كتب رجل الأعمال الإماراتي خلف الحبتور على صفحته في “فيسبوك” مقالة أعرب فيها عن حزنه لما تشهده دول عديدة في أوروبا والعالم من احتجاجات وغلاء معيشة وفقر وجوع، موضحاً أن الحروب وآثارها لا تقف عند حدود الدول المتصارعة، إنما هي تطال الجميع، وعليه لا ينبغي للدول والأفراد أن يكتفوا بدور المتفرج والمتعاطف؛ إنما أن يبحثوا عن أسباب ما يجري وأن يجدوا حلول، ويتساءل في ختام مقالته: فما قيمة كل ما وصل إليه العالم من تقدم وقوة وثروة، إذا لم نستطع أن نحمي طفلاً من الجوع، أو أسرة من التشرد، أو شعباً من الحرب؟
وفيما يلي المقالة كما وردت:
في كل مرة أنظر فيها إلى ما يحدث في أنحاء العالم اليوم، من أوروبا إلى أميركا، وما نشهده من احتجاجات بسبب غلاء المعيشة والضغوط الاقتصادية، ومن حروب وفقر وجوع وأمراض في مناطق أخرى، أسأل نفسي: كيف وصلنا إلى هذه الحال، ونحن نملك من العلم والثروة والإمكانات ما يكفي لمعالجة الكثير من هذه المآسي؟
نرى أطفالاً يبكون من الجوع، وعائلات لا تجد ما تأكله، وشعوباً تعيش في الخوف والفقر والحروب، وفي المقابل، نرى عالماً ينفق المليارات على السلاح والصراعات ومحاولات فرض القوة والنفوذ، بينما يعجز عن توفير أبسط مقومات الحياة لهؤلاء الأبرياء.
وأنا أسأل: من المسؤول عن وصول هؤلاء الناس إلى هذه الحال؟ ومن المستفيد من استمرار معاناتهم؟
أليست الأولوية القصوى لكل دولة ولكل قيادة هي كرامة الإنسان، وحماية حياته، وتوفير الأمن والغذاء والعلاج والتعليم له ولأبنائه، بدلاً من الانشغال بفرض القوة والنفوذ على الآخرين؟
وكيف يستطيع الإنسان أن يعيش هو وأبناؤه في نعمة وراحة، بينما هناك أطفال في أماكن أخرى من العالم ينامون جائعين، أو يتألمون من المرض، أو يعيشون في خوف دائم؟ هل يكفي أن نقول إنهم بعيدون عنا، وإن معاناتهم لا تعنينا؟
وهنا أتذكر ما رُوي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنه قال: “لو ماتت شاة على شط الفرات ضائعة، لظننت أن الله تعالى سائلي عنها يوم القيامة”.
فإذا كان سيدنا عمر يخشى أن يُسأل أمام الله عن شاة ضائعة، فكيف بنا اليوم ونحن نرى أطفالاً يموتون جوعاً ومرضاً، وشعوباً كاملة تعاني، والعالم يملك القدرة على مساعدتها؟ أين مسؤولية القادة؟ وأين ضمائرنا جميعاً؟
قد يقول البعض إن هذا قدر الله ومشيئته.. نعم، نحن نؤمن بقضاء الله وقدره، ولكن الله سبحانه وتعالى أمرنا بالرحمة والعدل والإحسان، ولم يأمرنا أن نقف متفرجين على معاناة الناس، أو أن نتخذ من القدر عذراً للتخلي عن مسؤولياتنا.
لا يجوز أن نرى طفلاً جائعاً ونقول: وما شأني أنا؟
فالحروب والفقر وعدم الاستقرار لا تقف آثارها عند حدود الدول، بل تنتقل مثل العدوى، وتؤثر في أمن الناس واقتصاداتهم ومستقبل أجيالهم. وما نراه بعيداً عنا اليوم قد يصل إلى أبوابنا غداً.
والأمر الذي يحزنني أكثر هو أن العالم ليس عاجزاً عن المساعدة، لدينا الإمكانات والعلم والموارد، ولدينا القدرة على إنقاذ الأرواح وتخفيف المعاناة. لكن هل لدينا الإرادة الحقيقية لذلك؟
لا يكفي أن نتعاطف مع الضحايا أو نعتاد مشاهدة مآسيهم على الشاشات، علينا أن نسأل عن الأسباب، وأن نعمل على معالجتها، فكما لا ننتظر المرض حتى ينتشر ويصيبنا لنتحرك، لا يجوز أن ننتظر حتى تصل إلينا مآسي الشعوب لنشعر بمسؤوليتنا.
رسالتي إلى كل من يملك القرار والقدرة على التأثير: اجعلوا كرامة الإنسان وحياته فوق حسابات القوة والنفوذ والمصالح السياسية. عالجوا أسباب الحروب والفقر، واجعلوا الإنسان أولاً في كل قرار.
فما قيمة كل ما وصل إليه العالم من تقدم وقوة وثروة، إذا لم نستطع أن نحمي طفلاً من الجوع، أو أسرة من التشرد، أو شعباً من الحرب؟
القوة الحقيقية للدول ليست في قدرتها على إخضاع الآخرين، بل في قدرتها على حماية الإنسان وصون كرامته.
اللهم ارحم المستضعفين في كل مكان، وأطعم الجائعين، وآمِن الخائفين، وألّف بين قلوب الناس، وأبعد عن عالمنا شرور الحروب والظلم والمعاناة.
