ماكرون في دمشق.. هل تفتح فرنسا باب إعادة الإعمار في سوريا؟

زمن القراءة: 11 دقائق

تشهد العلاقات السورية–الفرنسية تحركاً لافتاً مع زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مساء أمس لدمشق، في خطوة تُعد الأولى من نوعها منذ سنوات طويلة من القطيعة السياسية والاقتصادية، والتي أعقبت اندلاع الحرب في سوريا في العام 2011، وما رافقها من إعادة تموضع دولي شمل العقوبات الأوروبية وتجميد معظم أشكال التعاون الثنائي.
وبينما تحمل الزيارة أبعاداً سياسية وأمنية، فإن الجانب الاقتصادي يحضر بقوة في جدول الأعمال، وسط توقعات بأن تشكل محطة لاختبار إمكانية عودة الشركات الفرنسية والأوروبية إلى السوق السورية، وإطلاق مسار تعاون في ملفات إعادة الإعمار والطاقة والبنية التحتية، وإن كان ذلك لا يزال مرتبطاً بجملة من الشروط السياسية والأمنية والاقتصادية.
أجندة اقتصادية وأمنية
وقد كشف مصدر رفيع لـِ “المدن” أن زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تأتي استكمالًا للمباحثات التي بدأت خلال زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع لباريس العام الماضي، التي تناولت ملفات إعادة الإعمار، وعودة الشركات الأوروبية، وإعادة ربط سوريا بالنظام المالي العالمي، إضافة إلى التعاون في مجالات الزراعة والتكنولوجيا والخدمات.
وأضاف المصدر أن من المرتقب أن يناقش الجانبان مشاريع تتعلق بالكهرباء والمياه وتطوير المرافئ وإصلاح القطاع المصرفي، إلى جانب بحث آليات تمويل مشاريع البنية التحتية بالتعاون مع المؤسسات الأوروبية والدولية.
وأوضح أن الملف الأمني سيكون في مقدمة جدول الأعمال، إذ تسعى باريس إلى الحصول على ضمانات بشأن مواصلة مكافحة الجماعات الإرهابية وتعزيز استقرار المؤسسات السورية، فيما ستحتل ملفات إعادة الإعمار الاقتصادية موقًعاً محورياً في المحادثات، في ظل حجم الدمار الذي خلّفه أكثر من 13 عاماً من الصراع، وما يرافقه من حاجة إلى إعادة تأهيل البنية التحتية وشبكات الكهرباء وقطاعات النقل والصحة والتعليم والاتصالات والزراعة والصناعة.
ولفت المصدر إلى أن المباحثات قد تتناول أيضاً ملف العودة التدريجية للاجئين، والتعاون الإنساني، وحماية الأقليات، إضافة إلى إعادة إدماج سوريا تدريجياً في محيطها الإقليمي والدولي، فضلًا عن ملفات إقليمية أبرزها العلاقة مع لبنان واستقرار منطقة المشرق.
ووفق المصدر، فإن الزيارة ستشهد توقيع 14 مذكرة تفاهم بين البلدين، إلى جانب مباحثات قد تشمل الملف اللبناني.
وتوقّع مصدر آخر أن تشمل التفاهمات المرتقبة اتفاقات تصب في إطار تعزيز الربط اللوجستي بين مرفأي بيروت واللاذقية، بما يساهم في تنشيط حركة الشحن وإعادة تنظيم سلاسل الإمداد الإقليمية. وأشار إلى أن هذا المسار يستند إلى وجود شركة CMA CGM المشغلة لمحطات الحاويات في كلا المرفأين، الأمر الذي قد يسهّل تطوير آليات التعاون التشغيلي والتنسيق اللوجستي بينهما، في حال استكمال التفاهمات المرتبطة بالزيارة.
فرص اقتصادية… ولكن بشروط
ورغم المؤشرات التي تتحدث عن انفتاح اقتصادي محتمل، يرى خبراء أن نجاح هذا المسار سيبقى مرهوناً بالتفاهمات السياسية التي ستخرج بها الزيارة، إضافة إلى قدرة دمشق على توفير بيئة قانونية وأمنية جاذبة للاستثمارات الأوروبية، وهي عوامل ستحدد مدى انتقال العلاقات من مرحلة الحوار السياسي إلى التعاون الاقتصادي الفعلي.
وفي هذا السياق، قال الخبير الاقتصادي الدكتور يونس كريم إن نجاح زيارة الرئيس الفرنسي لدمشق، في حال تُرجم إلى تفاهمات سياسية حقيقية، من شأنه أن يشكّل بداية فعلية لعودة العلاقات الاقتصادية الفرنسية إلى سوريا، معتبراً أن فرنسا تُعد بوابة أساسية لعبور سوريا نحو الاتحاد الأوروبي، وضامناً مهماً في إعادة تموضعها ضمن النظام الاقتصادي الدولي.
