في العقود الماضية، كانت موجات الحر تُعامل باعتبارها ظاهرة موسمية مزعجة يمكن التكيف معها لبضعة أيام أو أسابيع.
أما اليوم، فقد تحولت درجات الحرارة القياسية إلى عامل اقتصادي مؤثر يعيد رسم ملامح التنمية والنمو في آسيا والمحيط الهادئ.
بينما تنشغل الحكومات بمخاطر التضخم وتقلبات الأسواق وسلاسل الإمداد، يبرز تهديد آخر أكثر صمتاً لكنه لا يقل خطورة: الحرارة الشديدة التي باتت تستنزف العمالة والبنية التحتية والإنتاجية الاقتصادية على نطاق واسع.
خطر يهدد الاقتصاد
ويحذر خبراء من أن موجات الحر لم تعد مجرد قضية بيئية أو صحية، بل أصبحت خطراً منهجياً يطال مختلف مفاصل الاقتصاد، من أسواق العمل إلى الطاقة والصناعة والزراعة، ما يجعل بناء القدرة على الصمود أمام الحرارة أولوية اقتصادية واستثمارية لا يمكن تأجيلها.
تشهد آسيا ارتفاعاً في درجات الحرارة بمعدل يقارب ضعف المتوسط العالمي، وفق تقديرات المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، الأمر الذي يؤدي إلى زيادة تواتر الظواهر المناخية المتطرفة وحدتها.
وخلال السنوات الأخيرة سجلت مدن عديدة في المنطقة درجات حرارة قياسية، ما تسبب في ضغوط متزايدة على الأنظمة الصحية والخدمات العامة والبنية التحتية.
تراجع الإنتاجية
ولا تقتصر تداعيات هذه الظاهرة على الشعور بعدم الراحة أو ارتفاع استهلاك أجهزة التكييف، بل تمتد إلى تراجع الإنتاجية وارتفاع المخاطر الصحية وتزايد الضغوط على الشركات وشبكات الطاقة.
ومع استمرار ارتفاع درجات الحرارة، تبدو آثارها الاقتصادية أكثر وضوحاً واتساعاً.
وتتفاوت قدرة المجتمعات على مواجهة هذه التحديات بشكل كبير.
فالفئات الأكثر عرضة للحرارة الشديدة غالباً ما تكون الأقل امتلاكاً للموارد التي تمكنها من التكيف معها.
وفي أنحاء آسيا والمحيط الهادئ، تؤدي موجات الحر الطويلة إلى زيادة مخاطر الجفاف وأمراض القلب والجهاز التنفسي وضربات الشمس، خاصة بين أصحاب الدخل المحدود.

الجزر الحرارية الحضرية
وتتفاقم المشكلة داخل المدن المكتظة بسبب ما يعرف بظاهرة “الجزر الحرارية الحضرية”، حيث تحتفظ المباني والطرق بالإشعاع الحراري لفترات طويلة، ما يرفع درجات الحرارة مقارنة بالمناطق المحيطة.
وفي الأحياء الفقيرة والمستوطنات غير الرسمية، تصبح الظروف أكثر قسوة نتيجة الأسقف المعدنية وضعف التهوية، ما يحول المنازل إلى بيئات خانقة خلال أشهر الصيف.
ولا تتوقف الآثار عند الجانب الصحي فقط، بل تمتد إلى الأمن الغذائي ومستويات الدخل وقدرة الأنظمة الصحية على الاستجابة.
كما تتحمل النساء أعباء إضافية خلال موجات الحر، إذ تشير التقديرات إلى أن نحو 60% منهن يشهدن زيادة في الأعمال غير المدفوعة الأجر، بما في ذلك رعاية أفراد الأسرة وتوفير المياه والغذاء.
ويبرز الوصول إلى وسائل التبريد كأحد أبرز أوجه التفاوت الاجتماعي الجديدة.
فالأسر منخفضة الدخل والعاملون في القطاع غير الرسمي غالباً ما يفتقرون إلى أجهزة التبريد الفعالة أو المساكن المصممة لمقاومة الحرارة، ما يجعلهم أكثر عرضة للمخاطر الصحية.
التحديات التنموية
ومع تصاعد حدة موجات الحر، قد يتحول هذا التفاوت إلى أحد أبرز التحديات التنموية في المنطقة، وتتحول الأزمة الصحية سريعاً إلى أزمة اقتصادية، فالعمال الذين يتعرضون لدرجات حرارة مرتفعة يفقدون جزءاً من قدرتهم على التركيز والأداء، بينما ترتفع مخاطر الحوادث والإصابات المهنية، والنتيجة هي انخفاض الإنتاجية وتراجع الدخل وارتفاع التكاليف على الشركات والاقتصادات الوطنية.
وتعد آسيا والمحيط الهادئ من أكثر مناطق العالم تعرضاً لهذه المخاطر.
ففي عام 2020، كان نحو 75% من العاملين في المنطقة معرضين لمستويات مفرطة من الحرارة، وهي نسبة أعلى من المتوسط العالمي.
ويعني ذلك أن ملايين العمال يواجهون يومياً ظروف عمل قد تؤثر سلباً في صحتهم وإنتاجيتهم.

