العمل عن بُعد.. هل يجعل الموظفين أكثر سعادة؟

زمن القراءة: 8 دقائق

قبل 6 أعوام تقريباً، بدأت تجربة العمل عن بعد تكتسح أماكن العمل حول العالم، ورغم أنها لم تكن ظاهرة جديدة قبل الجائحة، فإن العالم لم يشهد من قبل هذا العدد الكبير من العاملين خارج المكاتب وللفترة الزمنيّة نفسها.

بعد مرور تلك الأعوام على هذه التجربة، يبرز سؤال جوهري: هل يجعل العمل عن بُعد الموظفين أكثر سعادة؟

الإجابة المختصرة هي أنه على الرغم من أن العمل من المنزل ليومين في الأسبوع يُعزز الرضا الوظيفي، ويُقلل من احتمالية استقالة الموظفين، فإنه يُمكن أن يُسبب القلق والوحدة إذا كان بصورة دائمة، كما تشير الأبحاث الأكاديمية. 

أدولفو كويفاس، الأستاذ المشارك في العلوم الاجتماعية والسلوكيّة في جامعة نيويورك، يقول: “يبدو أن هناك نقطة توازن مثالية بين العمل عن بعد والسعادة، فالعمل من المنزل لبعض الوقت يُوفر مرونة وتوازناً بين العمل والحياة، دون العزلة الاجتماعية التي قد تُصاحب العمل عن بُعد بصورة دائمة”.

لكن عند التعمق في البيانات، تبدو الصورة أكثر تعقيداً، إذ تكشف الدراسات عن الفئات الأكثر تفضيلاً للعمل عن بُعد والأقل تفضيلاً له، والأسباب وراء ذلك، إضافة إلى الكيفية التي يمكن لأصحاب العمل من خلالها تعزيز مزايا العمل من المنزل والحد من سلبياته.

فيما يلي أبرز ما تكشفه الدراسات والأبحاث حتى الآن عن تأثير العمل عن بُعد في سعادة الموظفين ورضاهم الوظيفي، بحسب صحيفة “وول ستريت جورنال”:

بعد الجائحة والإغلاقات، لم تعد علاقة الموظفين بالمكاتب كما كانت؛ فربع أيام العمل في الولايات المتحدة تنجز تقريباً من المنزل، أي ما يُعادل 3 أضعاف مستويات العمل عن بُعد قبل الجائحة، وفقاً لبيانات “Working Arrangements and Attitudes”، وهو مسح شهري عبر الإنترنت يشمل 5 آلاف موظف أمريكي يُجريه اقتصاديون من جامعة ستانفورد ومعهد “ITAM” وجامعة شيكاغو.

في الأغلب، يُعدّ هذا أمراً إيجابياً للموظفين.

نيكولاس بلوم، أستاذ الاقتصاد في جامعة ستانفورد، أجرى دراسة بحثية استمرت 6 أشهر وشملت 1612 موظفاً في شركة التكنولوجيا “Trip.com”.

قسم بلوم وزملاؤه الموظفين عشوائياً إلى مجموعتين، تعمل إحداهما 5 أيام في الأسبوع من المكتب، بينما تعمل الأخرى يومين في الأسبوع من المنزل.

كانت النتائج واضحة: تحسن الرضا الوظيفي بشكل ملحوظ لدى الموظفين الذين يعملون بنظام العمل الهجين، وانخفاض معدلات الاستقالة بمقدار الثلث.

كانت فوائد العمل الهجين قوية بشكل خاص للنساء والأشخاص الذين يقطعون مسافات طويلة للوصول إلى العمل.

يقول بلوم: “كانت التجربة ناجحة للغاية لدرجة أن الشركة عمّمت نظام العمل الهجين على جميع الموظفين”، مضيفاً أن العمل من المنزل لاقى استحسان الموظفين بفضل مرونته، وساعدهم على توفير نحو 3 ساعات أسبوعياً كانت تُهدر في التنقل اليومي.

وجدت زوي كولين، الأستاذة المشاركة في إدارة الأعمال في جامعة هارفارد، أن العاملين في قطاع التكنولوجيا في الولايات المتحدة كانوا على استعداد لقبول خفض رواتبهم 25% مقابل وظائف تتيح العمل عن بعد جزئياً أو كلياً.

كما أظهرت أبحاث بلوم أن معدلات العمل من المنزل المرغوبة تتجاوز المعدلات الفعلية، لا سيما بين النساء والعاملين الذين لديهم أطفال صغار.

