ثلاثة أبعاد رئيسية تجعل زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى سوريا تكتسب أهمية مضاعفة، وتحظى بتركيز شديد لناحية ما يمكن أن تقود إليه من نتائج ستنعكس بصورة موسعة، سواء على مستوى العلاقات الثنائية أو على مستوى ترتيبات الإقليم التي باتت في مرحلة شديدة الحساسية إزاء كل تطور يحدث، داخلياً كان أم خارجياً.
يتعلق البعد الأول بسوريا وموقعها ضمن هذه الترتيبات، حيث لا تزال تحظى بالاستقطاب الأكبر، إقليميا ودوليا، في وقت تتجه فيه داخليا إلى استقرار مؤسساتي يعزز مسارات الانفتاح والتعاون ويوسع مساحات الثقة بمكانة سوريا ودورها في المرحلة المقبلة.
أما البعد الثاني فيتعلق بموقع فرنسا على الخريطة الأوروبية – الدولية، وهو ما يكسب الزيارة الوزن السياسي المؤثر الذي تحتاجه سوريا في تعزيز مسار المكاسب التي تسعى إليها من وراء عملية إعادة التموضع غربا. صحيح أن لفرنسا أهدافا بعيدة المدى من وراء الزيارة، إلا أن سوريا، في الوقت ذاته، ستبحث عن أوسع استفادة ممكنة على طاولة المباحثات التي ستنعقد بين الرئيسين أحمد الشرع وإيمانويل ماكرون، على قاعدة المصلحة الوطنية والمنافع المتبادلة.
ويتعلق البعد الثالث بترتيبات الإقليم، ربطا بطبيعة الوفد المرافق لماكرون، الذي يؤطر الزيارة في اتجاهين رئيسيين. الأول يركز على الاقتصاد من بوابة السياسة، حيث تسعى فرنسا إلى بناء علاقات جديدة مع سوريا مستفيدة من الزخم، بمعنى الرصيد السياسي الذي اكتسبته بفعل وقوفها ضد نظام الأسد المخلوع وقطع علاقاتها بالكامل معه دعما للثورة. وعليه، فهي تسعى إلى حجز مكانة اقتصادية بأثر استراتيجي يعيد مكانتها في المنطقة، ولتحقيق ذلك ستعمل فرنسا من خلال زيارة ماكرون على تعزيز الثقة بدورها على مستوى ما يمكن أن تحققه العلاقات الجديدة من مكاسب تدفع سوريا باتجاه الدخول في شراكة وثيقة مع فرنسا.
أبعاد داخلية – إقليمية
أما الاتجاه الثاني فيركز على الجغرافيا من بوابة الاقتصاد، وهي سياسة فرنسية ليست جديدة، إذ لطالما سعت فرنسا إلى تعزيز مواقعها في شرق المتوسط على قواعد اقتصادية. هذه الجغرافيا، وبفعل تطورات المنطقة خلال العامين الماضيين، خصوصا ما بعد إغلاق مضيق هرمز، تحولت إلى جغرافيا حاكمة بصورة صارمة تدفع الدول إلى إعادة الحسابات ورسم السياسات وفقها. لذلك، فإن سوريا التي تمثل عقدة جغرافية شديدة الأهمية شرقي المتوسط، هي في قلب الاستقطاب الإقليمي والدولي، وبعبارة أدق محل سباق إقليمي ودولي ترى فرنسا أنها ما زالت في مواقعه المتأخرة. وعليه، تشكل الزيارة دفعة قوية، سياسية واقتصادية، لتحقيق مكانة متقدمة، وهو ما يصب في مصلحة سوريا وما تنتهجه من انفتاح وإعادة تموضع وفق خطوات ثابتة وركائز محددة لتحصيل أعلى مكاسب ممكنة.
