ملخص
قال رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي إن التطور المتسارع في الذكاء الاصطناعي قد يمثل أهم تحول اقتصادي خلال حياته، متوقعاً أن يعزز الإنتاجية والثروة على المدى الطويل، على رغم ما قد يصاحبه من اضطرابات في سوق العمل والأسواق المالية.
رأى رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي كيفن وارش أن الاقتصاد العالمي يشهد تحولات هيكلية تقودها طفرة الاستثمار والتطور التكنولوجي، في وقت أظهرت اقتصادات كثيرة قدرة على الصمود أمام الاضطرابات الجيوسياسية والصراعات الدولية، لكنه حذر من استمرار الضغوط التضخمية، مؤكداً أن البنوك المركزية تواجه تحديات مشتركة، رغم اختلاف أدواتها ومسؤولياتها.
وأضاف أن هذه التكنولوجيا ستغير أيضاً طريقة عمل البنوك المركزية وتحليل البيانات الاقتصادية، بما قد ينعكس بصورة جوهرية على إدارة السياسة النقدية مستقبلاً.
الذكاء الاصطناعي أكبر تحول اقتصادي في جيله
قال وارش: إن ظهور التكنولوجيا الجديدة يمثل تحولاً بالغ الأهمية للاقتصادين الأميركي والعالمي، وإن التعامل معها يتطلب من المصرفيين المركزيين قدراً كبيراً من الجدية والرصانة، نظراً إلى تأثيراتها المحتملة في الطلب والتضخم والإنتاجية والتوظيف.
وأوضح أن تأثير الذكاء الاصطناعي يظهر أولاً في جانب الطلب، قبل أن تتجلى منافعه بصورة كاملة في جانب العرض. وبالنسبة إلى البنوك المركزية المكلفة بتحقيق استقرار الأسعار والوصول إلى أقصى مستوى من التوظيف، فإن ذلك يفرض التعامل معه باعتباره صدمة اقتصادية، لكنها قد تتحول إلى صدمة إيجابية على جانب العرض في الأجل المتوسط.
وأضاف أن الطلب الكلي يرتفع بالفعل خلال المرحلة الانتقالية التي تسبق تحقق المكاسب الإنتاجية المتوقعة، لكنه ينظر إلى هذه التكنولوجيا بصورة مختلفة عن الصدمات الناجمة عن الحروب والصراعات العسكرية، نظراً إلى الفوائد الكبيرة التي يمكن أن تحققها للاقتصادين الأميركي والعالمي على المدى الطويل.
وقال وارش إنه متفائل بشأن هذا التطور، لكنه شدد على أن التفاؤل لا يعفي صانعي السياسات من مسؤولياتهم اليومية، بل يستوجب منهم التركيز والاستعداد للتعامل مع التغيرات المقبلة.
وأشار إلى أن تأثير التكنولوجيا في التوظيف خلال الأشهر الـ12 إلى الـ18 المقبلة لا يزال غير واضح، لكنه يعتقد أنها ستزيد إنتاجية الاقتصادات التي تحسن توظيفها، وستسهم في تعزيز الثروة.
ومع ذلك، حذر من أن الانتقال إلى هذا الواقع لن يكون سهلاً بالضرورة، إذ ستبرز تحديات تتعلق بفهم التكنولوجيا نفسها، وطبيعة الأسواق التي ستنشأ حولها، والجهات التي ستتمكن من تحقيق الأرباح.
وتساءل عن التداعيات التي قد تواجه المستثمرين الذين يراهنون على تحقيق عوائد كبيرة من التقنيات الجديدة، ثم يكتشفون أن هيكل السوق لا يسمح لهم بالحصول على الأرباح المتوقعة.
جدل مع غورغييفا حول تسمية الذكاء الاصطناعي
خلال الحوار، أشارت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا إلى أن الحماسة للاستثمار في الذكاء الاصطناعي تدفع النمو في بعض الاقتصادات، بينما تواجه اقتصادات أخرى ضغوطاً سلبية، خصوصاً بسبب تداعيات الحرب وأضافت أن التضخم المستمر يمثل تحدياً مشتركاً، سواء في الدول التي تحقق نمواً أو تلك التي تعاني تباطؤاً، وأن صدمة الطاقة الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط تزيد الضغوط القائمة.
وعلّق وارش على حديثها قائلاً إن هناك جدلاً لغوياً واختلافاً في التسمية، موضحاً أن ما يُعرف بالذكاء الاصطناعي (AI) يُشار إليه في الولايات المتحدة أيضاً بمصطلح الذكاء الفائق (SI)، وردت غورغييفا على هذا الجدل الاصطلاحي باقتراح تسمية أخرى، قائلة: “لنسمِّ هذا الجدل اللغوي الذكاء غير البشري”.
وبعيداً من التسمية، أكد وارش أن الأهمية الاقتصادية للتكنولوجيا تتطلب من البنوك المركزية دراسة انعكاساتها المحتملة، سواء على التضخم في الأجلين القصير والطويل، أو على الاستقرار المالي، أو على الإنتاجية التي يمكن أن تتحقق مستقبلاً.
