في ظل وضع إقليمي محفوف بالمخاطر وبيئة اقتصادية تتلمس طريقها نحو التعافي، يظل البحث عن القطاعات الأكثر أماناً للاستثمار هدفاً أساسياً للمستثمرين في سوريا، فالاستثمار هنا لا يعني غياب المخاطر تماماً، بل اختيار القطاعات والأنشطة الاقتصادية التي توفر فرصاً للنمو والاستمرار حتى في ظروف غير مستقرة.
ومع تعدد القطاعات وتفاوت مستويات المخاطر، يبرز تساؤل رئيسي: أي المجالات الاقتصادية تمنح المستثمر قدراً أكبر من الأمان، وتضمن له استقراراً نسبياً وسط التحديات الراهنة؟
شروط أساسية
يرى الخبير الاقتصادي الدكتور يحيى السيد عمر أن الشروط الأساسية للاستثمار الآمن تشمل توفر مستلزمات الإنتاج محلياً، ووجود أسواق قادرة على استيعاب المنتجات، إضافة إلى اعتماد المشروع على موارد محلية تقلل الحاجة إلى الاستيراد وتقلبات الأسعار.
وأوضح السيد عمر لصحيفة “الثورة السورية”، أن توفر مستلزمات الإنتاج بشكل نسبي، وعندما يكون الطلب على مخرجات هذه المشروعات قائماً، يصبح الاستثمار أكثر قدرة على الاستمرار حتى في الظروف الاقتصادية الصعبة.
واستناداً إلى هذه الشروط، يقول الخبير الاقتصادي إن القطاع الزراعي يُعد من أكثر القطاعات الاستثمارية أماناً في سوريا، فالزراعة تشكل جزءاً أساسياً من البنية الاقتصادية والاجتماعية للبلاد، كما أن مستلزمات الإنتاج الزراعي متوفرة في عدد واسع من المناطق، والأراضي الزراعية متاحة، فضلاً عن أن تنوع المناخ يسمح بإنتاج محاصيل متعددة، والأهم من ذلك أن الطلب على المنتجات الزراعية يبقى قائماً باعتبارها من الاحتياجات الأساسية للسكان.
كما أن الاستثمار الزراعي لا يقتصر على الزراعة المباشرة فقط، بل يمتد إلى مجالات التعبئة والتخزين والتصنيع الغذائي وسلاسل التوريد، وهذه السلسلة الواسعة من الأنشطة تفتح الباب أمام مشروعات صغيرة ومتوسطة يمكن أن تنمو تدريجياً مع توسع الطلب وتحسن ظروف السوق.
الصناعات الغذائية والطاقة
القطاع الثاني الذي يظهر درجة واضحة من الأمان النسبي، وفق رؤية السيد عمر، يشمل الصناعات الغذائية، كونه يرتبط بشكل مباشر بالزراعة ويستفيد من توفر المواد الأولية المحلية ومن الطلب المستمر على المنتجات الغذائية.
وفي ظل ارتفاع تكاليف الاستيراد وصعوبة الاعتماد الكامل على الأسواق الخارجية، يزداد دور الإنتاج المحلي في تأمين احتياجات السوق، لذلك فإن المشروعات التي تعمل في تعليب الأغذية أو تصنيع الألبان أو إنتاج الزيوت والمنتجات الغذائية الأساسية تملك فرصاً جيدة للاستمرار.
وتعتمد هذه الصناعات بدرجة كبيرة على المواد الزراعية المحلية، ما يقلل من مخاطر تقلبات الأسعار العالمية ويمنحها قدرة أكبر على الاستقرار داخل السوق المحلية.
ويضيف السيد عمر أن قطاع الطاقة البديلة يبرز أيضاً كأحد المجالات التي تحظى باهتمام متزايد في السوق السورية.
ويوضح أن السنوات الأخيرة شهدت بدء انتشار مشروعات تعتمد على الطاقة الشمسية وأنظمة الطاقة البديلة في عدد من المناطق، سواء على مستوى الاستخدام المنزلي أو في المشروعات الصغيرة والمتوسطة، والطلب على الألواح الشمسية ومستلزمات هذه الأنظمة يتزايد تدريجياً، ما يجعل هذا القطاع مرتبطاً بحاجات عملية لدى الأفراد والمؤسسات.
التكيّف مع الظروف المتغيرة
من العوامل التي تمنح القطاعات السابقة قدراً من الأمان، بحسب السيد عمر، أنها لا تتطلب في كثير من الحالات رؤوس أموال ضخمة عند الانطلاق. فالمشروعات الزراعية أو الغذائية أو بعض مشروعات الطاقة البديلة يمكن أن تبدأ برؤوس أموال صغيرة نسبياً، ثم تطويرها تدريجياً مع توسع النشاط وارتفاع حجم الطلب، وهذه المرونة في حجم الاستثمار تمنح المستثمر قدرة أكبر على إدارة المخاطر والتوسع خطوة بعد أخرى.
لذلك، يميل العديد من المستثمرين إلى القطاعات التي تعتمد على الموارد المحلية وتلبي احتياجات أساسية للسكان. فهذه المشروعات تمتلك فرصاً أفضل للاستمرار، لأنها مرتبطة بطلب حقيقي في السوق ولا تعتمد بشكل كبير على الظروف الخارجية أو حركة الاستيراد.
ويخلص السيد عمر إلى أن الاستثمار في سوريا يرتبط بفهم دقيق للسوق المحلية والقدرة على التكيّف مع الظروف المتغيرة. فالتركيز على القطاعات المرتبطة بالغذاء والطاقة والموارد المحلية يمنح المستثمر فرصة أكبر لتحقيق الاستقرار، خصوصاً عند بدء المشاريع برؤوس أموال صغيرة والتوسع التدريجي لاحقاً. هذه المرونة، إلى جانب توفر مستلزمات الإنتاج والطلب المستمر، تجعل هذه المشروعات أقرب إلى الاستثمار الآمن في بيئة اقتصادية ما زالت في مرحلة التعافي البطيء.