كلا الاتجاهين يحملان أبعادا إقليمية ودولية تترابط مع ما تسعى كل من سوريا وفرنسا إلى تحقيقه، خصوصا أن زيارة ماكرون هي الأولى لرئيس فرنسي منذ 17 عاما. وكانت زيارة نيكولا ساركوزي في أيلول 2009 آخر الزيارات قبل أن تدخل العلاقات السورية – الفرنسية في قطيعة كاملة ترسخت مع اندلاع الثورة السورية مطلع عام 2011 في عهد الرئيس السابق فرانسوا هولاند، ثم في عهد خلفه، الرئيس الحالي إيمانويل ماكرون.
لذلك، يتحدث المراقبون عن زيارة ماكرون كزيارة تاريخية ومحطة مفصلية في مسار استعادة سوريا حضورها الدولي من جهة. ومن جهة ثانية، هي تجسد انتقال العلاقات السورية – الفرنسية، ضمن مسار انفتاح متدرج، إلى مرحلة جديدة تقوم على الاحترام المتبادل والسيادة والشراكة المتكافئة.
وبالنظر إلى طبيعة الوفد المرافق، الاقتصادي بالدرجة الأولى، فإن المراقبين يركزون توقعاتهم على التعاون الاستثماري الذي لا ينفصل بدوره عن تطورات المنطقة والمعادلات التي تفرضها ميادين لم تستقر بعد. ولأن الزيارة تأتي في مرحلة تستقر فيها مؤسسات الدولة السورية، التنفيذية والتشريعية، فإن التوقعات تتخذ منحى متفائلا، وإن كان هذا المنحى ينفتح على كثير من الأسئلة المتعلقة بحجم الاستثمارات ونوعها، ربطا بتوجهات الإقليم الاقتصادية، حيث إن سوريا تتموقع في قلب كل الترتيبات الاقتصادية البديلة، لناحية ممرات التجارة وسلاسل الإمداد. ولا شك أن فرنسا في صورة كل ذلك، وعلى أساسه تسعى وتعمل على تسريع إنجاز علاقات سياسية إيجابية مع سوريا.
ويرى خبراء اقتصاديون أن الوفد الاقتصادي المرافق لماكرون سيسعى إلى استكشاف فرص الاستثمار والتعاون في قطاعات إعادة الإعمار والبنية التحتية والطاقة والصحة والتعليم والخدمات، مشيرين هنا إلى أن الوفد سيطلع على ما توفره سوريا من مناخ إداري وقانوني مستقر يمكنه جذب الاستثمارات الأجنبية، وخصوصا الفرنسية. أيضا، سيبحث الوفد سبل استفادة الشركات الفرنسية من تسهيلات تعزز حضور باريس في مشاريع إعادة الإعمار وتقوي حضورها في سوريا، وبما ينسحب على منطقة شرق المتوسط.
في المقابل، يشير الخبراء الاقتصاديون إلى أن سوريا تتطلع إلى الاستفادة من الخبرات الفرنسية في مجال التكنولوجيا لتطوير الإنتاج وإكسابه قدرة تنافسية عند التصدير. كذلك تتطلع إلى الاستفادة من العلاقات مع فرنسا لتكون مدخلا نحو تعزيز العلاقات مع باقي الدول الأوروبية وجذب استثمارات تلك الدول، ما يدعم تعزيز عملية التعافي وإعادة الإعمار.
بين زيارتين
أهم ما يمكن قراءته في سياق الزيارة أنها تأتي في ظل قناعة متزايدة بأهمية الشراكة مع الدولة السورية، ولأن فرنسا لطالما كانت قاطرة أوروبا عندما يتعلق الأمر بسوريا، فإنها اليوم تؤدي الدور نفسه، مع فارق أن العلاقات الجديدة مع سوريا باتت تحتم العمل على تحقيق استقرار الجغرافيا السورية، على قاعدة الوحدة والاستقرار والسيادة، إذا ما كان الهدف تحقيق المكاسب المرجوة، ليس فقط بالنسبة إلى فرنسا أو سوريا، وإنما لمجمل الإقليم.
