الذهب في السوق السورية.. مرآة للاضطرابات الاقتصادية والجيوسياسية العالمية

زمن القراءة: 5 دقائق

لم تعد سوريا بمعزل عن التأثر بأي تطورات في الأسواق العالمية ولاسيما أسعار الذهب التي تشهد منذ مطلع عام 2026 اتجاهاً تصاعدياً ملحوظاً، لتأتي الحرب الأمريكية الإسرائيلية – الإيرانية، وتدعم هذا الارتفاع محلياً وعالمياً.

وفي هذا السياق نقلت وكالة سانا للأنباء عن رئيس هيئة المعادن الثمينة مصعب الأسود أن ارتفاع أسعار الذهب مرتبط بشكل مباشر بتداعيات الحروب والتوترات الدولية، إذ يدفع المستثمرين، ومدخري هذا المعدن للجوء إلى الذهب كملاذ آمن، ما يزيد الطلب المحلي ويرفع الأسعار مضيفاً أن زيادة الطلب المحلي مع ارتفاع الأونصة عالمياً أدت إلى تسجيل مستويات سعرية أعلى، في ظل توجه شريحة واسعة من السوريين إلى الادخار والتحوط عبر الذهب، وخصوصاً مع تصاعد المخاطر الإقليمية.

ولفت الصائغ يعقوب حداد إلى أن سوق الذهب في سوريا يشهد تقلبات ملحوظة في الأسعار اليومية، وسط حالة الترقب التي تسيطر على المهتمين بهذا الشأن بسبب التوترات الحالية في المنطقة، مبيناً أن حركة البيع والشراء أصبحت غير مستقرة، حيث يتردد الزبائن بين الإقبال الحذر على الشراء والانتظار لرصد أي تغيرات في الأسعار مشيراً إلى أن أغلب الزبائن يفضلون شراء قطع الذهب الصغيرة أو أجزاء من الأونصات عندما تتوفر، في حين يقل بشكل ملحوظ عرض بيع القطع الذهبية الكبيرة، ما يعكس شعور الناس بالحاجة إلى الاحتفاظ بالذهب كملاذ آمن في ظل تطورات الإقليمية.

وأوضح الخبير الاقتصادي مهند الزنبركجي أن الذهب في الأسواق السورية ليس مجرد سلعة، بل أصبح مرآة للاضطرابات الاقتصادية والجيوسياسية، ومع كل تصعيد في الشرق الأوسط، يرتفع الطلب داخلياً، ما يسحب جزءاً من السيولة النقدية من الدورة الاقتصادية ويحد من الإنفاق والاستثمار، ويؤثر على النشاط الإنتاجي مشيراً إلى أن أسعار الذهب المحلية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بسعر صرف الدولار، حيث يؤدي أي تراجع للعملة المحلية أمام الدولار إلى ارتفاع مباشر في أسعار الذهب، بينما يخفف الاستقرار النقدي من الضغوط التضخمية على الأسعار.

وبيّن الزنبركجي أن الذهب في السوق السورية يمثل مرآة تعكس عمق الاختلالات الاقتصادية، أكثر مما يمثل أداة أمان حقيقية، فطالما بقي الإنتاج ضعيفاً والدخل محدوداً، ستظل أي صدمة خارجية، سواء في أسعار الذهب أو غيرها قادرة على تعميق الضغوط المعيشية، أما كسر هذه الحلقة، فيتطلب انتقالاً فعلياً من إدارة الأزمات إلى بناء اقتصاد منتج، قادر على امتصاص الصدمات وتحويل الاستقرار النسبي إلى تحسن ملموس في السوق.

ويتركز الطلب العالمي اليوم على الذهب وفق مجلس الذهب العالمي في ثلاثة قطاعات رئيسية، تتصدرها المجوهرات بنحو 44%، تليها الاستثمارات في السبائك والعملات وصناديق الاستثمار المدعومة بالذهب بحصة تقارب الثلث، فيما تمثل الاستخدامات الصناعية والتكنولوجية 7–8%، وبفضل التوترات المستمرة، يظل الطلب الاستثماري متزايداً، ما يدعم الاتجاه التصاعدي للأسعار، وفي ظل الإقبال المتزايد على المعدن الأصفر توقع معهد الاستثمار التابع لبنك “ويلز فارجو” الأمريكي أن تتراوح أسعار الذهب بين 6100 و6300 دولار للأونصة بنهاية 2026، مع استمرار المخاطر الناتجة عن التوترات العسكرية في الشرق الأوسط، وفي المقابل، رفع بنك “يو بي إس” السويسري توقعاته إلى نحو 6200 دولار للأونصة خلال الأشهر المقبلة، مع احتمال تراجعها إلى 5900 دولار بحلول نهاية العام، بما يعكس تقلبات الأسواق الدولية بسبب السياسة الأميركية وأسعار الفائدة مقابل استمرار التوتر الإقليمي.

وشهدت أسعار الذهب في السوق السورية ارتفاعاً ملحوظاً منذ بداية العام الحالي، حيث بلغ سعر غرام الذهب عيار 21 نحو 14500 ليرة سورية في بداية العام، ثم ارتفع ليصل إلى 18250 ليرة سورية، مسجلاً زيادة قدرها 3750 ليرة، أي ما يعادل نحو 25.9% مقارنة بسعره في بداية العام، ورغم تراجع سعر الذهب في نشرة أمس السبت الصادرة عن جمعية الصاغة بدمشق إلى 17350 ليرة سورية للغرام، منخفضاً بنحو 900 ليرة عن أعلى مستوى سجله، أي ما يقارب 4.9%، إلا أن هذا السعر بقي أعلى من مستواه في بداية العام بحوالي 2850 ليرة، أي بزيادة إجمالية تقارب 19.7% وفقاً للوكالة.

وعالمياً، سجلت أسعار الأونصة نحو 5171.98 دولاراً أمريكياً، ما يعكس استمرار تأثير العوامل الاقتصادية والجيوسياسية في أسعار المعدن الأصفر، وفق تقرير شبكة سي إن إن، يوم الجمعة الماضي حيث أوضح التقرير أن أسعار الذهب شهدت ارتفاعاً أكبر من ارتفاع أسعار النفط نظراً لتوجه المستثمرين إلى المعدن النفيس، باعتباره ملاذاً آمناً في ظل تزايد عدم اليقين، بسبب اتساع رقعة الصراع في المنطقة.

آخر الأخبار