سؤال الاستثمار في سوريا.. من استعادة الجغرافيا إلى بناء القاعدة الإنتاجية بقلم: أ.د. طارق عفاّش

زمن القراءة: 5 دقائق

بقلم: أ. د. طارق عفاش

أ.د.طارق عفاش – رئيس التحرير

يصدر العدد 108 من مجلة العالم الاقتصادي في لحظة تاريخية مفصلية تشهدها سورية لحظة لم تعد فيها استعادة السيطرة الميدانية على مساحات واسعة من الجغرافيا الوطنية حدثاً قائماً بذاته، بل غدت نقطة ارتكاز لإعادة ترتيب الأولويات الاقتصادية، وإعادة تعريف دور الدولة في مرحلة ما بعد التحرير. وفي هذا السياق تبرز إشكالية الانتقال من اقتصاد الأزمة إلى اقتصاد النمو انتقال مشروط بترسيخ الاستثمار بوصفه سياسة عامة ممنهجة لا مجرد مبادرات متفرقة أو استجابات ظرفية.

لقد أفضت استعادة الدولة لجزء كبير من مواردها الاستراتيجية ولا سيما في مجالات الطاقة والزراعة والمياه والبنية التحتية، إلى توسيع هامش التخطيط الاقتصادي الكلي. غير أن امتلاك الموارد، بحد ذاته، لا يرقى إلى تحقيق التنمية ما لم يُقترن بقدرة مؤسساتية فاعلة على تحويل هذه الموارد إلى مشاريع إنتاجية وربطها بسلاسل قيمة مضافة تضمن التكامل بين المناطق، وتوليد فرص عمل مستقرة، وتعزيز الدخل الوطني. وعليه، فإن سؤال الاستثمار يتجاوز كونه سؤالاً تقنياً، ليغدو سؤال دولة بامتياز، يتعلق بتحديد القطاعات ذات الأولوية، وآليات حماية الخيارات الوطنية من الانزلاق نحو الريع والمضاربة.

وفي هذا الإطار تكتسب التعديلات التشريعية ولا سيما المرسوم رقم /114/ لعام 2025 المتعلق بتعديل بعض مواد قانون الاستثمار رقم /18/ لعام 2021، أهمية خاصة، إذ تعكس توجهاً رسمياً نحو تحديث الإطار القانوني الناظم للاستثمار وتبسيط إجراءاته، وتوضيح العلاقة بين المستثمر والمؤسسات العامة.

 ولا يمكن النظر إلى هذا المرسوم بوصفه إجراءً قانونياً معزولاً، بل كمؤشر على إدراك متزايد بأن الإصلاح التشريعي شرط لازم لجذب رأس المال وتوجيهه نحو القطاعات الإنتاجية

غير أن التجربة الاقتصادية المقارنة تؤكد أن النصوص القانونية، مهما بلغت درجة إحكامها لا تكفي وحدها لبناء بيئة استثمارية جاذبة إذ يبقى الرهان الأساسي على استقرار السياسات التنفيذية وشفافية الإجراءات الإدارية، وفاعلية مكافحة الفساد، وربط الحوافز الاقتصادية بأهداف تنموية قابلة للقياس، مثل توطين الصناعة، وتعزيز الأمن الغذائي، وزيادة الصادرات، وخلق فرص العمل  كما تبرز الشراكة بين القطاعين العام والخاص كأداة محتملة لتعبئة الموارد شريطة أن تُدار ضمن أطر حوكمة واضحة تحول دون الاحتكار، وتضمن حماية المال العام، وتحقق توازناً عادلاً بين المخاطر والعوائد.

ويكتسب البعدان الاجتماعي والسياسي للاستثمار أهمية متزايدة في مرحلة ما بعد التحرير وفي هذا السياق يأتي المرسوم رقم /13/ لعام 2026 ليؤكد أن معالجة قضايا المواطنة وحماية التنوع الثقافي واللغوي ولا سيما ما يتعلق بالسوريين الكرد وتداعيات إحصاء عام 1962 تشكل عنصراً بنيوياً في تعزيز الاستقرار القانوني والاجتماعي فهذه المعالجات لا تنفصل عن الاقتصاد، بل تسهم في توسيع قاعدة المشاركة المجتمعية، وخفض مخاطر الاستثمار، خصوصاً في المناطق الغنية بالموارد والحساسة اجتماعياً.

أما السوريون في الخارج فيُشار إليهم غالباً بوصفهم مورداً داعماً من حيث التحويلات المالية، والخبرات المتراكمة، وشبكات الأعمال العابرة للحدود ومع ذلك يبقى الرهان الاستراتيجي معقوداً على الداخل، وعلى قدرة المؤسسات الوطنية على تحويل الموارد المستعادة إلى طاقات إنتاجية، بدلاً من توجيهها نحو أنماط استهلاك ممولة بالعجز

وتتعمق هذه الإشكاليات في ظل الحاجة إلى منظومة تمويل متكاملة إذ لا يمكن للمشاريع الكبرى أن تنهض في غياب أدوات تمويل طويلة الأجل ونظام مصرفي قادر على الإقراض التنموي، وسوق تأمين فعالة لتوزيع المخاطر. كما أن تمكين الإدارات المحلية من إعداد خرائط استثمارية دقيقة، وتعزيز استقلاليتها الإجرائية من شأنه تسريع توجيه الاستثمار نحو المناطق الأشد حاجة، وتقليص الفجوات التنموية.

إلى جانب ذلك يشكل وجود قضاء تجاري كفؤ، وآليات تحكيم فعالة، ومعايير شفافة للمناقصات والعقود، عناصر أساسية لخفض كلفة عدم اليقين وتعزيز ثقة المستثمرين. وحين تتكامل هذه العناصر مع سياسات ضريبية وجمركية منضبطة، وإحصاءات اقتصادية محدثة، وإدارة رشيدة لملف الأراضي والتنظيم العمراني، يصبح الاستثمار أداة لتوسيع القاعدة الإنتاجية الوطنية، لا مجرد حركة رساميل قصيرة الأجل.

وعليه لا يقدم هذا العدد تصوراً جاهزاً بقدر ما يضع «سؤال الاستثمار» في صلب المرحلة الراهنة: كيف يمكن توجيه رأس المال نحو القطاعات المنتجة؟ وكيف تُسخّر الموارد في خدمة التنمية المستدامة لا في سد الفجوات الآنية؟ وكيف يساهم الاستثمار في تعزيز قدرة الدولة السورية على اختيار مسارها الاقتصادي، ضمن إطار من السيادة المؤسسية، والحوكمة الرشيدة، والشراكات المتوازنة.

آخر الأخبار