ويربط بين زيارة ماكرون وزيارة الرئيس الشرع إلى فرنسا قبل عام، أنها تأتي استكمالا لها، إذ إن الزيارات واللقاءات والاتصالات لم تنقطع بين الزيارتين، على المستويين الرئاسي والوزاري، وأنها كانت مفتوحة على مسار أوروبي أوسع، حيث شهد العام الماضي العديد من الزيارات لمسؤولين أوروبيين إلى سوريا، هذا عدا عن المؤتمرات والفعاليات الدولية التي وحدت مسار الانفتاح الأوروبي – الغربي باتجاه أفضل العلاقات مع سوريا.
لذلك، يعد المراقبون أنه وبغض النظر عن نتائج الزيارة، أو ما يمكن أن يتحقق من مكاسب لفرنسا من ورائها، فإن القيادة السورية ستكتسب زخما سياسيا جديدا، مشيرين إلى أن ماكرون هو رابع زعيم دولة أو هيئة إقليمية يزور سوريا، بعد زيارة أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أواخر العام الماضي، ثم زيارة رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين في كانون الثاني الماضي، ثم زيارة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في نيسان الماضي. هذا الزخم السياسي سيمكن سوريا من التموضع بصورة أعمق في خريطة التطبيع السياسي مع الغرب، بما يساعدها أكثر على مواجهة الأعباء الاقتصادية والتحديات الأمنية.
وفيما تشكل فرنسا شريكا أوروبيا رئيسيا عبر توسيع التعاون السياسي والاقتصادي والاستثماري والتأسيس لعلاقات استراتيجية، تواصل سوريا العمل وفق أولويات التعافي وإعادة الإعمار، التي تصاغ بقرار وطني مستقل ووفق احتياجاتها ومصالحها.
هذه الزيارة ستتيح لسوريا فرصة بحث المشاريع الاقتصادية ذات الجدوى الأعلى، وآفاق الربط الإقليمي في إطار تعزيز التكامل الاقتصادي والتنموي في المنطقة، عدا عن بحث قضايا أخرى لها أهميتها الخاصة بين البلدين، مثل الهجرة غير النظامية واللاجئين ومكافحة تهريب المخدرات وغيرها، وملفات أخرى لها حساسيتها.
الواقعية السياسية
ويرى المحلل السياسي المعتصم الكيلاني أن الزيارة تتساوى في أهميتها لناحية القراءة الداخلية والخارجية، حيث إن فرنسا تركز على ملفات داخلية متعلقة بالانتقال السياسي، والعدالة والحقوق، ورفع العزلة، والاستثمار وإعادة الإعمار، بالتوازي مع ملفات إقليمية، أبرزها لبنان.
ويؤكد الكيلاني، في حديث لـ”الثورة السورية”، أنه من الزاوية الفرنسية تبدو الزيارة محاولة للجمع بين الواقعية السياسية والاشتراط الحقوقي، فباريس تنظر إلى المرحلة الجديدة في سوريا باعتبارها فرصة لإعادة بناء العلاقة مع دمشق والانخراط في دعم استقرارها واندماجها التدريجي في محيطها الإقليمي والدولي.
بالتوازي، يضيف الكيلاني، تحرص فرنسا على أن يترافق هذا الانفتاح مع تقدم في مسار المرحلة الانتقالية، بما يعزز مؤسسات الدولة، وسيادة القانون، وتحسين البيئة الحقوقية، ويوفر مناخا مناسبا للتعافي الاقتصادي وجذب الاستثمارات. ومن هذا المنطلق، يتوقع أن يكون هناك تركيز على دعم مسار الإصلاح المؤسسي، وتوسيع التعاون الاقتصادي، وتشجيع الخطوات التي تسهم في تحقيق الاستقرار وترسيخ الثقة بين سوريا وشركائها الدوليين.
