اهتزت أسواق الطاقة العالمية خلال العقد الحالي بصدمات متتالية بدءًا من جائحة كوفيد-19، مروراً بالحرب في أوكرانيا، وصولاً إلى التصعيد الراهن في الشرق الأوسط والتهديدات المحيطة بحركة الملاحة عبر مضيق هرمز، هذه الأزمات المتلاحقة لم تكن مجرد أحداث عابرة، بل بمثابة “جرس إنذار” يجبر الدول على إعادة تقييم مخاطر الاعتماد المفرط على التدفق الحر للنفط لتشغيل محرك الاقتصاد العالمي.
اليوم، لم يعد مفهوم “أمن الطاقة” مقتصراً على تأمين براميل النفط أو أمتار الغاز، بل اتسع نطاقه ليشمل استقرار شبكات الكهرباء، تأمين سلاسل إمداد التكنولوجيا، المعادن الحيوية، والتمويل المستدام، فهل تكون الأزمة الحالية هي الفرصة الأمثل لتسريع التحول نحو الطاقة المتجددة؟

لماذا قد تسرع الأزمة التحول إلى الطاقة المتجددة؟
تبرز أزمة الطاقة الحالية – التي تعد الأسوأ في التاريخ – التكلفة الباهظة للاعتماد على استيراد الوقود الأحفوري، والذي يخلق حالة من “الهشاشة الاقتصادية”، في المقابل، أثبتت الأزمة أن الدول التي استثمرت مبكرًا في تنويع مصادر طاقتها كانت الأكثر مرونة وتحصيناً ضد صدمات الأسعار.
تعد الصين النموذج الأبرز هنا، فرغم كونها المستورد الأول للنفط عالمياً، إلا أنها نجت نسبياً من التداعيات الحادة للأزمة بفضل احتياطياتها الاستراتيجية ومعدلات التحول الكهربائي المرتفعة، حيث تمثل السيارات الكهربائية اليوم نصف مبيعات السيارات الجديدة هناك، وبالمثل، وفرت طفرة الألواح الشمسية في دول مثل فيتنام وباكستان حماية فعالة ضد تقلبات أسواق الغاز.
وعلى الصعيد العالمي، شكلت الطاقة النظيفة 90% من إجمالي قدرات التوليد الجديدة المضافة للشبكات العالمية العام الماضي، بينما تساهم طاقة الرياح والشمس حالياً بنحو 14% من كهرباء العالم.
يدرك صناع القرار أنه لا يمكن تحويل أنظمة الطاقة بين ليلة وضحاها، فبناء محطات طاقة شمسية أو رياح أو نووية يتطلب سنوات من التراخيص وتأسيس البنية التحتية، لذلك، في أوقات الأزمات الخانقة، لا تملك الحكومات ترف الاختيار بين “الطاقة النظيفة” و”التقليدية”، بل تختار ما يضمن توافر الطاقة واستمرارية الإمدادات الكهربائية.
هذا يفسر لجوء الفلبين لإعلان حالة الطوارئ في قطاع الطاقة بمجرد اندلاع الصراع في الشرق الأوسط، وتأجيل إيطاليا إغلاق محطات الفحم لعقد إضافي، وتخفيف واشنطن العقوبات عن النفط الروسي مؤقتاً، لكن يجب إدراك أن هذه التحولات هي مجرد استجابة فورية قصيرة الأجل لضغوط آنية، وليست تراجعًا دائمًا عن تحويل مسار الطاقة.

عقبات في مسار التحول
المفارقة أن الأزمة التي تدفع نحو تسريع التحول الأخضر قد تخلق في الوقت نفسه عقبات أمامه، فاضطرابات التجارة والنقل في المنطقة قد تؤثر على تدفق المواد الخام والمعادن اللازمة لصناعة الألواح الشمسية مثل الألمنيوم، كما أن ارتفاع معدلات التضخم وأسعار الفائدة يزيد تكلفة تمويل مشروعات الطاقة المتجددة التي تحتاج إلى استثمارات أولية ضخمة.
وفي الوقت نفسه، تحقق شركات النفط والغاز العالمية أرباحًا كبيرة خلال فترات ارتفاع الأسعار، ما يشجعها على ضخ المزيد من الاستثمارات في المشروعات التقليدية ذات العوائد الواضحة والسريعة، بدلًا من التحول الكامل نحو الطاقة النظيفة.
كما أنه تحت ضغط الأزمة، قد تتخذ بعض الحكومات خطوات في المسار العكسي، مؤخرًا، تجلى ذلك في إعلان البيت الأبيض تخصيص مليار دولار لشركة فرنسية للتخلي عن خطط بناء مزارع رياح بحرية، والتوجه بدلاً من ذلك نحو مشاريع الوقود الأحفوري.
أوروبا.. الأكثر حاجة إلى التغيير
ربما تكون أوروبا النموذج الأوضح على تكلفة الاعتماد على الوقود الأحفوري المستورد، فقد كشفت الحرب في أوكرانيا، ثم التوترات في الشرق الأوسط، مدى حساسية الاقتصاد الأوروبي تجاه تقلبات أسعار الطاقة العالمية.
لذلك بات تسريع الاستثمار في الطاقة المتجددة والإنتاج المحلي للكهرباء النظيفة خيارًا استراتيجيًا يتجاوز الأهداف البيئية، فكل ميجاواط جديد من الطاقة الشمسية أو الرياح يعني تقليل التعرض لصدمات الأسعار الخارجية، وتحقيق قدر أكبر من الاستقرار للأسر والشركات والمالية العامة.
أما الولايات المتحدة، بوصفها أكبر منتج للنفط في العالم وأقل اعتمادًا على الواردات النفطية من الشرق الأوسط، فهي أقل قلقاً بشأن إمداداتها المحلية، وينصب تركيزها الأكبر على كبح أسعار الطاقة العالمية التي دفعت أسعار البنزين المحلية للارتفاع وعززت المخاوف بشأن التضخم.

وبينما قد لا تُنهي أزمة مضيق هرمز عصر الوقود الأحفوري، فإنها تذكر العالم مجددًا بثمن الاعتماد عليه، وتدفع الحكومات إلى تسريع البحث عن نظام طاقة أكثر تنوعًا وأمانًا واستقرارًا، إذ يشير التاريخ، بدءًا من أزمة النفط في سبعينيات القرن الماضي وصولاً إلى الأزمات الراهنة، إلى أن صدمات الطاقة غالبًا ما تكون نقطة انطلاق لتحولات هيكلية كبرى.
المصادر: أرقام – المنتدى الاقتصادي العالمي – المركزي الأوروبي – فوربس – رويترز – بلومبرج
