نهضة سوريا تبدأ الآن

زمن القراءة: 6 دقائق

تواجه سوريا اليوم تحديات استثنائية، تجمع بين أزمات هيكلية وبشرية وسياسية معقدة، وإن فهم الواقع بدقة دون مبالغة أو تهوين هو الخطوة الأولى نحو أي مسار للنهوض.
هذا ما أكده الخبير الاقتصادي د.عبد المعين مفتاح في حديثه لـ”الحرية” موضحاً أن نهضة البلاد لن تتحقق عبر نسخ تجارب دول أخرى، بل من خلال بناء نموذج سوري مستقل يقوم على الاستقرار النقدي والانضباط المالي واستثمار المزايا الوطنية الفريدة.

C

أزمات متشابكة

وأكد مفتاح أن سوريا تواجه اليوم ما يمكن وصفه بثلاث أزمات متداخلة تجعل حالتها مختلفة عن كل النماذج السابقة: أزمة هيكلية تمثلت في انهيار القاعدة الإنتاجية، وهو ما يظهر بوضوح من خلال الانكماش الكبير في الناتج المحلي الإجمالي منذ عام 2010 وتراجع نصيب الفرد من الدخل القومي إلى 830 دولاراً عام 2024، بالإضافة إلى توقعات نمو متواضعة للغاية خلال السنوات القادمة، حتى عام 2026، في حال الإدارة الصحيحة.
أما الأزمة البشرية والاجتماعية -حسب مفتاح- فتتجلى في نزوح نحو 6.3 ملايين سوري خارج البلاد، يمثلون غالباً الفئات الأكثر تأهيلاً وتعليماً، بينما يعيش داخل البلاد نحو 69% من السوريين دون خط الفقر، ويعاني 27% منهم من الفقر المدقع، وهو استنزاف غير مسبوق في رأس المال البشري.
أما الأزمة السياسية والخارجية، فهي مرتبطة بالعقوبات الدولية وخاصة قانون قيصر الأمريكي، الذي يشكل عقبة أمام الاستثمار والتعامل المصرفي، ويجعل مسار الانفتاح الاقتصادي أكثر صعوبة مما واجهته أي دولة ناهضة في بيئة دولية طبيعية .

رفض الاقتراض.. خطوة استراتيجية

في هذا السياق، أوضح مفتاح أن سوريا اتخذت موقفاً استراتيجيا برفض الاقتراض من صندوق النقد الدولي، مؤكداً أن هذا القرار يعكس وعياً بالدروس العالمية، كما حدث مع البرازيل في التسعينيات، عندما دخلت برامج الصندوق التي ركزت على تحرير سعر الصرف وتقليص الدعم وضبط الإنفاق العام، وأسهمت في استعادة التوازنات المالية لكنها جاءت بتكلفة اجتماعية مرتفعة.
وقال مفتاح: الواقع السوري مختلف، والعجز الحالي ليس ناتجاً عن ترف الإنفاق، بل عن انهيار القاعدة الضريبية والإنتاجية نتيجة النزاع، تطبيق وصفات الإصلاح الكلاسيكية سيؤدي إلى تقشف يضرب الفئات الأشد ضعفاً قبل أن يعيد بناء القدرة الإنتاجية، وأضاف مفتاح: الخيار البديل يكمن في بناء المصداقية المالية داخلياً أولاً، عبر ضبط الإنفاق الحكومي وتوجيه الموارد نحو الاستثمار الإنتاجي، ثم التفاوض من موقع قوة مع المؤسسات الدولية، تماماً كما فعلت البرازيل حين سددت ديونها مبكراً وأصبحت لاحقاً مقرضاً للصندوق.

مزايا سوريا.. أرض وبشر وثقافة

ورغم كل التحديات، أكد مفتاح أن سوريا لا تبدأ من الصفر، فهي تمتلك مزايا نسبية يمكن أن تشكل نواة للنهوض، إذا أُديرت بذكاء.. فالموقع الجغرافي لسوريا على تقاطع الممرات التجارية بين أوروبا وآسيا وإفريقيا يوفر فرصة لتعزيز الإيرادات من الترانزيت التجاري دون الحاجة إلى قاعدة تصديرية ضخمة، أما الموارد الزراعية، مثل سهول حوران ووادي الفرات والغاب، فتمثل قدرة إنتاجية يمكن استثمارها سريعاً، كما أن ملايين السوريين في المهجر ليسوا عبئاً بل رصيد، يمتلكون خبرات ورأسمالاً يمكن توجيههم للاستثمار في وطنهم، كما فعلت الهند مع مغتربيها.
وأضاف مفتاح: إن السياحة الحضارية تمثل فرصة أخرى، فالمواقع المدرجة على قائمة التراث العالمي، مثل دمشق القديمة وحلب وتدمر وقلعة الحصن، يمكن أن تولّد تمويلاً دولياً وقيمة سياحية عالية، مؤكداً أن السياحة الثقافية تضاعف إنفاق السائح مقارنة بالسائح التقليدي، والطلب العالمي على هذا النوع في ارتفاع مستمر.

الاستقرار النقدي

وعن المسار التنفيذي، قال مفتاح: إن النجاح يعتمد على ثلاث طبقات مترابطة، تبدأ بالاستقرار النقدي والمؤسسي، من خلال تثبيت سعر الصرف وبناء احتياطي ولو جزئي، إلى جانب إعادة بناء الجهاز الضريبي لضمان تدفق الإيرادات.
وأضاف: الطبقة الثانية تكمن في الإنتاج الانتقائي، عبر التركيز على قطاعات محددة مثل الزراعة والصناعات الغذائية والصناعات الدوائية واللوجستية والسياحة، بعيداً عن محاولة إعادة بناء كل شيء في وقت واحد، ما يضمن جودة الإنتاج ويجعل الموارد أكثر فعالية.
أما الطبقة الثالثة، فهي العدالة الاجتماعية، مشدداً على أن برامج التحويل النقدي المشروط والتأهيل المهني والإسكان ليست إنفاقاً استهلاكياً، بل إعادة تشغيل للطلب الداخلي، وهو المحرك الأساسي للاقتصادات الناشئة قبل التصدير الضخم.

البيئة الدولية.. المناورة الذكية

وتطرق مفتاح إلى البيئة الدولية مشيراً إلى أن رفع العقوبات الدولية وإلغاء قانون قيصر فتح أفقاً جديداً للاستثمار، كما أن التحدي الآن هو المناورة الذكية، والتكيف مع الواقع الدولي لضمان فرص نمو حقيقية.

درس البرازيل والفارق السوري

وفي مقارنة مع تجارب دول مثل البرازيل، أشار مفتاح إلى الفارق الجوهري أن البرازيل نهضت على أساس مؤسسي قائم، بينما سوريا تواجه تحدياً مزدوجاً: بناء المؤسسات وإطلاق النمو في الوقت نفسه، لكن هذه الصعوبة تمثل فرصة لبناء مؤسسات سليمة من البداية، وإطلاق نموذج اقتصادي مستقل.
وأضاف: نهضة سوريا لن تكون نسخة من أي تجربة سابقة، بل نموذجاً يستعير المبادئ لا الأدوات كما أنه لا يمكن أن يكون هناك استقرار نقدي بدون انضباط مالي، ولا انضباط مالي دون عدالة اجتماعية.
لأن النهضة الحقيقية تصنعها المؤسسات والسياسات الاقتصادية المنضبطة، وليس شخصاً بذاته..

هناء غانم

المصدر: الحرية

آخر الأخبار