في دائرة النار.. هل تمتد الحرب الإيرانية إلى سوريا؟

زمن القراءة: 10 دقائق

وحتى الآن، اقتصرت آثار الحرب على سوريا على وقوع مواجهات في أجوائها، نتيجة اعتراض إسرائيل لصواريخ إيرانية، إضافة إلى تراجع إمدادات الطاقة. لكن استمرار الحرب وجنوح الأطراف وخاصة إيران لتوسيع دائرة المواجهة قد يشكل تدريجيا تهديدات لسوريا.

ويمكن تحديد الآثار المحتملة للحرب الحالية على سوريا في الجوانب التالية:

الجماعات الموالية لإيران في سوريا

امتلكت إيران ورقة مهمة طيلة وجودها العسكري في سوريا قبل سقوط نظام بشار الأسد أواخر 2024، متمثلة في انتشار مجموعات مسلحة موالية لها في جنوب سوريا قرب الحدود مع إسرائيل، وهو ما منحها سابقا نقاطا عسكرية متقدمة لإطلاق صواريخ باتجاه الأراضي الإسرائيلية عند محطات التصعيد السابقة.

ومن الواضح أن طهران وحلفائها لا تزال لديهم الرغبة في الحفاظ على خيار استخدامهم الأراضي السورية، ففي فبراير/شباط الماضي أعلنت وزارة الداخلية السورية -في بيان- اعتقال خلية تتبع لحزب الله اللبناني، نفّذت ضربات صاروخية على مطار المزة العسكري بريف دمشق، كانت الخلية قبل اعتقالها تُحضر للهجمات بطائرات مُسيّرة.

واستضاف مطار المزة العسكري خلال 2025 لقاءات عدة بين وفود عسكرية أمريكية وسورية، كما انتشرت توقعات بأن يكون المطار نقطة ارتباط عسكرية مع التحالف الدولي.

عملية أمنية واسعة في سوريا تستهدف خلايا تنظيم الدولة الإسلامية - المصدر: وزارة الداخلية السورية
عملية أمنية واسعة في سوريا تستهدف خلايا تنظيم الدولة الإسلامية (وزارة الداخلية السورية)

وأكد الخبير الأمني المقيم في دمشق، عصمت العبسي، أن “إيران ووكلاءها لا يزال لديهم فلول في سوريا، ولا يمكن إنكار ذلك”، وقال للجزيرة نت، إن قدرة هذه الخلايا تراجعت كثيرا بسبب العمليات الأمنية التي استهدفتهم طيلة العام الماضي، وعليه يمكن تصنيفهم على أنهم خطر منخفض التأثير حاليا.

ومنذ مطلع الشهر الجاري، نشر الجيش السوري تعزيزات كبيرة على الحدود مع العراق ولبنان، في خطوة تهدف للحد من حركة تهريب المخدّرات والسلاح عبر تلك الحدود، وللتصدي لقوات غير نظامية منتشرة على حدود سوريا خاصة مع العراق، حسب وسائل إعلامية رسمية سورية.

عودة تنظيم “داعش”

ويندرج نشاط خلايا “داعش” ضمن التهديدات الأمنية المحتملة في سوريا، فقد نفّذت تلك الخلايا هجمات عدة ضد قوات أمنية سوريا في الرقة ودير الزور أواخر شباط الماضي، بعد تهديدات صريحة من الناطق باسم التنظيم أبو حذيفة الأنصاري ضد الحكومة السورية.

وبالفعل، أعلنت وزارة الداخلية السورية في 5 آذار الجاري إحباط “مخطط إرهابي” لتنظيم “داعش” في محافظة دمشق، بعد تنسيق مع الاستخبارات السورية ونظيرتها التركية.

وفي 10 شباط الماضي، دعا التحالف الدولي لمكافحة التنظيم خلال اجتماع له في الرياض لتقديم دعم مباشر للجهود السورية والعراقية لدحر التنظيم.

ورأى الخبير الأمني العبسي أن هناك احتمالية لإعادة إحياء تنظيم “داعش” خاصة في شرق سوريا، ولم يستبعد أن يكون هناك دور لوكلاء إيران في تسهيل هذا النشاط.

وأكد العبسي أن المعطيات تشير إلى وجود تبادل خدمات في السابق بين وكلاء إيران والتنظيم، ومن المحتمل أن يكون هناك توجه لإعادة خلق بلبلة أمنية في المنطقة، خاصة في ظل الرقابة التي تفرضها القوى الأمنية السورية على عمليات تهريب الأسلحة.

وبالرغم من هذه المخاوف وبوادر التصعيد التي ظهرت من تنظيم “داعش” خلال الفترة الأخيرة، لكن من الواضح أن جميع هجماته على نقاط أمنية علنية كانت فردية، ولم تطل أهدافا أمنية حسّاسة، كما أن العديد من خلايا التنظيم يتم تفكيكها بشكل استباقي قبل شروعها بتنفيذ هجمات، حيث تستفيد سوريا أيضاً من التنسيق مع دول إقليمية فاعلة في مكافحة التنظيم وخاصة تركيا.

قوات الأمن الداخلي تبدأ انتشارها في الحسكة تنفيذاً للاتفاق المبرم بين الدولة السورية و”قسد” sana
قوات الأمن الداخلي السوري تنتشر في الحسكة تنفيذا للاتفاق المبرم بين الدولة السورية وقسد (سانا)

احتمال انتكاسة اتفاق قسد

نشرت وسائل إعلام أمريكية ومنها فوكس نيوز- قبل يومين- تقارير عن إمكانية توجُّه مقاتلين أكراد من إقليم كردستان العراق إلى إيران من أجل القتال في إيران، كما ذكرت وكالة رويترز أن جماعات مسلحة كردية تشاورت مع الولايات المتحدة بشأن مهاجمة القوات الأمنية الإيرانية غرب إيران.

