403 ملايين دولار لإعادة بناء الخدمات.. ماذا تحمل الاتفاقيات السورية السعودية إلى الرياض؟

زمن القراءة: 13 دقائق

لم تكن عشرات آلاف العائلات السورية التي غادرت منازلها خلال سنوات الحرب تنتظر اتفاقيات اقتصادية بقدر انتظارها طريقاً يسمح لها بالعودة إلى مدنها وقراها، حيث تحولت الكهرباء والمياه والمستشفيات والمساكن المتضررة إلى شروط أساسية لاستعادة الحياة، بعد أن أصبحت إعادة الإعمار أحد أكبر التحديات التي تواجه الدولة السورية منذ سقوط النظام المخلوع.

وفي الرياض، الأربعاء الرابع من تشرين الثاني، حمل الرئيس أحمد الشرع والوفد المرافق له والذي يضم وزراء الخارجية والمغتربين والدفاع والمالية والصناعة ورئيس الاستخبارات العامة، ملفاً يتصل مباشرة بهذه الاحتياجات، من خلال ست اتفاقيات تمويل تنموي مع السعودية بقيمة 403.6 ملايين دولار، تتوزع على قطاعات الخدمات والبنية التحتية والإسكان، ضمن رؤية تحمل عنوان «سوريا بلا مخيمات».

ولعل ما يميز هذه الاتفاقيات عن التعهدات التي شهدتها العلاقات الاقتصادية بين البلدين خلال المرحلة الماضية، أنها تتضمن مشروعات محددة بقيم مالية وجهات تنفيذية، تبدأ من إعادة تأهيل محطة حلب الحرارية، وتمتد إلى عشرة آلاف وحدة سكنية متضررة، وتجهيز المستشفيات ومراكز الدفاع المدني وتطوير شبكات المياه، في محاولة لربط التمويل السعودي بالاحتياجات التي تجعل عودة النازحين ممكنة ومستدامة.

وتكشف القائمة النهائية للاتفاقيات ومذكرات التفاهم المقرر توقيعها، التي حصلت «الثورة السورية» على تفاصيلها، عن حزمة تضم عشرة بنود، بينها ست اتفاقيات قروض ميسرة، وثلاث مذكرات للتعاون الصناعي والزراعي والبيئي، وعقد يتعلق بمشاركة سوريا في معرض «إكسبو 2030 الرياض»، فيما تبلغ القيمة المالية المدرجة في القائمة 414.2 مليون دولار، مع اختلاف الطبيعة القانونية والمالية للبنود التي يشملها هذا الإجمالي.

ويحمل التمييز بين القروض والمنح أهمية تتجاوز المصطلحات المالية، إذ إن المبالغ الستة التي سيقدمها الصندوق السعودي للتنمية ليست مساعدات مجانية، وإنما تمويلات ميسرة تمتد آجال سدادها عشرين عاماً، بينها خمس سنوات سماح، بما يتيح تنفيذ مشروعات تحتاجها البلاد حالياً، على أن تظل الالتزامات المالية مرتبطة بشروط القروض وجداول سدادها.

وقد سبق لوزير المالية محمد يسر برنية أن أعلن، خلال اجتماعات صندوق النقد والبنك الدوليين في تشرين الأول الماضي، موافقة مجلس إدارة الصندوق السعودي للتنمية على تمويل ستة مشروعات بقيمة تقارب 406 ملايين دولار، ضمن مرحلة أولى من تعاون تنموي أوسع، فيما تحدد القائمة المعدة للتوقيع قيمتها التفصيلية بنحو 403.6 ملايين دولار.

وبين الرقمين فارق محدود يتعلق بمستوى التفصيل الذي وصلت إليه ترتيبات التمويل، في وقت تتجه فيه العلاقات السورية السعودية إلى مرحلة تتطلب تحويل المشروعات من تفاهمات سياسية ومالية إلى برامج تنفيذية مرتبطة بالوزارات والمؤسسات المستفيدة.

العودة إلى المنازل تبدأ من الخدمات

يصعب فهم الرؤية التي تحمل عنوان «سوريا بلا مخيمات» بمعزل عن حجم الدمار الذي أصاب المناطق السكنية والخدمية خلال الحرب، حيث لا تكفي إعادة ترميم منزل متضرر لتشجيع عائلة على العودة، إذا ظلت الكهرباء منقطعة والمياه غير متاحة، وكانت المدارس والمراكز الصحية بعيدة أو غير قادرة على العمل.

