العالم الاقتصادي- خاص
أثبتت التجربة الماليزية في عهد مهاتير محمد أنها من أبرز النماذج التنموية في العالم المعاصر، حيث نجحت دولة نامية متعددة الأعراق والثقافات في تحقيق انتقال نوعي؛ من اقتصاد يعتمد على المواد الأولية إلى اقتصاد صناعي حديث، مع الحفاظ على قدر من الاستقرار والتماسك الاجتماعي، ولم يكن هذا التحول نتيجة عوامل اقتصادية بحتة، بل كان ثمرة مشروع سياسي متكامل؛ قادته قيادة تمتلك رؤية استراتيجية واضحة، قدرة تنفيذية عالية، وإرادة سياسية حاسمة.
في المقابل، تقف سوريا اليوم في مرحلة تاريخية مختلفة؛ تتسم بكونها مرحلة ما بعد حرب طويلة أدت إلى تآكل مؤسسات الدولة، وتدهور الاقتصاد، وتفكك البنية الاجتماعية بدرجات متفاوتة.
وفي ظل هذه الظروف، يبرز التساؤل عن إمكانية الاستفادة من التجارب الدولية الناجحة، وفي مقدمتها التجربة الماليزية، ليس بوصفها نموذجاً جاهزاً للاستنساخ، بل كمرجع تحليلي يمكن من خلاله: استخلاص الدروس، وتكييفها مع الواقع السوري.
سنحاول في هذا المقال أن نقدم قراءة متوازنة في العلاقة بين التجربتين، من خلال تحليل جوهر النموذج المهاتيري، وتفكيك خصوصية الحالة السورية، ثم سنخوض في إمكانات المقاربة وحدودها، وصولاً إلى تصور عملي لمسار تنموي سوري مستلهم من التجربة الماليزية من دون أن يكون تابعاً لها.
ماهية النموذج المهاتيري.. الدولة بوصفها مشروعاً تنموياً
لم يكن مهاتير محمد مجرد قائد تقليدي، بل كان مهندساً لمشروع وطني يقوم على إعادة تعريف دور الدولة، فقد انتقل بالدولة الماليزية؛ من كونها جهازاً إدارياً تقليدياً إلى كونها أداة استراتيجية للتنمية؛ تجمع بين: التخطيط، التنفيذ، والتوجيه.
وتجدر الإشارة هنا إلى أنه قبل تولي مهاتير محمد رئاسة الوزراء عام 1981، كانت ماليزيا دولة نامية يبلغ عدد سكانها نحو 14–15 مليون نسمة، وتبلغ مساحتها حوالي 330 ألف كيلومتر مربع، ويعتمد اقتصادها بشكل رئيس على تصدير المواد الأولية مثل المطاط، وزيت النخيل، والقصدير، مع محدودية واضحة في التصنيع.
وقد بلغ الناتج المحلي الإجمالي آنذاك نحو 25–30 مليار دولار؛ مع متوسط دخل فردي لا يتجاوز 1,500 دولار سنوياً؛ وارتفاع معدلات الفقر التي قاربت 40–50% في السبعينيات؛ إلى جانب تفاوتات اقتصادية بين المكونات الاجتماعية والضعف في البنية الصناعية.
ومع تولي مهاتير محمد رئاسة الوزراء عام 1981، وبقائه في الحكم لفترته الأولى الممتدة حتى عام 2003، ثم إطلاق “رؤية 2020” عام 1991، شهدت البلاد تحولاً جذرياً، حيث حقق الاقتصاد معدلات نمو تراوحت بين 6% و9% سنوياً، وارتفع الناتج المحلي إلى أكثر من 100 مليار دولار بحلول عام 2003، وتجاوز متوسط دخل الفرد 4,000 دولار، وانخفضت نسبة الفقر إلى أقل من 6%، بالتوازي مع توسع كبير في التصنيع، والبنية التحتية، والتعليم.
وقد ارتكز هذا النموذج على عدة عناصر مترابطة:
أولاً- الرؤية بعيدة الأمد: إذ لم تُدر السياسات في ماليزيا بمنطق رد الفعل، بل وفق تصور مستقبلي واضح، تجسد في “رؤية 2020”، التي لم تكن مجرد شعار، بل إطار ناظم للسياسات الاقتصادية والاجتماعية.
ثانياً- القيادة التنفيذية: حيث تميزت التجربة الماليزية بقدرة القيادة على تحويل الأفكار إلى سياسات، والسياسات إلى مؤسسات، والمؤسسات إلى نتائج ملموسة، وهو ما منح المشروع التنموي مصداقية واستمرارية.