هذه التقارير أعادت إلى الواجهة مسألة الدعم الأمريكي للمكوّن الكردي في المنطقة، والذي بدا أنه أخذ في التقلُّص بعد إعلان إدارة الرئيس دونالد ترمب في 22 كانون الثاني الماضي انتهاء تعاون التحالف الدولي مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تسيطر عليها جماعات كردية، لكن هذه التطورات الأخيرة في الملف الكردي الإيراني أوحت باحتمالية حصول انتكاسة في اتفاقية الاندماج بين قسد والحكومة السورية.

كما غادرت القوات العسكرية التي تتبع لقسد من منطقة عين العرب (كوباني)، ووصلت إلى الحسكة في 6 مارس/آذار الجاري، وبدأت بالتوازي قوات أمنية حكومية الانتشار في هذه المنطقة التي تعتبر آخر جيب لقسد في ريف حلب.

واستبعد الخبير الأمني عصمت العبسي أن تؤدي تطورات الملف الإيراني ودعم أكراد إيران إلى انعكاسات في سوريا، مشيرا إلى أن اتفاق الاندماج في سوريا حصل في الأصل برعاية أمريكية، وبضغط من واشنطن، وهذا ما يدفعه لعدم ترجيح أن تشهد سوريا عودة الاشتباكات بين الحكومة السورية وقسد.

فرص عودة التصعيد في الجنوب السوري

لا تزال أقسام من محافظة السويداء خارج سيطرة الحكومة السورية، وتنتشر فيها مجموعات ما يسمى “الحرس الوطني” التي تحظى بدعم إسرائيلي، وهذه المجموعات عادة ما تتجه إلى استثمار أي تصعيد لمهاجمة القوات الحكومية المتمركزة في أجزاء من ريف المحافظة.

وشهد ملف السويداء انفراجة جديدة قبل يومين فقط من اندلاع الحرب على إيران، حيث رعت واشنطن عملية تبادل أسرى بين الحرس الوطني والحكومة السورية، الأمر الذي أعطى مؤشرا على وجود توجُّه لحل هذا الملف العالق.

ولا توجد في المرحلة الراهنة أي مؤشرات ميدانية على احتمالية تصعيد جديد في الجنوب السوري بدعم من إسرائيل، في ظل تركيز الأخيرة على الحرب ضد إيران، والانتهاء من تهديد حزب الله اللبناني، حيث دعا الجيش الإسرائيلي -الخميس- لإفراغ الضاحية الجنوبية بالكامل استباقا لهجمات عسكرية.

واستخدم الإعلام الرسمي الإسرائيلي -مؤخرا- لغة دبلوماسية تجاه الحكومة السورية، فقد تحدّثت هيئة البث الإسرائيلية عن أن الرئيس السوري أحمد الشرع، يريد ضرب مواقع حزب الله على طول الحدود في سهل البقاع.

سوريا تعاني من اقتصاد هش خلّفه النظام السابق بمختلف القطاعات لا سيما النفط (رويترز)

تهديدات وفرص اقتصادية

يعتقد خبراء الاقتصاد أن الحرب الحالية تُمثل تهديدا لاقتصاد سوريا وفرصة في الوقت ذاته. واعتبر الخبير الاقتصادي، حسن غرّة، أن الاقتصاد السوري هش، ويعاني من ضعف الإنتاج المحلي، واعتماد أعلى على المستوردات، وانخفاض كبير في القوة الشرائية، وأي ارتفاع جديد في أسعار النفط عالميا يعني زيادة تكاليف النقل وأسعار الكهرباء، ما يؤدي إلى تضخم اقتصادي.

وأكد غرّة للجزيرة نت أن الدول التي لا تمتلك احتياطات كبيرة ولا قدرة مالية عالية مثل سوريا، تكون قدرتها على امتصاص الصدمات منخفضة، وهذا يؤكد ضرورة وضع سياسات داخلية تقلل من التعرض لصدمات الخارج.

وفي الوقت ذاته، رأى غرّة أن الأخطار الحالية يمكن أن تدفع الدول باتجاه تنويع مصادر الطاقة، وتعزيز الربط الإقليمي للغاز والكهرباء، وتشجيع الاستثمارات في الطاقة المتجددة، ما قد يفتح أمام سوريا فرصا جديدة إذا حسّنت بيئتها السياسة والقانونية والاقتصادية، وجعلتها أكثر استعدادا للاندماج في مشاريع إقليمية.

وفي منتصف شباط الماضي، زارت بعثة من صندوق النقد الدولي سوريا، وأجرت نقاشا مع الحكومة السورية بخصوص الإصلاحات الاقتصادية، وأصدرت بعدها تقييما ايجابيا للوضع الاقتصادي السوري.

وأشارت إلى تحقيق فائض طفيف في الموازنة، مع تسارع وتيرة الاقتصاد نتيجة تحسُّن شعور المستهلكين والمستثمرين، ورفع العقوبات الدولية، وإعادة إدماج سوريا في الاقتصاد الإقليمي والعالمي، قبل أن تندلع الحرب الأخيرة التي أدت لارتفاع كبير في أسعار النفط، حيث سجّل سعر البرميل قرابة 90 دولارا.

وتعتبر الطاقة الكهربائية عاملا مؤثرا في الاقتصاد، نظرا لحاجة المصانع والكثير من المشاريع الخدمية لاستقرار في الكهرباء من أجل تحسين الإنتاج، كما أن زيادة ساعات إنتاج الكهرباء كان أحد المؤشرات التي اعتمد عليها صندوق النقد الدولي في إعطاء تقييم إيجابي عن تعافي الاقتصاد السوري.

المصدر: الجزيرة
آخر الأخبار