الليرة بعد العيد.. ثلاثة سيناريوهات لسعر الصرف

زمن القراءة: 5 دقائق

تواصل الليرة السورية التذبذب تحت وطأة ضغوط اقتصادية متراكمة، في ظل عوامل مرتبطة بحركة الاستيراد والطلب على القطع الأجنبي، إلى جانب اختلالات بنيوية في الإنتاج والسياسات النقدية.

وفي مرحلة ما بعد عيد الأضحى، تبرز التوقعات بشأن مسار سعر الصرف وسط آراء خبراء اقتصاديين يرون أن المرحلة المقبلة ستتأثر بتطورات متعددة تعكس استمرار أزمات التضخم وتداعياتها على مستويات المعيشة.

وشهدت الليرة السورية تراجعاً ملحوظاً في السوق الموازية، قبل أن تسجل تحسناً طفيفاً قبيل عيد الأضحى، ليستقر سعر صرف الدولار في السوق الموازية قرب 139 ليرة جديدة (13,900 ليرة قديمة).

سيناريوهات متوقعة

تشهد فترة ما بعد العيد عادة انخفاضاً في حجم الإنفاق الاستهلاكي وتراجعاً نسبياً في الطلب على الدولار لأغراض الاستيراد الموسمي، ما قد يمنح الليرة فرصة للحفاظ على مستوياتها الحالية أو تحقيق تحسن محدود، وفق ما قال المحلل الاقتصادي شادي سليمان، لصحيفة “الثورة السورية”.

لكن الاتجاه الحقيقي لسعر الصرف، بحسب سليمان، يتحدد بمجموعة من العوامل الاقتصادية الأكثر تأثيراً، أبرزها حجم التدفقات المالية والاستثمارات الجديدة، وقدرة الحكومة على زيادة الصادرات والإنتاج المحلي، إضافة إلى نجاح مصرف سوريا المركزي في إدارة السيولة النقدية، فضلاً عن مستوى الثقة بالسياسات الاقتصادية الجديدة وتطور العلاقات الاقتصادية والتجارية الخارجية.

وتوقع سليمان ثلاثة سيناريوهات لسعر الصرف بعد عيد الأضحى:

  1. السيناريو الإيجابي: مع استمرار الإصلاحات الاقتصادية الحالية ونجاح الحكومة في جذب استثمارات جديدة وتحسين بيئة الأعمال، قد تشهد الليرة مزيداً من الاستقرار مع إمكانية تحقيق تحسن تدريجي في قيمتها خلال النصف الثاني من العام، ويعزز هذا السيناريو ارتفاع الاحتياطيات الأجنبية وزيادة النشاط الإنتاجي.
  2. السيناريو المعتدل: الأقرب للواقع حالياً، ويتمثل في استقرار الليرة ضمن نطاقات سعرية محددة مع تسجيل تقلبات محدودة مرتبطة بالعرض والطلب، حيث ينجح مصرف سوريا المركزي في احتواء الضغوط النقدية دون تحقيق اختراقات كبيرة في قيمة العملة.
  3. السيناريو السلبي: في حال تباطؤ الاستثمارات أو ظهور ضغوط مالية ونقدية جديدة، في عودة المضاربات إلى السوق وزيادة الطلب على العملات الأجنبية، ما يؤدي إلى تراجع قيمة الليرة وارتفاع معدلات التضخم من جديد.

مواجهة صعبة

رغم التوقعات بأن تسهم حوالات المغتربين الموسمية خلال فترة العيد في دعم قيمة الليرة، فإن هذا الأثر بقي محدوداً في ظل استمرار ارتفاع الطلب على الاستيراد والمواد الأساسية.

ويرى الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي، أن الليرة السورية تمر بمرحلة تدهور شديدة، إذ فقدت خلال فترة زمنية قصيرة جزءاً كبيراً من قيمتها الحقيقية، بالتوازي مع تسجيل معدلات تضخم مرتفعة غير مسبوقة.

وقال قوشجي لصحيفة “الثورة السورية”، إن ذلك ترافق مع تراجع الإنتاج المحلي، واتساع نطاق السوق السوداء، وضعف فعالية السياسة النقدية، ما أفقد العملة قدرتها على أداء وظائفها الأساسية في الادخار والتسعير والتبادل.

وفي سياق البحث عن حلول، أشار إلى أن فكرة حذف الأصفار من العملة طُرحت كخيار سريع، إلا أن تطبيقها بصورة جزئية ودون إصلاحات مرافقة أدى إلى نتائج عكسية تمثلت في ارتفاع إضافي للأسعار، ما تسبب في موجة تضخمية إضافية، إلى جانب تراجع مستوى الثقة بالعملة الوطنية وتوسع السوق السوداء.

وأضاف أن التضخم يعكس اختلالات اقتصادية بنيوية، إذ يرتبط بتراجع الإنتاج الزراعي والصناعي، وارتفاع تكاليف النقل والطاقة، والاعتماد المتزايد على الاستيراد في ظل ضعف العملة المحلية، إلى جانب توسع الممارسات الاحتكارية وتمويل العجز عبر الإصدار النقدي، ما أسهم في تسارع ارتفاع الأسعار.

ولفت قوشجي إلى تآكل القوة الشرائية، حيث فقدت الرواتب قيمتها الحقيقية ولم تعد تغطي سوى أيام محدودة من الاحتياجات الأساسية، بالتوازي مع ارتفاع أسعار الغذاء والدواء وتراجع الاستهلاك، إضافة إلى تآكل المدخرات واتجاه المواطنين نحو الدولار والذهب، ما زاد الضغط على الليرة.

وبالنسبة للحوالات الخارجية، أوضح أنها أسهمت في تحسين القدرة الشرائية بشكل مؤقت ودعم الطلب على الليرة خلال فترات موسمية، إلا أن هذا الأثر يتلاشى سريعاً مع عودة الطلب على الدولار، ما يعيد العملة إلى مسار التراجع.

وخلص قوشجي إلى أن معالجة أزمة الليرة تتطلب ضبط الكتلة النقدية وتحسين إدارة سعر الصرف وتفعيل قنوات الحوالات الرسمية بسعر قريب من السوق، مؤكداً أن استعادة الاستقرار النقدي مرهونة بإصلاح بنية الإنتاج ومكافحة الاحتكار، بما يسمح بإعادة بناء قيمة العملة تدريجياً.

ميساء العلي

المصدر: الثورة السورية

آخر الأخبار