ثالثاً- التكامل بين الأبعاد المختلفة للتنمية: فلم تُفهم التنمية بوصفها نمواً اقتصادياً فقط؛ بل باعتبارها عملية شاملة تشمل: التعليم، الصحة، البنية التحتية، والهوية الوطنية.
رابعاً- إدارة التعددية: حيث نجحت ماليزيا في تحويل تنوعها العرقي إلى عامل استقرار، من خلال سياسات توازن دقيقة حالت دون تحول الاختلاف إلى صراع.
خامساً- الانفتاح المدروس: حيث تم جذب الاستثمارات الأجنبية والاستفادة من التجارب الآسيوية من دون التفريط بالسيادة الاقتصادية أو الهوية الثقافية.
وبهذا المعنى، يمكن القول: إن التجربة الماليزية لم تكن معجزة اقتصادية بالمعنى التقليدي، بل كانت مشروعاً تنموياً متكاملاً.
سوريا ما بعد التحرير.. واقع معقد ونقطة انطلاق مختلفة
إذا كانت ماليزيا قد انطلقت من دولة قائمة تبحث عن تسريع التنمية، فإن سوريا تنطلق من واقع أكثر تعقيداً، حيث يتداخل إعادة بناء الدولة مع إعادة بناء الاقتصاد والمجتمع في آن واحد، ويمكن توصيف الحالة السورية من خلال ثلاثة مستويات:
المستوى الأول: التحدي المؤسسي، إذ تعاني مؤسسات الدولة من ضعف أو تفكك، ما يجعل إعادة بنائها شرطاً أولياً لأي عملية تنموية.
المستوى الثاني: التحدي الاقتصادي، يتمثل بتراجع الإنتاج، وارتفاع معدلات الفقر، ودمار البنية التحتية، وغياب الاستثمارات.
المستوى الثالث: التحدي الاجتماعي والسياسي، حيث تحتاج البلاد إلى إعادة بناء الثقة بين مكوناتها، وترسيخ صيغة سياسية جامعة تضمن الاستقرار.
إضافة إلى ذلك، تواجه سوريا بيئة إقليمية ودولية معقدة، تؤثر في قدرتها على اتخاذ القرار الاقتصادي والسياسي بحرية، وهذا يعني أن سوريا لا تواجه تحدي التنمية فقط؛ بل تواجه قبل ذلك تحدي استعادة الدولة القابلة للتنمية.
إمكانات المقاربة.. كيف يمكن الاستفادة من التجربة الماليزية؟
بالرغم من الفروق البنيوية، فإن التجربة الماليزية تقدم مجموعة من المبادئ التي يمكن تكييفها مع الحالة السورية، إذا ما أُعيد ترتيبها وفق الأولويات الواقعية.
1– بناء رؤية وطنية تنموية: يمثل وجود رؤية وطنية واضحة نقطة الانطلاق لأي مشروع تنموي، إذ توجّه السياسات وتمنحها الاتساق والاستمرارية، وفي الحالة السورية، تبرز الحاجة إلى رؤية تُخرج الدولة من منطق إدارة الأزمة إلى منطق بناء المشروع، عبر أهداف واقعية، ومرحلية، وقابلة للقياس؛ تستند إلى الموارد المتاحة؛ وتسمح بتقييم الأداء وتصحيح المسار.
2– إعادة بناء الدولة التنفيذية: نجاح التجربة الماليزية ارتبط بوجود جهاز إداري فعّال قادر على التنفيذ، وفي سوريا لا يكفي إعادة تشغيل المؤسسات، بل يتطلب الأمر إصلاحها وإعادة هيكلتها، مع تبسيط الإجراءات وربط الأداء بالمساءلة، بحيث تتحول الدولة من جهاز بيروقراطي إلى أداة تنفيذ حقيقية للسياسات.
3– الاستقرار كقاعدة للتنمية: يشكّل الاستقرار شرطاً أساسياً لأي تنمية، لكنه في سوريا يمثل أيضاً هدفاً أولياً، ولا يقتصر على الأمن؛ بل يشمل استمرارية الخدمات ووجود حد أدنى من التوافق السياسي، بما يهيئ بيئة قابلة للإنتاج والاستثمار.
4– إدارة التعددية عبر الشمول: التنوع في سوريا واقع بنيوي، وإدارته بشكل شامل تمثل شرطًا للاستقرار، ويتطلب ذلك مشاركة سياسية حقيقية، وعدالة في توزيع الموارد، وخطاباً وطنياً جامعاً، بما يمنع تحول الاختلاف إلى مصدر صراع.
