في تشرين الثاني 2006، انتزع الديمقراطيون مجلسي الكونجرس وسط غضب من حرب العراق، وبعد شهرين، أعلن الرئيس “جورج بوش” إرسال أكثر من عشرين ألف جندي إضافي إلى البلد نفسه؛ كأن صندوق الاقتراع والقرار العسكري يتحركان في اتجاهين متعاكسين.

لم تكن الانتخابات بلا أثر؛ لكنها كشفت المسافة بين العقاب السياسي وامتلاك القدرة على تغييرها، وهذه المسافة هي ما ينبغي للعالم والأسواق قياسه بعد انتخابات التجديد النصفي الأمريكية الأخيرة.
في اقتراع الثالث من نوفمبر الجاري، أعاد الديمقراطيون الكرة بانتزاع أغلبية مجلس النواب والشيوخ، واخترقوا معاقل جمهورية في تكساس وكانساس وكارولاينا الجنوبية، في وجود رئيس جمهوري في سدة الحكم.
وكان غلاء المعيشة وحرب إيران ومخاوف الفساد من أبرز دوافع الغضب الانتخابي، لكن هل يعني ذلك نهاية السياسات التي أربكت الأسواق طوال عامين منذ عودة “دونالد ترامب” للبيت الأبيض؟
ماذا تعني نتائج الانتخابات الأخيرة؟
– بشكل عام، تعني النتيجة أن الرئيس “ترامب” سيقضي العامين الأخيرين من ولايته أمام كونجرس معارض، لكن الناخبين غيّـروا الأغلبية التشريعية، وليس قيادة السلطة التنفيذية في البيت الأبيض.
– مع بدء ولاية الكونجرس الجديد في كانون الثاني2027، يستطيع الديمقراطيون تعطيل تشريعات “ترامب”، ومساومته على التمويل، والتحقيق مع إدارته، وعرقلة تعييناته عبر مجلس الشيوخ؛ وهي أدوات تتفاوت قوتها بحسب كل ملف.
– في المقابل، يحتفظ الرئيس بحق “الفيتو” لرفض القوانين والصلاحيات التنفيذية، لذلك تبدو قدرة الديمقراطيين على المساءلة وتعطيل بعض القرارات أكبر من قدرتهم على تمرير برنامج كامل، وفق مجلس العلاقات الخارجية.
– يظهر هذا التفاوت بوضوح في ملف الذكاء الاصطناعي، فخلف سباق تطوير النماذج، توجد أسئلة سياسية: مَن يدفع فاتورة الكهرباء والمياه لمراكز البيانات؟ ومَن يسمح ببنائها بالقرب من السكان؟
الذكاء الاصطناعي أول الأهداف
– في تكساس، فازت الديمقراطية “جينا هينوهوسا” بمنصب الحاكم بعدما دعت إلى وقف مؤقت للمراكز الجديدة لحين وضع ضوابط، وفي جورجيا، تبنت الحاكمة المنتخبة “كيشا لانس بوتومز” توجهًا مشابهًا.
– هنا قد يصل أثر الانتخابات عبر الولايات قبل التشريعات الفيدرالية، فتأخير التصاريح أو تغيير الإعفاءات يرفع تكلفة التوسع، وبالنسبة لشركات تراهن على نمو هائل، يصبح توقيت التشغيل جزءًا من قيمتها.
– لكن الرقابة لا تعني خسارة جميع شركات التكنولوجيا؛ فقد ارتفعت أسهم “أمازون” و”ميتا” و”ألفابت”، بينما تراجعت شركات تشغيل مراكز البيانات، وفسّر مستثمرون ذلك باحتمال ترشيد الإنفاق.
– هناك ملف السلامة أيضًا؛ فقد طلب قادة لجان ديمقراطيون، قبل الانتخابات، من شركات رائدة الإبلاغ عن الحوادث خلال 48 ساعة، وكان ذلك طلبًا رقابيًا، لكنه يكشف اتجاه الاهتمام المقبل.
السياسة الداخلية
– أما أغنى رجل في العالم “إيلون ماسك”، فتتسع دائرة المخاطر حوله من تنظيم التكنولوجيا إلى علاقته بالسلطة، وتضعه تقارير ضمن الأسماء المحتملة للتحقيق، مع انتقال رئاسة اللجان إلى خصوم الإدارة الحالية.
– قبل الاقتراع، أعلن قادة ديمقراطيون مقترحًا لتوسيع حظر التبرعات السياسية ليشمل كبار مسؤولي ومساهمي الشركات ذات العقود الفيدرالية، مستشهدين بـ “ماسك” وشركته “سبيس إكس”.
– المفارقة أن “ماسك” أنفق أكثر من 440 مليون دولار لدعم الجمهوريين في هذه الانتخابات، ومع خسارتهم، قد تصبح العلاقة التي منحته نفوذًا سببًا لمزيد من التدقيق في مصالحه التجارية.