وقد شكلت هذه العلاقة بين السكن والخدمات أساساً لحزمة التمويل السعودية، التي خصصت ستين مليون دولار لإعادة تأهيل عشرة آلاف وحدة سكنية في مرحلتها الأولى، بإشراف وزارة الأشغال العامة والإسكان، ضمن مشروع يستهدف معالجة جانب من الأضرار التي تحول دون عودة السكان إلى مناطقهم الأصلية.

وتعني القيمة المدرجة متوسط تمويل يبلغ ستة آلاف دولار للوحدة السكنية، وهو رقم لا يمثل بالضرورة النكلفة الفعلية لإعادة تأهيل كل منزل، بالنظر إلى تفاوت الأضرار وطبيعة الأعمال المطلوبة، ويشير إلى أن المشروع يقوم على تدخلات تأهيل محددة ضمن نطاق مالي مقرر.

وتكتسب هذه الخطوة أهميتها عندما تقترن بالمشروعات الأخرى، خصوصاً إعادة تأهيل محطة حلب الحرارية بقرض ميسر قيمته تسعون مليون دولار، يتولى قطاع الطاقة تنفيذه لإعادة تشغيل وحدات توليد متضررة، في محافظة تضم مناطق سكنية وصناعية تحتاج إلى إمدادات كهربائية أكثر استقراراً.

فالعائلة التي تعود إلى منزلها تحتاج إلى الإنارة والمياه والتدفئة والخدمات الصحية، فيما يحتاج الاقتصاد المحلي إلى الكهرباء لتشغيل الورش والمصانع والمحال التجارية، بما يسمح بعودة مصادر الدخل إلى المناطق التي نزح منها السكان خلال سنوات الحرب.

وكانت جهود التعافي خلال الأشهر الماضية قد ركزت على ربط تأهيل المساكن باستعادة البنية التحتية، بعدما أظهرت التجربة أن عودة السكان تصبح أكثر استدامة حين تتوفر الخدمات وفرص العمل، وتتراجع احتمالات النزوح مجدداً بسبب تدهور الظروف المعيشية.

وفي هذا السياق، تتضمن الاتفاقيات ثلاثين مليون دولار لتوريد وتركيب نحو ثلاثمئة ألف عداد ذكي لمياه الشرب في دمشق وإدلب، ضمن مشروع يستهدف تطوير إدارة الاستهلاك والقياس في شبكات المياه، وتحسين قدرة المؤسسات المختصة على متابعة الخدمة وتوزيع الموارد.

وقد يبدو تركيب العدادات بعيداً عن الصورة التقليدية لمشروعات إعادة الإعمار، فيما يتصل بكفاءة تشغيل الشبكات وقدرتها على الحد من الهدر وتحسين التحصيل وتنظيم الاستهلاك، وهي مسائل تؤثر في استدامة المؤسسات الخدمية وتكاليف تشغيلها.

وتشمل الحزمة أيضاً مئة مليون دولار لإعادة تأهيل مستشفيات ومراكز صحية متضررة وتجهيزها بالمعدات اللازمة، بما يتيح لوزارة الصحة توسيع الخدمات في المناطق التي تحتاج إلى استعادة مرافقها العلاجية، في وقت تتحمل فيه الأسر أعباء الانتقال إلى مدن أخرى للحصول على الرعاية.

وإذا اكتملت هذه المشروعات ضمن برنامج متكامل، فقد تتسع آثارها من إعادة تشغيل منشآت منفردة إلى تحسين شروط الاستقرار في المناطق المستهدفة، حيث تتصل عودة السكان بقدرتهم على الحصول على الاحتياجات الأساسية دون الاعتماد المستمر على المساعدات الطارئة.

نحو بناء مؤسسات قادرة على الاستجابة

تحمل الاتفاقيات جانباً آخر يرتبط بقدرة الدولة على التعامل مع الكوارث والطوارئ، بعدما خصصت السعودية تمويلاً ميسراً بقيمة 105 ملايين دولار لإعادة تأهيل اثني عشر مركزاً للدفاع المدني وإنشاء ثلاثة عشر مركزاً جديداً وتجهيزها، بإشراف وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث.

وتعكس طبيعة هذا المشروع اتساع الاحتياجات المتعلقة بالاستجابة للحرائق والحوادث والكوارث الطبيعية، خصوصاً في المناطق التي تعرضت مرافقها الخدمية لأضرار كبيرة، حيث تتطلب عمليات الإنقاذ والإسعاف وجود مراكز مجهزة وكوادر تستطيع الوصول إلى السكان خلال وقت قصير.

