تضع الزيادات المتلاحقة في تكاليف الوقود والصيانة خدمات النقل عبر التطبيقات الذكية أمام ضغوط متزايدة. فالسائقون يطالبون بأجور وعمولات تراعي ارتفاع تكاليف التشغيل، والشركات المشغلة تسعى إلى الحفاظ على أسعار تنافسية تستقطب الركاب، فيما يخشى المستخدمون أن تنعكس أي زيادة جديدة على ميزانياتهم. وفي ظل تباين مصالح هذه الأطراف، تتصاعد المطالب بإعادة النظر في آليات التسعير وتوزيع العائدات، بما يضمن استمرارية الخدمة ويحفظ حقوق السائقين وقدرة المستهلكين على استخدامها.
وتتركز إحدى أبرز نقاط الخلاف بين السائقين والشركات في الفجوة بين تعرفة بدء الرحلة التي تحددها التطبيقات وأسعار الوقود في السوق المحلية. ووفقاً لبيانات يتداولها السائقون، خفضت الشركات تعرفة بدء الرحلة سابقاً بنسبة 4 بالمئة، لتستقر عند 160 ليرة، عندما كان سعر ليتر البنزين 147 ليرة.
ومع ارتفاع سعر الليتر إلى 185 ليرة، بزيادة بلغت نحو 25.9 بالمئة، رفعت الشركات تعرفة بدء الرحلة إلى 170 ليرة، أي بنسبة 6.25 بالمئة فقط. وبذلك تقل زيادة التعرفة عن ارتفاع سعر البنزين بنحو 19.7 بالمئة، فيما يرى سائقون أن هذا التعديل لا يعكس حجم الزيادة في تكاليف التشغيل.
ويقول السائق أصيل، إن هذه التعديلات لم تعوّض الارتفاع الفعلي في تكاليف الوقود، لا سيما بعد اقتطاع عمولة الشركة، ما يحد من مردود الرحلات القصيرة. ويضيف أن السائقين يضطرون أحياناً إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى مواقع العملاء من دون الحصول على مقابل عن تلك المسافات، فضلاً عن انخفاض تعرفة الكيلومتر الواحد كلما زادت مسافة الرحلة.
تحولات ممتدة
وشهد سوق النقل في دمشق خلال نيسان الماضي محطة بارزة من التنافس بين سيارات الأجرة التقليدية وخدمات النقل عبر التطبيقات، حين نفّذ مئات سائقي سيارات الأجرة التقليدية، المعروفة بـ”التاكسي الأصفر”، وقفات احتجاجية، اعتراضاً على ما وصفوه بـ”فوضى التطبيقات الإلكترونية غير المنظمة”، التي قالوا إنها استقطبت جزءاً من زبائنهم وهددت مصادر رزقهم.
وتزامنت تلك الاحتجاجات مع تنامي توجه المواطنين إلى تطبيقات النقل الذكي، باعتبارها بديلاً لسيارات الأجرة الصفراء، لما توفره من وضوح في التعرفة وإمكانية معرفة تكلفة الرحلة مسبقاً، وهي عوامل عززت حضورها التنافسي في السوق.
ومع اتساع الاعتماد على هذه الخدمات، برزت خلافات من نوع آخر داخل منظومة النقل عبر التطبيقات نفسها، تتمحور حول تعرفة الرحلات والعمولات، في ظل ارتفاع تكاليف التشغيل ومطالب السائقين بتحسين مردودهم.
ويرى الخبير الاستثماري محمد الطباخ، في حديثه لصحيفة “الثورة السورية”، أن الخلافات الحالية امتداد للتحولات التي شهدها سوق النقل خلال الأشهر الماضية، موضحاً أن التعرفة المنخفضة التي أسهمت في جذب الركاب إلى التطبيقات الذكية تحولت، مع ارتفاع تكاليف التشغيل، إلى أحد أبرز مصادر الضغط على السائقين. ويعزو جانباً من المشكلة إلى غياب آليات تسعير مرنة تستجيب لمعدلات التضخم وتغير تكاليف التشغيل، بما يضمن مواءمة أجور الرحلات مع النفقات الفعلية للسائقين ويحافظ على قدرتهم على مواصلة العمل.
