منع تمثيل الوكالات في سوريا: هل يغلق باب الاستثمار؟

زمن القراءة: 7 دقائق

شهدت الأوساط الاقتصادية في سوريا حالة من الترقب عقب صدور التعميم رقم (1) عن وزارة الاقتصاد والصناعة في آذار الفائت، والذي جاء ضمن مسار واضح لإعادة تنظيم بيئة الأعمال وتوحيد آليات العمل في دوائر الشركات والسجل التجاري. ويُحسب للتعميم سعيه لضبط الفوضى السابقة، من خلال تحديد سقف الأنشطة التجارية وربطها بالتصنيف الصناعي الموحد، إضافة إلى فرض ضوابط إجرائية تهدف إلى رفع مستوى الامتثال والتنظيم. إلا أن هذا التوجه التنظيمي، رغم أهميته، يفتح باباً واسعاً للنقاش حول أثر بعض مواده على البيئة الاستثمارية، لا سيما المادة العاشرة التي تمنع إضافة نشاط تمثيل الشركات والوكالات إلى السجلات التي يساهم فيها غير السوريين.

ضوابط تنظيمية وسجلات محددة

يتضمن التعميم مجموعة من الضوابط التقنية، إذ حدد سقف الأنشطة التجارية في السجل الواحد بخمسة أنشطة غير متجانسة كحد أقصى، مع وجوب تحديد قطاعات الاستيراد بدقة بحيث لا تتجاوز خمسة قطاعات.

كما اشترط القرار الحصول على موافقات مسبقة وبطاقات عمل صادرة عن وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، في حال كان مدير الشركة أو المفوض بالتوقيع “أجنبياً”، إضافة إلى إلزام الشركات بتعديل غاياتها وفق التصنيف الصناعي الموحد عند أي إجراء لتعديل السجل، مع منح مرونة مؤقتة للمقرات لمدة ستة أشهر لشركات الأموال عند التأسيس.

موازنة صعبة بين الحماية والجذب

ويشير رئيس بوابة الأعمال السورية رفيق حبال إلى أنه “من حيث المبدأ، يمكن فهم هذا التوجه كجزء من سياسة تهدف إلى حماية التاجر المحلي وضبط سوق الوكالات”. ومع ذلك، يرى حبال أن الإشكالية تكمن في التطبيق العملي، خصوصاً في سياق اقتصادي يحتاج إلى أدوات مرنة لاستقطاب الاستثمار.

ويضيف حبال: “القرار يحمي المستثمر السوري، لكن في لحظة نحتاج فيها لتدفقات التمويل الخارجي، فإنه قد يحدّ من قدرة المستثمر الأجنبي على الدخول إلى السوق عبر تمثيل شركاته، وهذا ما قد يؤدي إلى إغلاق باب استثماري أساسي بدلاً من تنظيمه”. ويحذر من أن تقييد حق المستثمر في تمثيل علامته التجارية قد يدفعه نحو نماذج “الواجهات” الصورية التي تفتقر للشفافية وتزيد مخاطر النزاعات القانونية.

الوكالة وسيط وليست استثماراً حقيقياً

في المقابل، يوضح مدير مديرية الشركات في وزارة الاقتصاد والصناعة عبد المجيد عبدو أن هذا التوجه ليس مستحدثاً بالكامل، بل يعود للأصل القانوني السوري في المرسوم رقم 6 لعام 1959 الذي منع الأجنبي (سواء كان فرداً أو شركة) من تولي أنشطة الوكالات، وهو ما تم تأكيده حالياً لأسباب استراتيجية.

ويشير عبدو إلى أن الهدف الأساسي هو حماية المتعاملين السوريين لضمان قدرتهم على التقاضي والتنفيذ على أموال الوكيل داخل البلاد في حال نشوب نزاعات، فضلاً عن حماية الأمن الاقتصادي الوطني عبر إبقاء شبكات التوزيع والخدمات اللوجستية تحت السيطرة المحلية، إلى جانب دعم المواطن السوري وتوجيه النشاط التجاري له لتعزيز دوره في السوق وخلق المزيد من فرص العمل.