أما اقتصادياً، يتابع الكيلاني، فإن مرافقة وفد من المستثمرين وممثلي الشركات الفرنسية لماكرون تحمل دلالة واضحة. فرنسا لا تريد الاكتفاء بالدور الدبلوماسي، بل تسعى إلى موقع في إعادة الإعمار والطاقة والبنية التحتية والخدمات والاتصالات. لكن الاستثمار الفرنسي سيبقى مرتبطا ببيئة قانونية مستقرة: قوانين استثمار شفافة، حماية الملكية، مكافحة الفساد، استقلال القضاء التجاري، وضمان ألا تتحول إعادة الإعمار إلى شبكة مصالح مغلقة أو إلى إعادة إنتاج لاقتصاد المحسوبيات.
بالنسبة إلى سوريا، يرى الكيلاني أن زيارة ماكرون تشكل مكسبا سياسيا كبيرا. فاستقبال رئيس دولة أوروبية بوزن فرنسا يعني كسر جزء مهم من العزلة، وإرسال رسالة إلى الداخل والخارج بأن دمشق الجديدة باتت شريكا ممكنا، لا سلطة منبوذة كالنظام المخلوع. كما أن سوريا تحتاج إلى دعم فرنسي وأوروبي في ثلاثة ملفات حاسمة: رفع ما تبقى من القيود والعقوبات، وتحريك التمويل والاستثمار، والحصول على غطاء سياسي يساعدها في تثبيت الانتقال وإعادة بناء مؤسسات الدولة.
لكن القراءة السورية لا تخلو من حساسية، يقول الكيلاني، فدمشق ستسعى إلى تقديم الزيارة بوصفها اعترافا بسيادتها وشرعيتها الجديدة، لا وصاية غربية على قرارها الداخلي. ومن هنا، سيكون التحدي في إدارة التوازن بين الحاجة إلى الدعم الخارجي ورفض الظهور بمظهر الدولة الخاضعة للشروط. لذلك، فإن خطاب القيادة السورية يقوم على الشراكة: تعاون اقتصادي، احترام السيادة، دعم الاستقرار، وفتح صفحة جديدة مع أوروبا.
إقليمياً، لا يمكن فصل الزيارة عن إعادة ترتيب المنطقة. فرنسا تنظر إلى سوريا باعتبارها عقدة أمنية وسياسية تمس شرق المتوسط ولبنان والعراق وتركيا وملف اللاجئين ومكافحة الإرهاب. أما سوريا فتنظر إلى الانفتاح الفرنسي كوسيلة لموازنة العلاقة مع الدول الإقليمية.
الانخراط المنهجي
الباحث في الشؤون السياسية والاقتصادية باسل كويفي بدأ حديثه لـ”الثورة السورية” باستعراض أبرز المحطات في مسار الانفتاح الفرنسي على القيادة السورية خلال الفترة الممتدة من ما بعد التحرير في 8 كانون الأول 2024 وحتى تموز الجاري 2026، حيث شهدت العلاقات الثنائية محطات بارزة نقلتها من القطيعة إلى إعادة الانخراط السريع والمنهجي.
أول محطة تمثلت في زيارة وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، برفقة نظيره الألماني، منتصف كانون الثاني 2025، كأول زيارة رسمية فرنسية منذ إغلاق السفارة الفرنسية في دمشق عام 2012.
وفي أيار 2025 زار الرئيس الشرع فرنسا، والتقى الرئيس ماكرون في قصر الإليزيه، وكانت هذه الزيارة هي الأولى على المستوى الأوروبي، وتلتها زيارة الرئيس الشرع إلى بريطانيا. ووصفت زيارة الشرع إلى فرنسا حينها بأنها محطة مفصلية على مستوى العلاقات مع فرنسا والدول الأوروبية عموما، وأنها وسعت الثقة باتجاه انفتاح غربي واسع على القيادة السورية.
في حزيران 2025 وما بعده، كانت هناك مباحثات عسكرية رفيعة المستوى ودعم فرنسي لرفع العقوبات الأوروبية لتشجيع التعافي، وكان لفرنسا دور مساعد في إبرام اتفاقات وقف إطلاق النار واتفاق الاندماج مع “قسد”.