5– الاستثمار في الإنسان: لا يمكن تحقيق التنمية من دون بناء رأسمال بشري مؤهل، لذا، يجب إعطاء الأولوية لإصلاح التعليم، وتطوير التدريب المهني، وربطهما باحتياجات الاقتصاد، مع الاستفادة من الكفاءات السورية في الخارج.
6– توظيف السياسة الخارجية: تتوجه سوريا حالياً إلى تحويل سياستها الخارجية إلى أداة داعمة للتنمية، من خلال: جذب الاستثمار، نقل التكنولوجيا، وفتح الأسواق، عبر علاقات متوازنة تخدم إعادة الإعمار وتدعم الاستقرار.
حدود التطبيق.. لماذا لا يمكن استنساخ التجربة؟
بالرغم من الإلهام الذي تقدمه التجربة الماليزية، فإن نقلها حرفياً إلى سوريا ينطوي على مخاطر، لأسباب عدة:
أولاً- اختلاف السياق التاريخي: ماليزيا لم تكن خارجة من حرب مدمرة بهذا الحجم.
ثانياً- اختلاف البيئة الجيوسياسية: سوريا تقع في منطقة أكثر اضطراباً وتدخلاً.
ثالثاً- اختلاف طبيعة الدولة: في ماليزيا، كانت المؤسسات قائمة، بينما في سوريا تحتاج إلى إعادة بناء.
رابعاً- اختلاف الأولويات: ماليزيا ركزت على التصنيع، بينما تحتاج سوريا أولاً إلى إعادة الخدمات الأساسية.
لذلك، فإن المطلوب ليس نسخ النموذج؛ بل إعادة إنتاج المنهج.
بين النظرية والتطبيق.. قراءة في خطوات ما بعد التحرير في سوريا
عند تحليل الإجراءات التي اتخذت بعد التحرير، يمكن ملاحظة أن الجهد الرسمي تركز بصورة واضحة على: إعادة تأسيس الإطار السياسي، وإطلاق مرحلة انتقالية أكثر استقراراً.
فعلى المستوى السياسي، تم اتخاذ خطوات مهمة، مثل إعلان مرحلة انتقالية جديدة، وإصدار إعلان دستوري، وتشكيل حكومة انتقالية، إضافة إلى التحضير لإجراء انتخابات لمجلس الشعب؛ بهدف إعادة تفعيل المؤسسات التمثيلية، وتعزيز حضورها في الحياة العامة، كما تم طُرح مسار سياسي تدريجي يمهّد لانتخابات أوسع، في محاولة لترسيخ قواعد العمل المؤسسي، وإعادة بناء الشرعية عبر أدوات دستورية وانتخابية.
هذه الخطوات تعكس توجهاً إيجابياً نحو إعادة تشغيل البنية السياسية للدولة، وتمهّد- في حال استكمالها ببرامج اقتصادية واجتماعية- لانتقال تدريجي من مرحلة التأسيس السياسي إلى مرحلة بناء مشروع وطني تنموي متكامل.
أما على مستوى الانفتاح الخارجي، فقد برز توجه نحو تخفيف التوترات الإقليمية، وتبني سياسة أكثر توازناً، وهو ما يعكس إدراكاً لأهمية البيئة الخارجية في دعم الاستقرار الداخلي، غير أن هذا الانفتاح لم يتحول بعد إلى استراتيجية اقتصادية واضحة تقوم على جذب الاستثمار أو بناء شراكات إنتاجية.
على المستوى المؤسسي، يمكن القول: إن ما تحقق حتى الآن يشكّل خطوة مهمة في إعادة تشغيل مؤسسات الدولة وتعزيز حضورها بعد سنوات من الصراع، فقد بدأت ملامح إصلاح إداري تدريجي بالظهور، مع توجه واضح نحو تطوير منظومة الحوكمة، وتحسين الأداء المؤسسي، وهي خطوات تُعدّ أساساً ضرورياً لأي عملية إعادة بناء أعمق في المستقبل.
أما اقتصادياً، فبالرغم من أن المرحلة الحالية لا تزال تتعامل مع ضغوط إدارة الأزمة، إلا أن الجهود المبذولة لتأمين الخدمات الأساسية واستقرار الأسواق تمثل قاعدة أولية يمكن البناء عليها لاحقاً لإطلاق رؤية اقتصادية وطنية أكثر وضوحاً وشمولاً عندما تتوافر الظروف الملائمة.