وقد أظهرت سنوات الحرب أن ضعف البنية المؤسسية للطوارئ يزيد الخسائر التي تخلفها الحوادث والكوارث، فيما يسمح توزيع المراكز وتجهيزها بتطوير منظومة استجابة تقلل الاعتماد على التدخلات المحدودة، وتزيد قدرة المؤسسات على العمل ضمن خطط واضحة.

ويمتد هذا المنطق إلى وزارة المالية، التي تتضمن الحزمة تخصيص 18.6 مليون دولار لتحولها الرقمي وتطويرها المؤسسي، عبر إعداد استراتيجية وخارطة طريق ومكتب لإدارة التحول وتحديث مركز الخدمات المالية، بما يضع بناء القدرات الإدارية ضمن أولويات التمويل التنموي.

وقد تبدو هذه الاتفاقية أقل اتصالاً بالاحتياجات اليومية مقارنة بالكهرباء والمساكن والمستشفيات، فيما ترتبط بقدرة المؤسسات على إدارة الموارد العامة وتحسين الإجراءات والرقابة، وهي مسائل تؤثر في كفاءة الإنفاق وتنفيذ المشروعات ومتابعة الالتزامات المالية.

وتحتاج القروض الميسرة نفسها إلى إدارات قادرة على تخطيط الإنفاق والإشراف على العقود وتقييم النتائج، حتى تتحول المخصصات إلى خدمات فعلية يستفيد منها السكان، وتبقى آثارها الاقتصادية والاجتماعية قائمة بعد انتهاء مراحل التنفيذ.

شراكة تتجاوز التمويل السعودي

لم تبدأ العلاقات التنموية بين دمشق والرياض مع الحزمة الجديدة، فقد شهد العامان الماضيان توسعاً في الاتصالات السياسية والاقتصادية، وزيارات متبادلة واتفاقيات شملت قطاعات النقل والطاقة والاتصالات والاستثمار، ضمن توجه سعودي لدعم تعافي الاقتصاد السوري وتطوير الشراكات مع المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص.

وكان الصندوق السعودي للتنمية قد بحث مع وزراء سوريين، مطلع كانون الثاني الماضي، فرص التعاون في الصحة والتعليم والخدمات، قبل أن تتقدم المناقشات الفنية وصولاً إلى موافقة مجلس إدارته على تمويل المشروعات الستة.

وقد أشار وزير المالية السوري في تصريحات سابقة إلى وجود مباحثات أوسع بشأن مشروعات يمكن أن تصل قيمتها إلى نحو 1.5 مليار دولار خلال مراحل لاحقة، فيما تمثل الحزمة الحالية الجزء الذي انتقل إلى الترتيب للتوقيع، من دون أن تعني المناقشات الإضافية اعتماد جميع المبالغ أو تحولها إلى التزامات تمويلية نافذة.

وتكتسب الزيارة الحالية بعداً اقتصادياً آخر من مذكرات التفاهم المقرر توقيعها، خصوصاً في القطاع الصناعي، حيث تتضمن القائمة إطاراً للتعاون يمتد خمس سنوات ويتجدد تلقائياً، مع تشكيل فرق عمل مشتركة لمتابعة مجالات التعاون، دون ترتيب التزامات مالية مباشرة على الطرفين.

أما في القطاع الزراعي، فتتجه المباحثات إلى تأسيس إطار ينظم التعاون الفني وتبادل الخبرات، باجتماعات دورية كل ستة أشهر، في وقت تبحث فيه سوريا عن زيادة إنتاجها الزراعي وإعادة تأهيل مرافق الري والبنية الخدمية في المناطق الريفية.

وتشمل المذكرات كذلك التعاون في حماية البيئة، ضمن إطار يمتد خمس سنوات، ويمكن أن يفتح مجالات للتنسيق في إدارة الموارد الطبيعية ومواجهة آثار التغير المناخي والتحديات البيئية التي تواجه القطاعات الزراعية والصناعية والخدمية.

وتختلف هذه المذكرات عن اتفاقيات القروض، إذ إنها تضع أُطراً للتعاون وتبادل الخبرات وتطوير برامج مشتركة، بينما يحتاج تحويلها إلى مشروعات تنفيذية إلى اتفاقيات لاحقة تحدد التكلفة والجهات المسؤولة والجدول الزمني.

من إعادة الإعمار إلى «إكسبو 2030»

تتضمن القائمة أيضاً عقد مشاركة سوريا في معرض «إكسبو 2030 الرياض»، الذي تستضيفه السعودية، ضمن ترتيب يمنح الجانب السوري مساحة عرض دون مقابل، مع دعم للمشاركة عبر برنامج الشراكة، وقيمة مدرجة تبلغ 10.6 ملايين دولار.

