ما هذه الرائحة في المكتب؟

زمن القراءة: 5 دقائق

عندما أخبرني أحد الأصدقاء أن لدى بنك «جيه بي مورجان تشيس» «رائحة مميزة خاصة به» تنتشر في مقره العالمي الجديد الفخم بشارع بارك أفينيو ظننت أنه يمزح، لكنه لم يكن، لذلك لم أفاجأ كثيراً عندما أخبرتني صديقة أخرى أنها خلال زيارة حديثة لمكاتب «جولدمان ساكس» في لندن كانت متأكدة من أنها شمت نفحة من عطر «موهافي جوست».
وهو عطر تبيعه شركة السلع الفاخرة Byredo بسعر يصل إلى 390 جنيهاً استرلينياً للزجاجة الواحدة، ويمكن تفهم سبب ملاءمته للمصرفيين الاستثماريين، فالشركة المصنعة تصفه بأنه تحية لروح صحراء موهافي الصامدة، «حيث لا تتفتح وسط المشهد الشاسع والقاحل سوى أكثر الأزهار قدرة على التحمّل».
للأسف لم أحصل إلا على رد جاف إلى حد ما عندما سألت «جولدمان ساكس» إن كانت تستخدم هذا العطر فعلاً لتعطير مقارها، فقد قال المكتب الإعلامي: «ليس لدينا أي تعليق أو توضيح إضافي بشأن هذا الموضوع».
كما رفض متحدث باسم «جي بي مورجان» تزويدي بمزيد من التفاصيل حول عطره المصمم خصيصاً، وهو أمر مؤسف، لأنني اكتشفت أنني متأخرة كثيراً عن ركب ظاهرة العطور المؤسسية المخصصة، فالشركات الكبرى حول العالم أصبحت تطور روائحها الخاصة المميزة، وأحياناً بمساعدة مكلفة وسخية.
فقد أطلقت شركة الطيران «إير فرانس» العام الماضي ما وصفته بأنه «عطر مسكي مريح» في صالاتها بالمطارات، وهو عطر صممه خبير العطور الشهير Francis Kurkdjian، ويهدف إلى إيقاظ «الإحساس بالاتساع والهدوء والخفة».
ومن وجهة نظري فإن الرائحة الأنسب للمطارات ربما تكون تلك التي تستحضر شعور الازدحام والقلق والغضب، لكنني أعجب بطموح «إير فرانس»، إن لم يكن بالاسم الذي اختارته لعطرها: «AF001»، فهذا هو رقم الرحلة التي كانت تشغلها طائرة Concorde الأسرع من الصوت بين باريس ونيويورك، قبل أن تحال إلى التقاعد.
أما شركة WeWork فقد اختارت اسماً لا يقل غرابة لمزيج من «الباتشولي المهدئ» و«الخزامى الباعث على الاسترخاء»، الذي قررت نشره في مساحات العمل التابعة لها، بهدف خلق «أجواء ترحيبية تعزز الروابط الهادفة».
يحمل العطر اسم «فيردور» (Verdure)، وهو اسم لا أستطيع رؤيته دون أن أتذكر كلمات أخرى تنتهي بالمقطع نفسه، وتستحضر الفوضى العارمة، التي ترك فيها مستثمرو «وي وورك» بعدما انهارت الشركة، التي كانت تقدر قيمتها بـ47 مليار دولار.
وانتهى بها المطاف إلى الإفلاس، وقد صمم «فيردور» حصرياً بواسطة شركة Air Aroma، التي تقول إن عملاءها يمتدون من منتجي الشمبانيا الفرنسيين إلى شركات السيارات الفاخرة، ومصنعي المعاطف الراقية.
وهذا يبدو منطقياً بالنسبة إلى الشركات الفاخرة، فهي تعمل في قطاع يمتلك قدرة استثنائية على استخراج الأموال من الأشخاص القادرين على إنفاقها.
وربما يكون الأمر منطقياً أيضاً بالنسبة إلى المتاجر، إذ تؤكد «إير أروما» أن منتجاتها «تخلق بيئات لا تنسى ومشحونة عاطفياً تجذب العملاء، وتشجعهم على البقاء لفترات أطول، وتؤدي إلى زيادة الإنفاق»، وهو أمر أستطيع تخيله إلى حد ما، لكنني أجد صعوبة في فهم سبب إصرار جهات العمل الأخرى على إغراق أنظمة توزيع الهواء لديها بالزيوت العطرية، مهما بلغت جودة تركيبها.
من الواضح أن أحداً لا يرغب في استنشاق هواء كريه في العمل، وهي مشكلة واجهها كثيرون عندما اضطروا للجلوس بجوار راكب دراجة نشيط لم يستحم، أو قرب زميل يكثر من تناول وجبات الغداء الثقيلة على مكتبه.
ويقال أحياناً، إن الهواء المعطر يجعل الموظفين أكثر هدوءاً ورضا وإنتاجية، وهو أمر أرحب به بالتأكيد، لكن هذه الادعاءات غالباً ما تصدر عن جهات مرتبطة بتسويق العطور المؤسسية، فيما تستند دراسات أخرى إلى عينات صغيرة من المشاركين.
ولا تزال تأثيرات الروائح على الموظفين مجالاً لم يدرس بما يكفي، لكن التحليلات الأوسع لما يريده العاملون فعلاً في المكاتب تظهر أن رائحة الهواء تأتي متأخرة في سلم الأولويات مقارنة بعوامل أخرى كثيرة، فالناس يريدون قبل كل شيء القدرة على إجراء مكالمة هاتفية على انفراد، أو إنجاز أعمالهم من دون إزعاج ضوضاء الزملاء في المكاتب المفتوحة.
كما يقدرون إمكانية التحكم بدرجة حرارة المكتب بأنفسهم بدلاً من الاضطرار إلى تحمل البرد القارس أو الحر الخانق، وهم يحبون كذلك الإطلالات الخارجية والضوء الطبيعي، وهي نتيجة أستطيع تأكيدها بعدما شاهدت رجالاً ونساء بالغين يبذلون جهوداً استثنائية للحصول على مكتب أقرب بمسافة قدمين فقط إلى النافذة.
ولا شك في أن جودة الهواء مهمة، لكن إحدى الدراسات الأوروبية الكبيرة أظهرت أن الرائحة جاءت في مرتبة أدنى من أهمية الهواء النقي والهواء الذي لا يجعلك تتصبب عرقاً أو تعاني من جفاف العينين.
وفي نهاية المطاف فأنا أتطلع إلى أن يقنعني أحد بأن الروائح الزهرية والمسكية إضافة حقيقية وجدية إلى حياة العمل، وحتى يحين ذلك الوقت أظن أنني سأكون سعيدة تماماً من دونها.
بيليتا كلارك
المصدر: فايننشال تايمز- ترجمة: البيان

آخر الأخبار