وأوضح كريم أن انخراط فرنسا مجدداً في الملف السوري سيكون مرهوناً بثلاثة شروط رئيسة، أولها استقرار البيئة الأمنية والسياسية، مع الإشارة إلى أن الجانب السياسي لا يعني غياب الانتقادات الأوروبية لمسار العدالة الانتقالية، بل يرتبط بوجود مسار واضح ومقبول دولياً في هذا الإطار. أما الشرط الثاني فيتمثل بوضوح البيئة القانونية الناظمة لحماية الاستثمارات، في حين يتمثل الثالث في استيفاء سوريا لباقي الشروط الأوروبية المتعلقة برفع العقوبات وإعادة دمجها تدريجيًا في النظام المالي الدولي.
وأضاف أن نجاح هذا المسار من شأنه أن يفتح الباب أمام تفاهمات أوسع قد تمتد إلى الملف اللبناني، مشيراً إلى أن عدم تحقيق هذه الشروط سيحدّ من الانفتاح الاقتصادي، بينما في حال تحققها فقد نشهد دخول شركات فرنسية وأوروبية إلى قطاعات الطاقة والنقل والاتصالات داخل سوريا.
وفيما يتعلق بالبعد الاقتصادي، رأى كريم أن عودة فرنسا تحمل دلالات مهمة على مستوى تشجيع الاتحاد الأوروبي للمشاركة في عملية إعادة الإعمار، التي تُقدّر كلفتها ما بين 250 و400 مليار دولار، وهو ما قد يسهم في تحفيز مستثمرين دوليين للدخول إلى السوق السورية.
وأشار إلى أن لفرنسا ميزات تنافسية في عدة قطاعات، أبرزها الحوكمة وإعادة هيكلة المؤسسات الإدارية، لافتاً إلى أن جزءاً كبيراً من البنية القانونية والإدارية في سوريا مستمد من النموذج الفرنسي، ما قد يسهّل عمليات الإصلاح ويقلّص كلفتها وزمن تنفيذها.
كما أضاف أن لفرنسا خبرة واسعة في قطاع الطاقة، بما في ذلك النفط والغاز والكهرباء والطاقة المتجددة، إضافة إلى علاقاتها داخل الاتحاد الأوروبي، ما يمنحها قدرة على المساهمة في تطوير هذا القطاع الحيوي. وفي قطاع النقل والبنية التحتية، أشار إلى أن الكثير من الجسور والطرقات في سوريا يحمل بصمات فرنسية تاريخياً، فضلًا عن قوة فرنسا في قطاع السكك الحديدية وعلاقاتها في مجال المرافئ عبر شركات تشغيل عالمية، ما يجعلها شريكاً محتملًا في إعادة تأهيل هذا القطاع.
ولفت كذلك إلى حاجة سوريا الملحّة لإعادة تأهيل قطاع الصرف الصحي، حيث تمتلك فرنسا خبرات متقدمة في هذا المجال، إلى جانب قطاع الاتصالات والخدمات الرقمية والذكاء الاصطناعي، وهو ما قد يسهم في دعم عملية تحديث الإدارة الحكومية.
وختم كريم بالقول إن نجاح الزيارة سياسيًا قد ينعكس على المدى القريب في اتجاه تخفيف العقوبات وتعزيز تدفق المساعدات الأوروبية، ورفع مستوى الثقة الاستثمارية وتقليص المخاطر، ما ينعكس تحسنًا في الإيرادات ودخولًا تدريجيًا للاستثمارات، بينما على المدى المتوسط قد يشهد الاقتصاد السوري عودة فعلية لمشاريع البنية التحتية والطاقة، ومشاركة فرنسية في عملية إعادة الإعمار، بما يفتح المجال أمام استثمارات عربية وغربية أوسع، إضافة إلى دعم التعليم المهني والعالي وتبادل المنح بين البلدين.
وأضاف أن البعد السياسي للزيارة يبقى معقدًا، نظراً لارتباطه بملفات إقليمية أوسع، خاصة الملف اللبناني، مرجحاً أن أي تقدم اقتصادي سوري سيكون متداخلًا مع مسارات إقليمية تشمل لبنان والعراق معًا.
تفاؤل يقابله تحفّظ
وفي مقابل الرؤية المتفائلة بشأن ما قد تتيحه الزيارة من فرص اقتصادية، يرى باحثون أن ترجمة التفاهمات السياسية إلى مشاريع استثمارية تحتاج إلى وقت وإلى استكمال مجموعة من المتطلبات المرتبطة بالبيئة القانونية والمالية والأمنية.
