حوار اقتصادي لن يحقق نتائج حقيقية ما لم يترافق مع معالجة التحديات البنيوية التي تواجه بيئة الأعمال، وفي مقدّمتها تعقيد الإجراءات الإدارية، وصعوبة التمويل، وتقلبات سعر الصرف، وارتفاع تكاليف الإنتاج والطاقة والنقل.

المشروعات الصغيرة والمتوسطة

يستهدف الحوار في نسخته الثامنة أكثر من 500 مشارك عبر مختلف مراحله، بما يعكس توسع المشاركة الاقتصادية وتزايد التركيز على دور القطاع الخاص كشريك رئيسي في صياغة السياسات الاقتصادية.

واللافت في النسخة الحالية من الحوار هو التركيز الواضح على المنشآت الصغيرة والمتوسطة ورواد الأعمال، بوصفها الفئة الأكثر قدرة على توليد فرص العمل وتحريك الأسواق المحلية خلال مرحلة التعافي.

وتشكّل المشروعات الصغيرة والمتوسطة “العمود الفقري” لأي اقتصاد نامٍ، لكنها في سوريا تواجه صعوبات كبيرة تتعلق بالحصول على التمويل والتراخيص والخدمات الأساسية.

ومن هنا يبرز مطلب تبسيط إجراءات تأسيس المشروعات، الذي ركّز عليه اسمندر، باعتباره أحد المفاتيح الأساسية لتنشيط الاقتصاد المحلي، خاصة في ظلّ تراجع قدرة القطاع العام على خلق فرص العمل بمفرده.

كما أن إشراك النساء والشباب في الورشات التحضيرية يعكس إدراكاً متزايداً لأهمية توسيع قاعدة المشاركة الاقتصادية، وعدم حصر الحوار بالنخب الاقتصادية التقليدية فقط.

جدية التحوّل الاقتصادي

يرى اسمندر أن “حوار القطاع الخاص السوري” يمثل اختباراً لمدى جدية التحول نحو اقتصاد يقوم على التشاركية بين الدولة والقطاع الخاص، وعلى الإصلاح التدريجي المبني على الحوار والاستماع إلى احتياجات السوق.

فالاقتصاد السوري، الذي استنزفته سنوات الحرب والتحديات الهيكلية، يحتاج اليوم إلى مقاربات جديدة أكثر مرونة وواقعية، تعيد الاعتبار للإنتاج والاستثمار والعمل، وتمنح القطاع الخاص دوراً فاعلاً في صياغة المستقبل الاقتصادي.

ويبقى الرهان الأساسي على قدرة هذا الحوار على الانتقال من مستوى النقاش النظري إلى مستوى التنفيذ العملي، لأن نجاحه لن يُقاس بعدد المشاركين أو البيانات الختامية، بل بقدرته على إحداث فرق حقيقي في حياة المنتجين والمستثمرين والعمال، وعلى تحويل التوصيات إلى سياسات تنموية قابلة للتطبيق.

وفي حال نجح المؤتمر في بناء آلية متابعة حقيقية وتقديم حلول عملية قابلة للتنفيذ، فقد يشكّل بالفعل بداية مرحلة جديدة من الشراكة الاقتصادية الوطنية، تكون قادرة على دفع عجلة التعافي تدريجياً وفتح الباب أمام اقتصاد أكثر استقراراً وإنتاجية خلال السنوات المقبلة.

هلال عون

المصدر: الثورة السورية

آخر الأخبار