ويمثل هذا البند انتقالاً من المشروعات الخدمية داخل سوريا إلى بناء حضور اقتصادي وثقافي دولي، حيث يتيح المعرض منصة للتعريف بالفرص الاستثمارية والقطاعات الإنتاجية والتراث والموارد البشرية، أمام جمهور واسع من الشركات والمؤسسات والدول المشاركة.

وتتصل أهمية المشاركة بقدرة سوريا على تقديم مشروعات قابلة للاستثمار، وعرض الفرص المتاحة في الطاقة والزراعة والنقل والصناعة والسياحة، في وقت تحتاج فيه عملية التعافي إلى توسيع العلاقات التجارية واستقطاب رؤوس الأموال والخبرات.

وقد حددت الترتيبات المقرر توقيعها موعداً لتسليم مساحة المشاركة السورية بحلول الحادي والثلاثين من كانون الأول 2029، بما يمنح الجهات المعنية فترة للتحضير الفني والتنظيمي، ووضع تصور للمحتوى والمشروعات التي ستقدمها سوريا خلال المعرض.

ويبقى مبلغ 10.6 ملايين دولار المدرج للعقد منفصلاً من حيث طبيعته عن القروض التنموية الستة، ولا يصح اعتباره قرضاً إضافياً أو استثماراً نقدياً مباشراً في الاقتصاد السوري دون تحديد تفاصيل الدعم وآلية احتسابه.

ماذا بعد التوقيع؟

تمثل زيارة الرياض مرحلة جديدة في التعاون السوري السعودي، بعدما انتقلت ستة مشروعات من المناقشات الفنية وموافقة الصندوق السعودي للتنمية إلى مرحلة الإعداد للتوقيع، فيما تحتاج الخطوات التالية إلى استكمال الإجراءات التنفيذية وتحديد جداول الإنجاز وطرح العقود وتوريد المعدات وبدء الأعمال على الأرض.

وقد وضعت القائمة النهائية ثمانية بنود في حالة الجاهزية للتوقيع، بينما بقيت مذكرتا التعاون الزراعي والبيئي بانتظار استكمال تسمية الممثل السوري المخول بالتوقيع، بما يجعل عدد الوثائق التي ستوقع فعلياً مرتبطاً بإنجاز هذه الإجراءات.

وتتطلب الاستفادة من التمويلات الميسرة مراعاة القدرة على السداد وكفاءة توجيه الموارد، إذ إن امتداد القروض عشرين عاماً مع فترة سماح لخمس سنوات يمنح الدولة وقتاً لتنفيذ المشروعات والاستفادة منها، دون أن يلغي الالتزامات التي ستترتب على المالية العامة مستقبلاً.

وستتحدد القيمة الفعلية لهذه الاتفاقيات بما تحققه من خدمات ونتائج، من وحدات كهربائية تعود إلى التوليد، ومساكن تصبح صالحة للعودة، ومراكز صحية تستقبل المرضى، وشبكات مياه تتحسن إدارتها، وصولاً إلى مؤسسات أكثر قدرة على الاستجابة للطوارئ وإدارة الموارد.

وفي بلد تعيش فيه عائلات كثيرة بعيداً عن منازلها منذ سنوات، يمكن لهذه النتائج أن تسهم في تقليص الفجوة بين العودة التي يتمناها النازحون والظروف التي تجعلها ممكنة، خصوصاً إذا اقترنت مشروعات السكن والخدمات بفرص عمل واستقرار أمني واجتماعي.

وبين الرياض التي تستضيف توقيع حزمة التمويل، والمدن السورية التي تنتظر إعادة تأهيل مرافقها، تتحدد أهمية الشراكة بما ينتقل من الأوراق إلى المواقع التنفيذية، ومن الالتزامات المالية إلى خدمات يستطيع المواطنون لمسها في حياتهم اليومية.

فالطريق نحو «سوريا بلا مخيمات» يبدأ من توفير منزل صالح للسكن، ويتطلب حوله شبكة من الكهرباء والمياه والصحة والعمل والأمان، وهي المقومات التي تحاول الحزمة السورية السعودية الجديدة الإسهام في بنائها، ضمن مسار أطول لإعادة الإعمار واستعادة قدرة الدولة على توفير شروط الحياة المستقرة لمواطنيها.

المصدر: الثورة السورية
آخر الأخبار