الاقتصاد غير الرسمي
وتزداد المخاطر بالنسبة للعمال ذوي الدخل المحدود والعاملين في الاقتصاد غير الرسمي، مثل عمال البناء والباعة الجائلين وسائقي التوصيل والعاملين في الزراعة، الذين يضطر كثير منهم إلى مواصلة العمل رغم ارتفاع درجات الحرارة بسبب حاجتهم الماسة إلى الدخل.
وتشير التوقعات إلى أن قدرة العمال الذين يؤدون أعمالاً خارجية قد تنخفض بأكثر من 50% في بعض أجزاء آسيا بحلول عام 2030.
ويعد القطاع الزراعي من أكثر القطاعات عرضة للخطر، الأمر الذي يهدد ليس فقط دخول المزارعين، بل أيضاً الأمن الغذائي والصادرات والاقتصادات الريفية.
وفي دول المحيط الهادئ، تتسبب موجات الحر البحرية في تبييض الشعاب المرجانية وإلحاق أضرار بمصايد الأسماك وقطاع السياحة، وهما من الركائز الاقتصادية الأساسية للعديد من الجزر.
تراجع الكفاءة التشغيلية
ولا تقتصر التداعيات على الأعمال الخارجية.
فالعاملون داخل المصانع والمستودعات غير المجهزة بأنظمة تبريد كافية يواجهون بدورهم ظروفاً صعبة.
ومع ارتفاع درجات الحرارة داخل هذه المنشآت، تتراجع الكفاءة التشغيلية وتزداد احتمالات تعطل المعدات، ما يهدد استقرار سلاسل التوريد في قطاعات متعددة.
وعلى المدى الطويل، تتراكم هذه الضغوط لتؤثر في النمو الاقتصادي والقدرة التنافسية للدول.
وتقدر منظمة العمل الدولية أن الإجهاد الحراري قد يؤدي إلى فقدان ما يعادل 13 مليون وظيفة في اقتصادات رابطة دول جنوب شرق آسيا بحلول عام 2030.
كما قد تتكبد الصين خسائر اقتصادية تعادل نحو 2.7% من ناتجها المحلي الإجمالي بحلول عام 2060 نتيجة اضطرابات سلاسل الإمداد الصناعية المرتبطة بالحرارة.
لكن قدرة الشركات على التكيف تبقى مرتبطة بالبيئة الداعمة التي توفرها الحكومات والبنية التحتية ومؤسسات التمويل، ما يجعل المواجهة مسؤولية جماعية وليست مهمة القطاع الخاص وحده.
شبكات الطاقة
وتواجه شبكات الطاقة تحدياً متزايداً مع كل موجة حر جديدة.
فكلما ارتفعت درجات الحرارة، ازداد الطلب على الكهرباء لتشغيل أنظمة التبريد، في الوقت الذي تتراجع فيه كفاءة بعض مصادر إنتاج الطاقة نفسها بسبب الحرارة المرتفعة.
فالألواح الشمسية تفقد جزءاً من كفاءتها عندما تتجاوز الحرارة مستويات معينة، كما تواجه محطات الطاقة الحرارية صعوبات في التبريد، بينما تتعرض شبكات النقل والتوزيع لضغوط إضافية.
وينتج عن ذلك حلقة مفرغة خطيرة: ارتفاع الحرارة يزيد الاعتماد على التبريد، والتبريد يرفع الطلب على الطاقة، بينما تصبح البنية التحتية للطاقة أكثر هشاشة تحت تأثير الحرارة نفسها.
وقد تسببت موجات حر حديثة بالفعل في انقطاعات كهربائية في عدد من دول المنطقة، ما أثر في المستشفيات والشركات والمنازل.

الانبعاثات الكربونية
ورغم أن التبريد يمثل ضرورة لحماية الصحة والإنتاجية، فإنه مسؤول أيضاً عن نسبة ملحوظة من الانبعاثات الكربونية عالمياً، فيما تستحوذ آسيا والمحيط الهادئ على الجزء الأكبر من الانبعاثات المرتبطة بالتبريد.
لذلك يرى الخبراء أن الحل يكمن في التوسع في تقنيات التبريد عالية الكفاءة، وتعزيز مرونة شبكات الكهرباء، وتسريع التحول نحو مصادر الطاقة منخفضة الانبعاثات.
ولمواجهة هذه التحديات، تبرز الحاجة إلى استثمارات واسعة النطاق في البنية التحتية المقاومة للحرارة، والتخطيط الحضري الذكي، والحلول التكنولوجية القادرة على حماية المجتمعات والاقتصادات من آثار المناخ المتطرف.
كما تكتسب الشراكات الإقليمية وتبادل الخبرات أهمية متزايدة، إذ يمكن للدول الاستفادة من التجارب الناجحة وتسريع وتيرة التكيف.
وفي هذا الإطار، طوّر بنك التنمية الآسيوي أدوات تساعد المدن على تحديد المناطق الأكثر عرضة للحرارة وتوجيه الاستثمارات نحو الحلول الأكثر فاعلية.
في النهاية، لم تعد الحرارة الشديدة مجرد قضية مناخية أو موسمية، بل أصبحت تحدياً اقتصادياً شاملاً يهدد أسواق العمل والبنية التحتية وسلاسل الإمداد والنمو الاقتصادي.
ومن هنا، فإن بناء القدرة على الصمود أمام الحرارة لم يعد خياراً إضافياً أو مبادرة مسؤولية اجتماعية، بل شرط أساسي للحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والتنافسية في العقود المقبلة.
المصدر: “المنتدى الاقتصادي العالمي”