اليوم، كما يرى كويفي، تأتي زيارة ماكرون لتتوج هذا المسار، وتنقل العلاقة من مرحلة “الاعتراف والحوار” إلى مرحلة “الشراكة الاستراتيجية” السياسية والاقتصادية، ما يعكس تحولا براغماتيا فرنسيا من سياسة العزلة السابقة إلى الانخراط المسؤول لبناء دولة مستقرة وموحدة.
ويتابع كويفي أن الزيارة تحمل رسالة واضحة بأن فرنسا تسعى إلى “حجز موقع متقدم” في سوق إعادة الإعمار السورية الضخمة. ويستهدف الوفد الاقتصادي المرافق قطاعات حيوية كالبنية التحتية، والطاقة، والموانئ، مثل إحياء عقود شركة “CMA CGM” في اللاذقية، والصحة، والخدمات.
ومن شأن هذا الانخراط المالي أن يساعد سوريا على تنويع مصادر الاستثمار، وأن يجلب خبرات ومعايير غربية حديثة تدعم التعافي الاقتصادي.
وسيط إقليمي – أوروبي
هذه الزيارة، وفق كويفي، ستمنح دفعة شرعية دولية قوية للدولة السورية الجديدة، حيث إن المباحثات بين الرئيسين الشرع وماكرون ستتضمن ملفات داخلية سياسية وأمنية بأبعاد إقليمية، أيضا، كان الملفات الحدودية حاضرة ففرنسا تدعو باستمرار إلى انسحاب “إسرائيل” من الأراضي السورية المحتلة، الجولان ومناطق جنوبية دخلتها وتسعى إلى تغيير الحقائق الميدانية فيها، وضبط الترتيبات الأمنية، وقد تؤدي دور وسيط غير مباشر لتهدئة الجبهة الجنوبية. أما على الجانب اللبناني، فتركزت المباحثات على التنسيق بشأن الحدود واللاجئين والمياه، وخصوصا بعد الزيارة الناجحة لوزير الخارجية السوري السيد أسعد الشيباني ولقاءاته المثمرة مع الفعاليات السياسية اللبنانية التي كانت تعارض النظام المخلوع.
أما إقليمياً ودولياً، فيرى كويفي أن زيارة ماكرون ستعزز موقع سوريا كلاعب يسعى إلى تحقيق التوازن بين القوى الإقليمية والولايات المتحدة الأميركية. ويمكن لفرنسا أن تؤدي دور “الوسيط الأوروبي” الموازن للتأثيرات الإقليمية، والذي يحذر على الدوام من تحول سوريا إلى ساحة تنافس بدلا من شريك مستقر.
لا شك أن الزيارة تمثل نجاحا للدبلوماسية الفرنسية في استعادة دورها التاريخي وتموضعها في شرق المتوسط، يقول كويفي، مشيرا إلى أن فرنسا هي جزء من تحول أوروبي أوسع من “إدارة الأزمة” إلى “بناء الدولة” في سوريا ما بعد نظام الأسد المخلوع، ويرى أن زيارة ماكرون هي فرصة تاريخية لسوريا لطي ملف العزلة بصورة نهائية وبدء الإعمار الحقيقي.
أبرز الاتفاقيات الموقعة
خلال زيارة الرئيس الفرنسي، سيتم توقيع اتفاقيات وتفاهمات مشتركة، وأبرزها:
1- مذكرة تفاهم بين وزارة الاقتصاد والصناعة في الجمهورية العربية السورية وشركة “سيدل” الفرنسية، بشأن التعاون الصناعي في قطاعات الأغذية والمشروبات والمياه.
2- مذكرة تفاهم بين وزارة التعليم العالي والبحث العلمي وشركة “Ellipse Projects SAS”، وتهدف إلى تحديد أطر التعاون التي تنظم تقديم الدعم للمشافي الجامعية السورية وتنفيذ مشاريع داعمة لها.