ويضيف عبدو: “هذا الإجراء يسهم في تنظيم السوق ومكافحة الاحتكار عبر التحكم في شبكات التوزيع لضمان المنافسة العادلة ومنع السيطرة الأجنبية المباشرة على القطاعات الحيوية”، مؤكداً أن هذا المبدأ لا يتعارض مع أحكام قانون الاستثمار والإعفاءات الضريبية والجمركية التي تقدَّم للمستثمر الأجنبي في سوريا. وينبع ذلك من كون الوكيل مجرد وسيط يقوم بتسويق منتجات الشركة الأجنبية مقابل هامش ربح متفق عليه، دون أن يمارس نشاطاً استثمارياً مباشراً أو يخلق صناعة جديدة، بينما المستثمر الأجنبي الحقيقي هو من يقوم بمشاريع استثمارية فعلية ويشغّل اليد العاملة، ويكون جزءاً من التنمية الاقتصادية الوطنية. ويختتم عبدو تصريحه بالإشارة إلى أن هذا النموذج من المنع موجود في أغلب دول العالم بهدف حماية الاقتصاد الوطني من الاستئثار بشبكات التوزيع المحلية.

ما مصير تفاهمات “الفرانشايز” اللبناني؟

هذا الرد الرسمي يتقاطع مع تساؤلات حول الحراك الاقتصادي الذي شهده شهر آذار الفائت، فكما سبق ونشرت “المدن” في تقرير موسع بتاريخ 25 شباط 2026 بعنوان “علامات تجارية لبنانية تتجه إلى دمشق: إعادة تشكيل السوق”، كانت الآمال معقودة على مذكرة التفاهم التي وقعها رفيق حبال مع رئيس الجمعية اللبنانية لتراخيص الامتياز، يحيى قصعة.

وحول أثر المادة (10) على هذا الملف، يوضح حبال أن “القرار لا يتعارض مع الفرانشايز، بل على العكس، هو يعمل على حصر موضوع الوكالات بيد السوريين، وهو ما يعد المحور الأساسي لنظام الفرانشايز (الامتياز التجاري)” وبذلك، يصبح الطرف المحلي هو المشغل الفعلي للعلامة، وهو ما قد يعزز دور التاجر السوري كشريك أساسي في هذه الاتفاقيات.

المستثمر في مواجهة إعادة الهيكلة

لكنّ الأثر لا يقتصر على المستثمرين الجدد فقط، وفقاً لـ حبال، بل يمتد ليشمل شركات قائمة بالفعل، خاصة تلك المملوكة لمستثمرين أجانب ممن أسسوا أعمالهم في فترات سابقة ضمن أطر أكثر مرونة. يقول حبال: “سيجد هؤلاء أنفسهم اليوم أمام قيود تحول دون تسجيل وكالاتهم ما لم يقوموا بإعادة هيكلة ملكياتهم لتصبح سورية بالكامل، وهو خيار لا يتوافق بالضرورة مع طبيعة الاستثمار الأجنبي أو معايير الحوكمة الحديثة“.

ويتابع: “المرحلة الحالية لا تحتمل رسائل متناقضة؛ فبينما تسعى الدولة للجذب، قد تُفهم بعض القيود كإشارات عكسية تدفع المستثمر للتردد أو البحث عن أسواق بديلة، والحل يكمن في اعتماد نماذج تنظيمية أكثر مرونة تقوم على الإفصاح والرقابة وتحديد المسؤوليات القانونية“.

أيّ مسار سيسلكه الاقتصاد؟

في المحصلة، يضع هذا التعميم الوزاري بيئة الأعمال في سوريا أمام معادلة دقيقة. فبينما يتمسك مدير مديرية الشركات عبد المجيد عبدو بالبعد القانوني والسيادي للقرار بوصفه أداة لحماية الأمن الاقتصادي ومنع الاستئثار الأجنبي بشبكات التوزيع، تظل المخاوف التي أثارها رفيق حبال والمراقبون الاقتصاديون قائمة حول التوقيت ومدى مواءمة هذه القيود مع حاجة البلاد لتدفقات رؤوس الأموال الخارجية.

فالتحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في مجرد الفصل بين “المستثمر الصناعي” و”الوكيل التجاري”، بل في ضمان ألا تؤدي هذه الضوابط إلى نشوء “اقتصاد ظل” أو وكالات صورية تلتف على القانون وتُفقد السوق شفافيتها. وبين الرؤية الحكومية التي ترى في حصر الوكالات بالسوريين دعماً للمواطن وحمايةً للحقوق، ومطالبات القطاع الخاص بمرونة أكبر تتماشى مع معايير الحوكمة الدولية، يبقى التساؤل معلقاً: هل سينجح هذا “الإغلاق التنظيمي” في تقوية التاجر المحلي، أم أنه سيجبر الشركات الدولية على إعادة النظر في جدوى الدخول المباشر إلى السوق السورية في ظل هذه القيود؟ تظل الإجابة رهينة الأيام القادمة وقدرة وزارة الاقتصاد على موازنة هذه الضوابط مع رسائل التطمين التي يحتاجها المستثمر الأجنبي.

المصدر: المدن

آخر الأخبار