وبناءً على ذلك، يمكن القول: إن سوريا بعد التحرير أظهرت اتجاهاً إيجابياً يقترب في بعض جوانبه من مبادئ النموذج المهاتيري، ولا سيما التركيز على الاستقرار، والانفتاح التدريجي، وإعادة تفعيل مؤسسات الدولة، ومع أن الانتقال نحو دولة تنموية قائمة على رؤية استراتيجية، وتنفيذ مؤسسي متكامل لا يزال في بداياته، إلا أن الخطوات الحالية تشكّل أساساً يمكن تطويره للوصول إلى هذا الهدف في المراحل المقبلة.
نحو نموذج سوري خاص.. من الاستلهام إلى الإبداع
إذا كانت التجربة الماليزية تقدم مصدر إلهام مهماً، فإن التحدي الحقيقي أمام سوريا لا يكمن في تقليد هذا النموذج، بل في بناء نموذجها الخاص الذي ينطلق من واقعها المركّب، ويستفيد من التجارب الدولية من دون أن يفقد خصوصيته، فالتنمية ليست مساراً جاهزاً، بل عملية تاريخية تتشكل وفق السياق السياسي والاجتماعي والاقتصادي لكل دولة.
وفي هذا الإطار، يمكن تصور مسار تنموي سوري متدرج يقوم على ثلاث مراحل مترابطة:
المرحلة الأولى- استعادة الدولة: تمثل هذه المرحلة الأساس الذي لا يمكن تجاوزه، إذ تتركز على إعادة الحد الأدنى من وظائف الدولة، من خلال تأمين الخدمات الأساسية كالكهرباء والمياه والصحة والتعليم، تثبيت الأمن، وتعزيز حضور القانون، إلى جانب بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، فمن دون هذه المقومات، لا يمكن لأي نشاط اقتصادي أو استثماري أن يستقر أو ينمو.
المرحلة الثانية- إعادة البناء: تنتقل الدولة في هذه المرحلة من الاستقرار إلى الفعل الاقتصادي، عبر إصلاح المؤسسات العامة، وتحسين كفاءتها، وإطلاق قطاعات إنتاجية قادرة على توليد القيمة المضافة، خصوصاً في مجالات مرتبطة بإعادة الإعمار، كما تركز هذه المرحلة على جذب الاستثمارات؛ المحلية والخارجية، ضمن بيئة قانونية وتنظيمية أكثر وضوحاً واستقراراً.
المرحلة الثالثة- التحول التنموي: تمثل هذه المرحلة الأفق الاستراتيجي بعيد الأمد، حيث تسعى الدولة إلى الانتقال من اقتصاد قائم على إعادة البناء إلى اقتصاد إنتاجي متنوع، يعتمد على: التصنيع، التكنولوجيا، واقتصاد المعرفة، كما تتجه نحو الاندماج الإقليمي والدولي، ليس فقط بوصفها سوقاً، بل كشريك اقتصادي فاعل.
إن هذا المسار لا يتعارض مع التجربة الماليزية، بل يعكس إعادة ترتيب منطقي لمراحلها بما يتناسب مع الحالة السورية، حيث يسبق بناء الدولة عملية التنمية، بدل أن يتزامن معها كما حدث في ماليزيا، ومن هنا فإن جوهر الاستفادة لا يكمن في نقل النموذج، بل في استيعاب منطقه، وإعادة إنتاجه بصورة تتلاءم مع التحديات والفرص التي تميز السياق السوري.
سوريا قادرة على بناء نموذج خاص بها
تكشف تجربة مهاتير محمد أن التنمية ليست مسألة موارد فقط، بل مسألة قيادة، ورؤية، ومؤسسات، كما تُظهر أن الدول النامية قادرة على تحقيق التحول إذا ما توافرت الإرادة والقدرة التنفيذية، غير أن الحالة السورية تفرض مساراً مختلفاً؛ يبدأ من إعادة بناء الدولة قبل الانتقال إلى التنمية الشاملة، ومن هنا، فإن الاستفادة من التجربة الماليزية يجب أن تقوم على التكييف لا الاستنساخ، وعلى الإبداع لا التقليد.
إن سوريا؛ بما تمتلكه من تاريخ وموارد بشرية وموقع جغرافي، قادرة على بناء نموذجها الخاص، إذا ما نجحت في تحويل مرحلة ما بعد التحرير من لحظة انتقالية إلى نقطة انطلاق نحو مشروع وطني جامع.
وفي هذا السياق، تبقى تجربة مهاتير محمد مصدر إلهام مهماً، لا لأنها تقدم حلولاً جاهزة، بل لأنها تثبت أن القيادة الواعية؛ حين تقترن بالمؤسسات الفاعلة، يمكن أن تعيد رسم مصير الدول، وأن تحول الأزمات إلى بدايات جديدة.
