في واشنطن، لا تعني خسارة أغلبية الكونجرس بالضرورة خسارة النفوذ، فحتى مع انتزاع الديمقراطيين السيطرة في انتخابات التجديد النصفي، لن يجد الرئيس “دونالد ترامب” نفسه بلا أسلحة في مواجهة خصومه، إذ يحتفظ بصلاحية دستورية قد تعرقل كثيرًا من خططهم، وهي حق النقض الرئاسي “فيتو”.
ولم يتردد “ترامب” في التلويح بهذا السلاح، بل اختار أن يطلق على نفسه لقب “السيد فيتو”، وبين تصويت الناخبين وصلاحيات الرئيس، بدأت الأسواق تتساءل: هل يقود الانقسام السياسي إلى تهدئة المخاوف المالية، أم يفتح جبهة جديدة من عدم اليقين تهدد الاستثمارات والنمو؟

سلاح ترامب في مواجهة الكونجرس
قبيل إغلاق صناديق الاقتراع في انتخابات التجديد النصفي، لم يُخفِ “ترامب” استعداده لخوض مواجهة تشريعية مع الديمقراطيين إذا نجحوا في انتزاع الأغلبية من الجمهوريين، بل أبدى ترحيبه بلقب “السيد فيتو”.
وجاءت النتائج لتمنح الديمقراطيين الأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ، محققة ما عُرف بـ”الموجة الزرقاء”، وممهّدة لفترة من التجاذب السياسي خلال العامين الأخيرين من ولاية “ترامب”.
لكن الرئيس الأمريكي، البالغ من العمر 80 عامًا، لم يبدِ استعدادًا لتحمل مسؤولية الهزيمة، رغم إشادته النادرة بمنافسيه، وإقراره بأن الحرب في إيران ربما أسهمت في تراجع شعبية حزبه، وبدلاً من ذلك، وجّه اللوم إلى زملائه الجمهوريين، مؤكداً ثقته بقدرته على مواصلة تنفيذ أجندته.
ويمنح الدستور الأمريكي الرئيس حق الاعتراض على مشروعات القوانين التي يقرها الكونجرس، وإعادتها إليه دون توقيعها، مع توضيح أسباب اعتراضه، ولا يستطيع الكونجرس تجاوز هذا الفيتو إلا إذا أعاد إقرار المشروع بأغلبية الثلثين في كل من مجلسي النواب والشيوخ، ما يجعل الاعتراض الرئاسي أداة مؤثرة في العملية التشريعية.
ويراهن “ترامب” على أن استخدام هذه الصلاحية لن يقتصر على تعطيل التشريعات، بل قد يدفع الديمقراطيين في نهاية المطاف إلى التفاوض معه، موضحًا أن بإمكان خصومه إرسال 50 مشروع قانون يعتقدون أنها رائعة، ليعيدها إليهم جميعًا مختومة بكلمة واحدة “فيتو”.
كما يرى أن سلطاته التنفيذية تتيح له مواصلة تنفيذ جانب كبير من خططه، حتى في ظل كونجرس تسيطر عليه المعارضة، وفي هذا السياق، استند إلى قرارات حديثة للمحكمة العليا الأمريكية، معتبراً أنها وسّعت نطاق صلاحياته داخل الحكومة الفيدرالية، ومنحته مساحة أكبر للتحرك دون الحاجة إلى موافقة المشرّعين على كل خطوة.

وول ستريت تعيد حساباتها
انتقلت أصداء الانتخابات سريعاً إلى الأسواق العالمية، مع بدء ظهور النتائج خلال التداولات الآسيوية، في البداية، اتجه المستثمرون إلى تقليص تعرضهم على الأصول الأكثر حساسية للسياسات الأمريكية، وسط مخاوف من أن يؤدي الانقسام السياسي إلى تغيير قواعد اللعبة الاقتصادية.
وفي اللحظات الأولى لصدور المؤشرات الأولية عن النتائج، شهدت الأسواق العالمية حالة من الارتباك المالي، تراجع على إثرها الدولار لأدنى مستوياته في شهر، وهبطت عقود الأسهم الأمريكية في بداية التعاملات وتراجعت أسعار النفط، في حين اتجه المستثمرون نحو الملاذات الآمنة، وسط ضبابية السياسة الخارجية تجاه إيران.
إلا أن هذه الفوضى سرعان ما انحسرت، خاصة في الأسواق الكورية واليابانية وفي وول ستريت، ليعود التوازن إلى شاشات التداول بعدما استوعب المستثمرون أبعاد الجمود السياسي.
وكان قطاع الذكاء الاصطناعي من أبرز القطاعات التي استحوذت على اهتمام المستثمرين، فالتوسع الهائل في بناء مراكز البيانات أصبح مرتبطاً بقرارات حكومية تتعلق بالطاقة والأراضي والتصاريح والإنفاق على البنية التحتية.
وتبرز أهمية ولايتي تكساس وجورجيا في هذه الحسابات، إذ تمثلان معاً نحو ثلث إجمالي الإنفاق والمشروعات المرتبطة بمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، وأثارت الانتصارات الديمقراطية على مستوى الولايات مخاوف من تشديد الرقابة على هذه المشروعات، خصوصاً مع تعهدات بفرض قيود على تطوير مراكز البيانات في تكساس.
وامتدت الضغوط إلى شركات مرتبطة بالملياردير “إيلون ماسك” إذ تراجعت أسهم “سبيس إكس” و”تسلا” في تداولات ما قبل افتتاح السوق، مع تزايد المخاوف من أن تؤدي التوجهات التنظيمية الجديدة إلى إبطاء التوسع في البنية التحتية التكنولوجية.
مبالغة الأسواق في رد الفعل
لكن يرى الخبراء أن “الحكومة المنقسمة” غالباً ما تكون عاملاً داعمًا للأسواق، كونها تحدّ من الإنفاق المالي، كما أن وضوح الفوز الديمقراطي أزال مخاطر النزاع القضائي حول صحة النتائج، وهو ما وصفته كريستينا هوبر” من “مان جروب”، بأنه انتصار جنّب البلاد أسوأ سيناريو، وهو أن يطعن “ترامب” في شرعية الانتخابات.
واعتبر “تومو كينوشيتا”، استراتيجي الأسواق العالمية لدى “إنفيسكو”، أن رد الفعل الأولي ربما كان مبالغاً فيه، مشيراً إلى أن صلاحية النقض الرئاسي ستظل عقبة أمام تمرير القيود التي قد يسعى الديمقراطيون إلى فرضها.

بالتالي، قد يصبح الجمود السياسي عاملاً مريحاً للأسواق إذا حدّ من الإنفاق والاقتراض والتغييرات المفاجئة في السياسات، لكنه قد يتحول إلى مصدر ضغط إذا امتد إلى ملفات الطاقة والتجارة والذكاء الاصطناعي والسياسة الخارجية.
في النهاية، قد ينجح “ترامب” في تحويل “السيد فيتو” إلى عنوان للمرحلة المقبلة، لكن المستثمرين لن يقيسوا قوة الرئيس بعدد القوانين التي يستطيع إعادتها إلى الكونجرس دون توقيع، بل بمدى قدرة الاقتصاد الأمريكي على تجاوز عامين من الصراع السياسي دون أن تتعطل محركات نموه.
المصادر: أرقام – صحيفة “فاينانشال تايمز” – سي بي إس نيوز – وول ستريت جورنال