التكنولوجيا ستغير طريقة عمل البنوك المركزية
قال وارش: إن الذكاء الاصطناعي لن يؤثر في الاقتصاد الحقيقي فحسب، بل سيحدث تحولاً مهماً في طريقة عمل البنوك المركزية، التي تعتمد على تحليل كميات كبيرة من البيانات المتباينة لاستخلاص المؤشرات الأساسية للاقتصاد والتضخم.
وأوضح أن “الاحتياطي الفيدرالي” يستند، ضمن مصادر أخرى، إلى الإحصاءات الرسمية الأميركية الصادرة عن مكتب إحصاءات العمل ومكتب التحليل الاقتصادي، ويستخدم نماذج تقليدية لتحديد الاتجاهات الأساسية للأسعار والنشاط الاقتصادي.
لكنه توقع أن تتغير هذه الممارسات مع تطور الأدوات التحليلية الجديدة، التي ستتيح للبنوك المركزية الوصول إلى كميات أكبر من المعلومات واستخلاص المؤشرات المهمة منها بصورة أكثر فاعلية.
وأشار إلى أن توافر بيانات جديدة وأدوات تحليل متقدمة قد يعزز ثقة صانعي السياسات في تقييم التطورات الاقتصادية، ويساعدهم على التمييز بين التغيرات الفعلية في الاقتصاد والبيانات المتأخرة زمنياً أو المشوشة أو المعرضة لأخطاء القياس.
وأضاف أن هذه التطورات قد تغير بصورة جوهرية طريقة إدارة السياسة النقدية، مما يجعل الاستثمار في الاستعداد للمرحلة المقبلة ضرورة بالنسبة إلى البنوك المركزية.
وفي هذا السياق، أشار إلى أن “الاحتياطي الفيدرالي” شكّل فرق عمل خارجية قبل نحو أربعة أو خمسة أشهر، من بينها فريق معني بالإنتاجية والوظائف، بهدف دراسة الأسئلة التي تثيرها التحولات التكنولوجية.
وأوضح أن أول جلسة ميدانية لهذا الفريق ستعقد في منطقة خليج سان فرانسيسكو في الـ16 من تشرين الثاني المقبل، لبحث هذه القضايا بمشاركة خبراء مستقلين ومتخصصين من المجتمع الأوسع.
وقال: إن المؤسسة واثقة إلى حد كبير من أنها تطرح الأسئلة الصحيحة، لكنها لا تملك بالضرورة الإجابات، معرباً عن أمله في أن تسهم هذه الجهود في إنتاج معرفة مفيدة للولايات المتحدة والاقتصادات الأخرى، باعتبارها منفعة عامة عالمية.
طفرة استثمارية تنهي الحديث عن الركود طويل الأمد
في تقييمه للاقتصاد العالمي، قال وارش: إن التطورات الاقتصادية خلال الشهر الذي أعقب الاجتماع السابق لمجلس الاحتياطي الفيدرالي جاءت متوافقة إلى حد كبير مع التوقعات، وإن الاجتماعين المتبقيين خلال العام سيشكلان فرصتين حاسمتين لتقييم الإنتاج والتوظيف والتضخم.
لكنه رأى أن الصورة الاقتصادية الراهنة تختلف عن النقاشات التي سادت قبل نحو 20 عاماً، حين كان الاقتصاديون يتحدثون عن “الركود طويل الأمد”، في إشارة إلى مخاوف من ضعف النمو والاستثمار لفترة ممتدة.
وقال: إن هذا المفهوم يبدو بعيداً من واقع الاقتصاد الحالي، في ظل ما يشهده العالم من نمو هيكلي وموجة قوية من الاستثمار، وإن كانت هذه الطفرة لا تتوزع بالتساوي بين الدول، بينما تسجل الولايات المتحدة استثمارات ضخمة.
وأضاف أن التجربة أظهرت أن صانعي السياسات ليسوا عاجزين عن التأثير في مسار الاقتصاد، وأن السياسات الجيدة على مستوى الاقتصاد الكلي، إلى جانب الأسس الاقتصادية الجزئية القوية، يمكن أن تهيئ الظروف اللازمة لزيادة الاستثمار.
وأشار إلى أن الطفرة الاستثمارية لم تحدث من قبيل المصادفة، بل جاءت نتيجة عوامل وسياسات ساعدت على دعم النشاط الاقتصادي، معتبراً أن هذا التطور ربما يكون أحد أبرز العوامل الإيجابية التي يشهدها الاقتصاد العالمي حالياً.
ومع ذلك، شدد على ضرورة النظر إلى الصورة بصورة متوازنة، في ظل استمرار المخاوف بشأن ارتفاع الأسعار، التي لاحظ أنها كانت حاضرة في نقاشاته مع محافظي البنوك المركزية خلال اجتماعات بانكوك.
اقتصادات العالم أكثر صموداً مما توقع
قال وارش إنه فوجئ بقدرة عدد كبير من الاقتصادات على الصمود خلال الأشهر الماضية، على رغم التطورات الجيوسياسية والصراعات في مناطق مختلفة من العالم.