3- إعلان نوايا بين وزير أوروبا والشؤون الخارجية في فرنسا ووزير الخارجية والمغتربين السوري في سوريا، انطلاقا من الرغبة المشتركة لدى الموقعين في التعاون بشأن الأصول المتصلة بالأموال العامة السورية التي صودرت بموجب قرار نهائي أصدره القضاء الفرنسي، سعيا إلى ضمان استخدامها في مصلحة الشعب السوري، وأكد الموقعان أهمية أن تتم أي ترتيبات لاحقة في إطار الاحترام المتبادل والمساواة في السيادة والشفافية.
4- اتفاقية إنشاء وممارسة أنشطة “الوكالة الفرنسية للتنمية”، حيث إن الطرف الأول، الجمهورية العربية السورية، يمثلها قتيبة قاديش بصفته مدير إدارة التعاون الدولي في وزارة الخارجية والمغتربين والمفوض أصولا لهذا الغرض. والطرف الثاني “الوكالة الفرنسية للتنمية”، و”البنك الفرنسي للتنمية والاستثمار”، و”الوكالة الفرنسية للخبرة الفنية الدولية”.
5- اتفاقية شراكة ثلاثية بين “المعهد الوطني الفرنسي للتراث”، و”المعهد الفرنسي للشرق الأدنى”، و”المديرية العامة السورية للآثار والمتاحف”.
6- إعلان إطار تعاون شامل بين الجمهورية العربية السورية ممثلة بوزير الخارجية والمغتربين، وجمهورية فرنسا ممثلة بوزير أوروبا والشؤون الخارجية، حيث لا يشكل هذا الإعلان اتفاقا دوليا ملزما، ولا ينشئ بذاته أي حقوق أو التزامات قانونية، وتخضع أي ترتيبات تنفيذية لاحقة لاتفاقيات أو مذكرات تفاهم مستقلة وفق القوانين النافذة في كل بلد.
أيضاً، ضمن التفاهمات أن أعلن الطرفان نيتهما تعزيز العلاقات وفق الأولويات التالية: التعاون في المجال السياسي، والتعاون في مجال مكافحة الإرهاب، والتعاون في مجال الأمن، والتعاون في مجال الدفاع، والتعاون في مجال المحاسبة والإصلاح المؤسسي، والتبادل الاجتماعي والتنقل، والتعاون في المجال الاقتصادي والاستثماري، والتعاون في مجالي الثقافة والتراث، والتعاون في مجالي التعليم والتعليم العالي، والتعاون في ملف المفقودين.
7- إعلان نوايا بين وزير الداخلية في الجمهورية الفرنسية ووزير الطوارئ والكوارث في الجمهورية العربية السورية، بشأن التعاون في مجال الأمن المدني.
8- تحت رعاية “MEDEF International”، أعرب “مجلس الأعمال الفرنسي – السوري”، ممثلا القطاع الخاص الفرنسي، وتحت رعاية “المجلس السوري لتنسيق مجالس الأعمال”، يعرب “مجلس الأعمال السوري – الفرنسي” “CAFSY”، ممثلا القطاع الخاص السوري، عن نيتهما تعزيز التعاون الاقتصادي وتشجيع التبادل التجاري بين فرنسا وسوريا.
9- مذكرة تفاهم بين “GIDE LOYRETTE NOUEL A.A.R.P.I”، وهي جمعية محامين ذات مسؤولية مهنية فردية فرنسية مقرها باريس، وبين “هيئة الاستثمار السورية”.
10- مذكرة تفاهم بين “مصرف سوريا المركزي” و”الوكالة الفرنسية للتنمية” و”إكسبيرتيز فرانس” بشأن تقديم المساعدة الفنية لمصرف سوريا المركزي.
11- مذكرة تفاهم بين وزارة الصحة في الجمهورية العربية السورية و”إكسبيرتيز فرانس” للتعاون في مجال الصحة.