وفي مواجهة ارتفاع تكاليف التشغيل، بدأ بعض السائقين بالاتجاه إلى زيادة الاعتماد على السيارات الكهربائية، لما توفره من خفض في نفقات الطاقة. وفي هذا السياق، يوضح مدير التشغيل في دمشق وريفها بشركة “يلا غو”، أحد أبرز تطبيقات سيارات الأجرة في دمشق، رامي الحمد، أن “عدد السيارات الكهربائية المسجلة لدى الشركة ارتفع بنسبة 20 بالمئة تقريباً” خلال الأشهر الأخيرة.
ويعزو ذلك إلى “تخفيف التكلفة التشغيلية مقارنة بكلفة تشغيل سيارات البنزين”، موضحاً أن انخفاض مصروف الطاقة يترك للسائق هامشاً أكبر من الربح.
مطالب السائقين
ويطالب سائقو التطبيقات الذكية الشركات المشغّلة بإعادة النظر في الأجور وتعديل تعرفة الرحلات بما يتناسب مع معدلات التضخم الحالية، إلى جانب خفض عمولة التطبيقات، البالغة حالياً 20 بالمئة، بما يضمن للسائقين هامشاً مناسباً للاستمرار في العمل.
وتشمل المطالب وضع آلية واضحة ومرنة للمساهمة في تغطية تكاليف الصيانة والتعامل مع تقلبات أسعار الوقود، وحماية حسابات السائقين من الإجراءات الآلية، والحد من حالات الحظر الرقمي “البلوك” عند تقديم الاعتراضات.
كما يدعو السائقون إلى اعتماد تعرفة متفاوتة للرحلات بين الليل والنهار، وتحديد نطاقات جغرافية دقيقة للمناطق المحيطة بالمدن بما يضمن حساب الأجور بصورة منصفة، فضلاً عن تطوير أنظمة تقييم السائقين، وإتاحة لجان مراجعة بشرية ومحايدة للنظر في الشكاوى، بدلاً من الاعتماد الكامل على تقييم العملاء.
وفي سياق تنظيم القطاع، كان مدير المؤسسة العامة لنقل الركاب عمر قطان قد أكد، في تصريح سابق خلال احتجاجات سائقي سيارات الأجرة التقليدية في نيسان الماضي، أن الجهات المعنية تعمل على اتخاذ إجراءات لتنظيم قطاع النقل وإنصاف العاملين فيه، بما يحقق العدالة ويحسن جودة الخدمة المقدمة للمواطنين.
المواطنون بين مزايا الخدمة وكلفة الرحلات
في المقابل، تثير مطالب رفع الأجور وتعديل التعرفة مخاوف لدى شريحة من الركاب الذين يعتمدون على تطبيقات النقل الذكي في تنقلاتهم اليومية، إذ يخشون أن تؤدي أي زيادة جديدة إلى تجاوز كلفة الخدمة قدرتهم على تحملها.
وتتباين آراء المستخدمين حول استخدام سيارات الأجرة التقليدية والتطبيقات الإلكترونية؛ إذ يفضل بعضهم “التاكسي الأصفر” لما يتمتع به سائقوه من خبرة بالطرقات وقدرة على اختيار المسارات المناسبة وتفادي الازدحام، فيما يختار آخرون التطبيقات لما توفره من وضوح في التعرفة، وإمكانية طلب السيارة من المنزل وتتبع الرحلة، فضلاً عن سهولة الحصول على الخدمة في أوقات الذروة والمناطق التي يقل فيها توفر سيارات الأجرة.
وتقول سمر كوكش، موظفة في القطاع الخاص، إنها تعتمد أحياناً على هذه التطبيقات للوصول إلى عملها، لما توفره من أمان وسرعة ووضوح في التعرفة، فضلاً عن انخفاض تكلفتها مقارنة بسيارات الأجرة التقليدية.