وأضاف أنه لم يكن متأكداً، قبل خمسة أو ستة أشهر، من أن هذا العدد الكبير من دول مجموعة الـ20 سيواصل تحقيق أداء اقتصادي جيد في ظل هذه الظروف، وإن كان يتوقع استمرار قوة الاقتصاد الأميركي.
واعتبر أن هذه القدرة على الصمود تمثل جانباً مهماً من المشهد الاقتصادي العالمي، لكنها لا تلغي وجود تحدٍ مشترك يتمثل في التضخم، الذي لا يقتصر على الولايات المتحدة.
وأوضح أن السياسات النقدية تؤثر في الاقتصادات عبر الحدود، إذ تنتقل آثار قرارات “الاحتياطي الفيدرالي” إلى بقية العالم، بينما تعود آثار سياسات الدول الأخرى لتنعكس على الاقتصاد الأميركي.
وأضاف أن الدول تتخذ قراراتها وفقاً لمسؤولياتها المحلية والتفويض الممنوح لبنوكها المركزية، لكن هذه الاختلافات لا تمنع وجود تحديات مشتركة تستدعي المتابعة والتنسيق.
وأشار إلى أنه لمس عزماً لدى زملائه في البنوك المركزية حول العالم على تحقيق استقرار الأسعار، مؤكداً أن معظم الاقتصادات شهدت خلال الأشهر الماضية تشديداً متزامناً في السياسة النقدية، وإن اختلفت الأدوات وتسلسل الإجراءات من دولة إلى أخرى.
وقال: إن ذلك يعني أن الدول لا تكتفي بالاعتماد على جهود الآخرين في مواجهة التضخم، بل تتخذ إجراءاتها الخاصة، معتبراً أن هذا التوجه تطور إيجابي.
“لن أستبق قرارات الفائدة”
أكد وارش أن “الاحتياطي الفيدرالي” أوضح التزامه تحقيق استقرار الأسعار، وأنه بدأ قبل نحو شهر تقليص جانب من التيسير النقدي.
لكنه رفض استباق نتائج الاجتماعات المقبلة أو الإعلان مسبقاً عن القرارات التي قد يتخذها المجلس خلال ما تبقى من العام، مشدداً على أن تقييم السياسة النقدية سيعتمد على التطورات الاقتصادية والبيانات المتعلقة بالإنتاج والتوظيف والتضخم.
وقال: إن “الاحتياطي الفيدرالي” دخل مرحلة جديدة، في إشارة إلى تغير نهجه في التعامل مع قرارات السياسة النقدية، من دون تقديم توجيهات مسبقة بشأن الخطوات المقبلة.
دروس الأيام الـ148 الأولى
في حديثه عن تجربته بعد مرور 148 يوماً على توليه رئاسة “الاحتياطي الفيدرالي”، قال وارش: إن خبرته السابقة داخل المؤسسة، التي امتدت خمسة أعوام ونصف العام، ساعدته على التعامل مع مسؤولياته الجديدة بثقة أكبر، وعلى التفكير في إدخال أفكار جديدة مع الحفاظ على أفضل تقاليد المؤسسة.
وأضاف أنه اكتشف، بعد عودته عقب غياب دام 15 عاماً، أن “الاحتياطي الفيدرالي” لا يزال يضم كفاءات كبيرة وموظفين ملتزمين بمهمته، مشيراً إلى أن بناء الثقافة المؤسسية المناسبة لا يقل أهمية عن اتخاذ القرارات الصحيحة بشأن السياسة النقدية.
واعترف بأن تركيزه خلال الأشهر الأولى انصب بدرجة كبيرة على السياسة النقدية، على رغم أن نحو 75 في المئة من موظفي “الاحتياطي الفيدرالي” لا يعملون مباشرة في هذا المجال.
وأوضح أن المؤسسة تضطلع أيضاً بمسؤوليات تشمل الإشراف على المؤسسات المالية وتنظيمها، وأنظمة المدفوعات، وشؤون المستهلكين والمجتمعات المحلية، وهي مجالات تحتاج إلى اهتمام مماثل.
وقال: إن مصدر قوة “الاحتياطي الفيدرالي” الحقيقي ليس قدرته على إصدار النقود، بل مصداقيته المؤسسية، محذراً من أن أي إخفاق في أحد مجالات عمله قد ينعكس على ثقة الجمهور بالمؤسسة بأكملها.
وتعهد منح هذه المجالات اهتماماً أكبر خلال المئة يوم التالية، مؤكداً أن رئيس “الاحتياطي الفيدرالي” مسؤول عن قيادة المؤسسة بجميع أجزائها، وليس عن السياسة النقدية وحدها.
واختتم وارش حديثه بالتعبير عن امتنانه لتولي المنصب، قائلاً إن العالم يتحرك بوتيرة أسرع من أي وقت مضى، وإن التغيرات الجارية تعيد تشكيل الطريقة التي يفكر بها صانعو السياسات في الاقتصاد، وهو ما يجعل الاستعداد للتحولات المقبلة أكثر أهمية من أي وقت مضى.
كفاية أولير
المصدر: إندبندنت عربية