وفي هذا الإطار، يؤكد الباحث السوري مالك الحافظ أن أي زيارة سياسية لا يمكن فصلها عن بنيتها التفاوضية الأوسع، مشيراً في حديث لـِ “المدن” إلى أن زيارة الرئيس ماكرون إلى دمشق، رغم أهميتها السياسية، لا تُعدّ بحد ذاتها بوابة مباشرة لإطلاق مسار اقتصادي فعلي، في ظل استمرار العقوبات الدولية، وضعف النظام المالي، وتراجع الثقة بالبيئة الاستثمارية في سوريا.
ويضيف الحافظ أن مقاربة التعاون الاقتصادي بين دمشق وباريس يجب أن تُفهم ضمن مستويين متوازيين: قصير الأمد وطويل الأمد، موضحاً أن القطاعات الممكنة في المرحلة الأولى تتركز في التعليم والصحة والثقافة، فيما تتطلب المشاريع الكبرى مثل الطاقة والبنية التحتية ترتيبات سياسية وأمنية أكثر تعقيداً واستقراراً.
ويرى أن الشركات الفرنسية الكبرى، ومنها “توتال”، قد تجد فرصاً محتملة في قطاع الطاقة داخل سوريا، لكن ذلك يبقى مشروطاً بتوفير غطاء أوروبي واضح وإعادة ضبط الملف الأمني بما يضمن بيئة تشغيل مستقرة وآمنة للاستثمار.
ويشير الحافظ إلى أن الحديث عن انخراط اقتصادي واسع يشمل قطاعات الاتصالات والصناعات التحويلية وإعادة ربط النظام المالي السوري بالمنظومة المصرفية الدولية يبقى مرتبطًا أولًا برفع العقوبات، مؤكداً أن أي استثمار جديد يحتاج إلى ثلاثة شروط أساسية: ضمانات سيادية لحماية رؤوس الأموال، ومنظومة مصرفية فعّالة تتيح تحويل الأموال والأرباح، ومناخ سياسي وأمني مستقر لإدارة المخاطر.
ويعتبر أن هذه الشروط ما تزال غير متوفرة بالشكل الكافي في سوريا اليوم، في ظل تحديات تتعلق بضبط الفصائل المسلحة، وبناء مؤسسات قادرة على فرض القانون، وتطوير منظومة مالية شفافة وفعّالة.
ويختم الحافظ بأن سوريا بحاجة إلى إعادة بناء الثقة في منظومة الحوكمة عبر إصلاح المؤسسات القانونية، وتعزيز سيادة الدولة، والانخراط التدريجي في النظام المالي الدولي، باعتبار ذلك المدخل الحقيقي لأي تعاون اقتصادي مستدام مع فرنسا أو غيرها من الدول.
محطة جديدة من العلاقات الثنائية
وتأتي زيارة ماكرون بعد نحو عام على زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع لباريس، التي لبّى خلالها دعوة من نظيره الفرنسي، حيث عقد الجانبان مباحثات في قصر الإليزيه تناولت تعزيز العلاقات الثنائية وتوسيع التعاون، بما في ذلك دعم جهود التعافي وإعادة الإعمار، إلى جانب التأكيد على احترام سيادة سوريا ووحدة أراضيها وتعزيز الحوار بين البلدين.
وشكّلت زيارة الشرع لباريس أول محطة أوروبية له منذ توليه الرئاسة، وشهدت بحث ملفات إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي إلى جانب القضايا السياسية والأمنية، فيما برزت آنذاك مؤشرات على اهتمام باريس بالمساهمة في مرحلة التعافي الاقتصادي، رغم أن فرنسا لم تعلن حتى الآن عن اتفاقات تنفيذية أو عقود استثمارية منذ تولي الحكم الجديد.
وتُعد فرنسا من أكثر الدول الأوروبية انخراطاً في الانفتاح على دمشق بعد سقوط نظام الأسد، إذ أعادت افتتاح سفارتها بعد أكثر من 14 عاماً على إغلاقها، كما استضافت مؤتمراً دولياً لدعم سوريا في شباط الماضي، أعقبه أول اتصال هاتفي بين ماكرون والشرع في شهر آذار2025.
وقبل عام 2011، كانت فرنسا من أبرز الشركاء الاقتصاديين لسوريا، إذ استثمرت شركاتها في قطاعات النفط والإسمنت والأغذية والشحن البحري والاتصالات والنقل والطاقة، قبل أن تتوقف معظم هذه الأنشطة مع اندلاع الحرب وفرض العقوبات الأوروبية. وبذلك، تمثل زيارة ماكرون، في حال إتمامها، أول زيارة لرئيس فرنسي لدمشق منذ أكثر من عقد، واختباراً حقيقياً لإمكان الانتقال من استئناف الاتصالات السياسية إلى إعادة بناء شراكة اقتصادية بين البلدين، في وقت ستحدد فيه نتائج المباحثات ما إذا كان هذا الانفتاح سيبقى سياسياً أم سيتحول إلى مسار اقتصادي طويل الأمد.
نور ملحم
المصدر: المدن

آخر الأخبار