12- عقد تطوير وبناء وتشغيل ونقل ملكية الشحن الخاص بـ”مؤسسة الخطوط الجوية السورية” في “مطار دمشق الدولي”، بين شركة الخطوط الجوية وشركة “وكالة الحاويات للخدمات”.
مسار العلاقات في ربع قرن
يمكن القول إن العلاقات السورية – الفرنسية شهدت خلال ربع القرن الأخير، أي منذ بداية هذه الألفية، تحولات دراماتيكية عميقة تأرجحت بين محاولات التقارب الدبلوماسي، وفترات الصدام السياسي والقانوني الحاد بسبب جرائم النظام المخلوع وانتهاكاته على المستويين المحلي والدولي.
منذ إنجاز التحرير في 8 كانون الأول 2024 دخلت هذه العلاقات في طور جديد، بدأ بانفتاح سياسي حذر تسارعت وتيرته بصورة متدرجة، ليكتسب ثقة متبادلة باتجاه مزيد من التعاون على المستويات السياسية والأمنية والاقتصادية. هذا الانفتاح بلغ ذروته مع الإعلان عن زيارة ماكرون، والتي وصفتها وسائل الإعلام الفرنسية بالتاريخية وبأنها تشكل نقطة تحول لفتح الباب أمام شراكة استراتيجية جديدة.
ويمكن تقسيم مسار العلاقات خلال الأعوام الـ25 الماضية إلى خمس محطات رئيسية، الأولى في عام 2005 تحت عنوان “انتكاسة الحريري وبداية الجفاء”، حيث إن فرنسا في عهد جاك شيراك سعت بصورة حثيثة منذ أواخر التسعينيات إلى فتح قنوات سياسية مع نظام الأسد، إلا أن هذا المسار تعرض لانتكاسة قاصمة بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، وهي الجريمة التي تورط فيها نظام الأسد الابن المخلوع، ما دفع شيراك إلى قطع الاتصالات رفيعة المستوى مع دمشق.
ومع وصول نيكولا ساركوزي إلى الإليزيه، جرت محاولات فرنسية لإعادة نظام الأسد المخلوع إلى المسرح الدولي بعد سنوات من العزلة، لكن انطلاقة الثورة السورية عام 2011 غيرت المشهد بالكامل، حيث واجه النظام المخلوع المتظاهرين بالاعتداء والاعتقالات والقمع.
أما المحطة الثانية في عام 2011 فكانت تحت عنوان “مطالبة بشار الأسد بالتنحي”. أمام وحشية نظام بشار الأسد في مواجهة المتظاهرين المطالبين بالحرية والإصلاح السياسي والحد من الفساد، وجدت فرنسا نفسها مضطرة إلى إيقاف أي تقدم في العلاقات مع سوريا، لتسعى مع لندن، كأعضاء دائمين في مجلس الأمن الدولي، إلى استصدار قرار يدين هذه الانتهاكات. وفي 11 تموز 2011، شكل الاعتداء على السفارة الفرنسية في دمشق من قبل جماعات موالية للنظام المخلوع منعطفا حادا في العلاقات، لتزداد معه حدة التوتر والصدام.
وفي العام التالي 2012، قطعت فرنسا علاقاتها الدبلوماسية مع النظام المخلوع وأغلقت سفارتها، واتجهت إلى مسار العزل الدبلوماسي الكامل، مع دعمها فرض عقوبات مشددة في إطار الاتحاد الأوروبي، بالتوازي مع دعم الثورة السورية والمطالبة بتنحي رأس النظام.
وتحت عنوان “الملاحقة القضائية وملف الكيميائي” جاءت المرحلة الثالثة، حيث نشطت الجالية السورية والمنظمات الحقوقية الفرنسية – السورية في الدفع نحو المساءلة والعدالة، وجمدت باريس التبادلات الاقتصادية والثقافية، وأوقفت كل نشاطات المؤسسات الفرنسية في سوريا.