وتضيف أن تكاليف النقل تستحوذ على نحو نصف راتبها، وأن استجابة الشركات لمطالب السائقين عبر رفع التعرفة مجدداً قد تجعلها عاجزة عن تحمل هذه النفقات، وتدفعها إلى البحث عن بدائل أخرى قد تكون أكثر مشقة أو أقل أماناً.
أما أحمد جاويش، المتقاعد، فيشير إلى أن المواطنين يتفهمون الظروف الصعبة التي يواجهها السائقون في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة، لكنهم يواجهون بدورهم ضغوطاً معيشية متزايدة. ويرى أن أي زيادة في تعرفة الرحلات ستنعكس مباشرة على الركاب. ويضيف أن مقاطعة بضع مئات من السائقين لن تؤثر بالضرورة في قرارات الشركات أو قدرتها على مواصلة تقديم خدماتها، مشدداً على ضرورة ألا تنتهي معالجة الخلاف بين الشركات والسائقين بتحميل الركاب كلفته.
من جهته، يعرب رامز عيطة، طالب جامعي، عن قلقه من ارتفاع الأسعار، موضحاً أن الشفافية وإمكانية معرفة تكلفة الرحلة مسبقاً كانتا من أبرز مزايا هذه التطبيقات، إلا أن أسعارها الحالية أصبحت مرهقة لشريحة واسعة من الشباب. ويرى أن رفع التعرفة بنسب إضافية قد يدفع أعداداً متزايدة إلى العزوف عن الخدمة، بما قد يؤدي إلى تراجع عدد الرحلات اليومية وينعكس على دخل السائقين.
معايير عالمية تصطدم بواقع السوق المحلية
ويرى الطباخ أن النقاشات الدائرة بين السائقين تعكس ضغوط التضخم وارتفاع أسعار الوقود، وما تتركه هذه العوامل من آثار مباشرة على تكاليف التشغيل في قطاع النقل الذكي.
ويشير الطباخ إلى ضرورة قراءة هذه الأزمة في ضوء التحولات التي تشهدها نماذج النقل الذكي عالمياً، قائلاً: “إذا أردنا إسقاط هذا الواقع على القوانين والممارسات العالمية لنماذج النقل الذكي، مثل شركتي أوبر وإيستو، نجد أن التوجه المعاصر، الذي تقوده منظمة العمل الدولية والتشريعات الحديثة في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، يتجه نحو إلزام الشركات بتصنيف السائقين كعمال دائمين، أو منحهم حداً أدنى من الأجور يضمن تغطية التكاليف التشغيلية الكاملة للمركبة، مع فرض رقابة صارمة على خوارزميات التسعير لمنع استغلال المشغلين وتجريم الحظر الرقمي التعسفي”.
ويستدرك الطباخ أن تطبيق هذه المعايير على السوق السورية يصطدم بمعادلة معقدة، إذ تحاول الشركات المشغّلة الحفاظ على أسعار تنافسية تتناسب مع القدرة الشرائية المحدودة للمواطنين، بما يضمن استمرار الطلب على خدماتها، في وقت يواجه فيه السائقون ارتفاعاً في تكاليف الصيانة وقطع الغيار والوقود، ويتحملون الجزء الأكبر من أعباء التشغيل.
ويضيف أن تطبيق النموذج العالمي بحذافيره في السوق المحلية قد يؤدي إلى ارتفاع كبير في أسعار الرحلات، بما يتجاوز قدرة المستهلكين على تحملها. ويرى أن المعالجة تتطلب إعادة تصميم خوارزميات التسعير بما يراعي تقلبات تكاليف التشغيل، إلى جانب مراجعة عمولات الشركات وتوزيع الأعباء بصورة أكثر توازناً، بدلاً من تحميل السائقين وحدهم كلفة الخسائر.
وبين ضغوط التشغيل اليومية ومحدودية القدرة الشرائية للمواطنين، يواجه قطاع النقل الذكي في سوريا تحدي صياغة نموذج تعاقدي متوازن يراعي مصالح الشركات والسائقين والركاب، ويحد من تراكم الخسائر على مختلف أطراف الخدمة.
مجد عبيسي
المصدر: الثورة السورية