ماذا عن حرب إيران؟
– بالنسبة لحرب إيران، يعود شبح 2006، فخسارة الرئيس انتخابيًا لا تنتزع منه قيادة الجيش، لكنها تتيح لمعارضيه مساءلة المسؤولين، وطلب الوثائق، ومقاومة التمويل الإضافي أو اشتراطه.
– يشير “تشاتام هاوس” إلى أن طلب تمويل إضافي للحرب سيكون ساحة مواجهة مهمة، وهنا تتحول المعارضة من خطاب ضد الحرب إلى تفاوض على الموارد التي تسمح باستمرارها.
– النتيجة المحتملة هي ضغط أكبر نحو التسوية، غير أن خبراء مجلس العلاقات الخارجية يحذرون أيضاً من اندفاع “ترامب” إلى سياسة خارجية أشد مغامرة مع تضييق حركته داخليًا، لهذا لا تكفي النتيجة لضمان التهدئة.
السياسات الاقتصادية
– في التجارة، يظل التغيير أبطأ مما يتمناه المصدرون، فالرسوم التي فرضها “ترامب” تعتمد على سلطات سبق أن فوضها الكونجرس للرئيس؛ وانتقال الأغلبية لا يلغي هذه التفويضات ولا يمحو الرسوم القائمة.
– يوضح الاقتصادي “بيير يارد” أن تجاوز فيتو رئاسي لتقييد تلك السلطات يحتاج أغلبية الثلثين بالمجلسين، لذلك يرجح استمرار دور المفاوضات والأحكام القضائية، مع زيادة الضغط السياسي لتخفيف كلفة الواردات.
– بالنسبة للهجرة فتحمل قيدًا مشابهًا، وتتوقع قراءة “فوربس” رقابة أشد على وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك، وظروف الاحتجاز، وضمانات التقاضي، بينما تظل الإدارة متمسكة بالترحيل وتقييد الهجرة القانونية.
– قد يتغير تعاون ولايات مثل تكساس وجورجيا مع سلطات الإنفاذ الفيدرالية، لكن المهاجر أو الطالب الأجنبي لا يستطيع اعتبار الفوز الديمقراطي إلغاءً لقيود التأشيرات أو وعدًا بتسوية وضعه.

كيف تترجم الأسواق نتيجة الانتخابات؟
– بدأت الأسواق تسعير احتمالات التغيير سريعاً، فخلال تعاملات الأربعاء، ارتفع “إس آند بي 500” بنحو 1.60%، بينما هبط خام “برنت” قرابة 9% إلى ما دون 95 دولاراً.
– وراء صعود الأسهم رهان على تراجع مفاجآت السياسة، لكن القطاعات تتباين، فالرقابة على مراكز البيانات تضغط على بعض المستفيدين من طفرة الذكاء الاصطناعي، بينما قد تستفيد الرعاية الصحية.
– ارتفعت أيضًا أسعار سندات الخزانة وتراجعت العوائد، إذ يراهن المشترون على كبح الإنفاق وتهدئة التضخم؛ لكن الانقسام السياسي لا يصلح العجز تلقائيًا، وقد ينتج مساومات طويلة الأمد.
– يعكس هبوط النفط أملًا بانحسار حرب إيران؛ وهو أمل تخفف ترجمته الفعلية فاتورة الطاقة للمستوردين، وتضغط على إيرادات المنتجين، لكن تظل الإمدادات والهجمات المحتملة قادرة على تغيير الحسابات.
– في الوقت نفسه، صعد الذهب نحو 3.4% مع ضعف الدولار وتراجع عوائد السندات، وهذا يوضح أن المعدن قد يرتفع حتى مع التفاؤل في سوق الأسهم، لأن دوافع شرائه تتجاوز الخوف من الحروب.

– لكن أرباح الشركات ومسار الفائدة يظلان أهم للأسهم على المدى الطويل من هوية الأغلبية وحدها، فالأسعار تتحرك اليوم بناءً على توقعات، بينما يتطلب تحققها قرارات ومفاوضات ووقتًا.
– قبل عشرين عامًا، لم تمنع خسارة الكونجرس “بوش” من زيادة حشده العسكري، واليوم، تبدأ قوة الديمقراطيين عند تحويل انتصارهم إلى قيود قابلة للتنفيذ؛ وعند هذه النقطة تحديدًا تتغير فاتورة القرار الأمريكي على العالم.
المصادر: أرقام- أرشيف مجلس النواب الأمريكي- أرشيف البيت الأبيض- مجلس العلاقات الخارجية- تشاتام هاوس- وكالة الأنباء الفرنسية- رويترز- أسوشيتد برس- فوربس- بيانات وتصريحات نواب ديمقراطيون