ومع تصاعد الملفات القضائية ضد رموز النظام المخلوع في المحافل الدولية، وقفت فرنسا إلى جانب المطالبة بالمحاسبة على الجرائم، وخاصة استخدام الأسلحة الكيميائية. ففي عام 2018، وتزامنا مع قصف دوما بالسلاح الكيميائي وتهجير أبناء الغوطة الشرقية، أطلقت باريس مبادرة دولية لمكافحة إفلات مستخدمي الكيميائي من العقاب، عبر تأسيس ما يسمى “الشراكة الدولية ضد الإفلات من العقاب لاستخدام الأسلحة الكيميائية” بمشاركة نحو 40 دولة.
في المحطة الرابعة، برزت 3 مذكرات اعتقال صدرت ضد بشار الأسد من قبل القضاء الفرنسي في تشرين الثاني 2023، وذلك بتهمة التواطؤ في جرائم ضد الإنسانية، جراء هجمات باستخدام أسلحة كيميائية محظورة ضد المدنيين قرب دمشق عام 2013. كما فتحت باريس تحقيقا في جرائم قتل ومحاولة قتل رعايا فرنسيين في آذار 2012. وفي كانون الأول 2024، تم توسيع التحقيق ليشمل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
كما أصدرت المحاكم الفرنسية مذكرتي توقيف بحق بشار الأسد، الأولى في 20 كانون الثاني 2025 بتهمة التواطؤ في جرائم حرب على خلفية قصف منطقة سكنية مدنية في درعا عام 2017، والثانية في أيلول 2025 أيضا على خلفية مقتل صحفيين، بينهم أجانب، في حمص.
أما المحطة الخامسة فتمثلت في هروب بشار الأسد إلى روسيا مع تقدم قوات الثورة باتجاه دمشق ودخولها صباح 8 كانون الأول 2024. هذا الهروب قلب كامل المشهد، حيث وجدت سوريا وفرنسا أنهما أمام فرصة تاريخية لإعادة صياغة العلاقات بعد أكثر من عقد من القطيعة والتوتر، وخاصة مع رفع سوريا الجديدة شعار الانفتاح وإعادة البلاد إلى موقعها الطبيعي على الخريطة الإقليمية والدولية.
وقد تجلت أبرز خطوات إعادة المسار الدبلوماسي بين البلدين في وصول وفد دبلوماسي فرنسي إلى دمشق في 17 كانون الأول 2024، وذلك في أول زيارة رسمية إلى مقر السفارة المغلقة منذ أكثر من عقد. ثم في مشاركة وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني في مؤتمر دولي بباريس في 13 شباط 2025، حيث ترأس الوفد السوري وعقد لقاءات مهمة، أبرزها مع نظيره الفرنسي جان نويل بارو، وقد اعتبرت مشاركته مؤشرا على عودة سوريا إلى الساحة الدبلوماسية الدولية بدعم فرنسي واضح.
تواصل رئاسي مباشر
في 7 أيار 2025، تكلل التقارب والانفتاح بزيارة الرئيس الشرع إلى باريس بدعوة من ماكرون، الذي أكد دعم بلاده لسيادة سوريا ووحدة أراضيها، وأعرب عن عزمه العمل لرفع جميع العقوبات الأوروبية، في حين أكد الرئيس الشرع حرص سوريا على توطيد أواصر الصداقة بما يخدم المصالح المشتركة للبلدين والشعبين السوري والفرنسي.
ومع الإعلان عن زيارة ماكرون إلى سوريا، يمكن القول إن حقبة القطيعة الدبلوماسية انتهت، وفق ما جاء في وسائل إعلام فرنسية تناولت خبر الزيارة باهتمام لافت، خصوصا صحيفة “La Tribune”، التي وصفت الزيارة بالتاريخية، مشيرة إلى أن ماكرون سيكون أول رئيس غربي يزور سوريا منذ سقوط النظام المخلوع، ما يعكس حجم التحول في العلاقات بين البلدين.
مها سلطان
المصدر: الثورة السورية