العمل عن بُعد بصورة دائمة

إذا كان يومان من العمل عن بُعد يُحسنان سعادة الموظفين، فقد تميل الشركات إلى اعتماد العمل عن بُعد بصورة دائمة لتحقيق مزيد من الفوائد.

مع ذلك، تشير الأبحاث إلى أنه مع ازدياد عمل الموظفين من المنزل، تبدأ سلبيات مثل الشعور بالوحدة والقلق في التضاؤل ​​أمام فوائد المرونة.

حلل كويفاس وزملاؤه في جامعة نيويورك بيانات من مسح “Household Pulse”، وهو مسح دوري يُجريه مكتب الإحصاء الأمريكي على آلاف البالغين في الولايات المتحدة، لمعرفة تأثير العمل عن بُعد في خطر إصابة الأفراد بالاكتئاب والقلق والشعور بالوحدة.

خلص كويفاس وزملاؤه  إلى أن العمل عن بُعد لمدة تصل إلى 4 أيام في الأسبوع يُقلل بشكل طفيف من خطر الإصابة بالاكتئاب، لكن العمل عن بُعد لمدة 5 أيام في الأسبوع يزيد من خطر الإصابة بالقلق.

كما ازداد الشعور بالوحدة لدى الأشخاص الذين يعملون من المنزل 3 أيام على الأقل في الأسبوع.

التكنولوجيا الحديثة سهّلت العمل من المنزل

يرى كويفاس أن العمل من المنزل ليوم أو يومين أسبوعياً قد يحقق التوازن الأمثل بين الإنتاجية والصحة النفسية والتواصل الاجتماعي.

ويشير إلى أن العمل عن بُعد بصورة دائمة يحرم الموظفين من التفاعلات اليومية غير الرسمية التي تسهم في تعزيز الروابط الاجتماعية والشعور بالانتماء.

نقص الإبداع

قد يكون للعمل عن بُعد تأثير سلبي في الإبداع.

راجع باحثون في هولندا نشاط 112 موظفاً يعملون بنظام العمل الهجين في المملكة المتحدة، لمقارنة ما يقومون به خلال أيام العمل من المنزل وأيام العمل من المكتب.

رغم تشابه مهامهم الأساسية في الحالتين، فإنهم أمضوا وقتاً أقل في الأنشطة الإضافية، مثل مساعدة الزملاء أو طرح أفكار إبداعية، خلال أيام العمل عن بعد.

ساني فينسترا، الأستاذة المساعدة في علم النفس التنظيمي في جامعة أمستردام الحرة والمشاركة في الدراسة، قالت: إن التواصل مع الآخرين والاستفادة من وجهات نظر مختلفة عنصران أساسيان لتوليد الأفكار، مضيفة أنه “من الصعب أن يكون الشخص مبدعاً عندما يعمل بمفرده من المنزل”.

لم يكن انخفاض الأنشطة الإضافية ناتجاً عن التحديات التقنية للعمل عن بُعد فحسب، بل أيضاً الشعور بانفصال أكبر خلال أيام العمل عن بعد.

تقول فينسترا إنه كلما انخفضت التفاعلات الإنسانية وشعر الموظفون بضعف التواصل، تراجعت مستويات الرضا والانخراط في العمل.

أصبح العمل عن بعد ممكن من أي مكان في العالم

دور القادة

إذن، ما الذي يمكن للشركات فعله للاستفادة من مزايا العمل عن بُعد مع تقليل سلبياته؟

تُظهر دراسة أخرى أجرتها فينسترا أنه بإمكان القادة تعزيز شعور الذين يعملون عن بعد بالهوية المشتركة، من خلال إتاحة فرص للقاءات المباشرة بين الموظفين، ووضع قيم مشتركة للفريق بالاستناد إلى نقاشاتهم، وترسيخ هذه القيم بشكل مستمر، إضافة إلى التركيز على ما يمكن للفريق إنجازه جماعياً بدلاً من توجيه المهام بصيغة فردية.

تشير فينسترا إلى أن التحدي الأبرز أمام الشركات يتمثل في الحفاظ على هوية مشتركة بين الموظفين، رغم عمل بعضهم عن بُعد، متسائلة: كيف يمكن للشركة أو الفريق أن يحافظا على شعور جماعي بالانتماء؟

من جهته، يقول بلوم إنه ينبغي على الشركات حتى تشجيع العاملين عن بُعد بصورة دائمة على العمل في المكتب مرة واحدة على الأقل شهرياً، لكي يتمكنوا من التواصل مع زملائهم وتجنب العزلة.

من المهم أيضاً تنسيق الجداول الزمنية، بحيث يكون جميع العاملين عن بُعد والعاملين بنظام العمل الهجين في المكتب في اليوم نفسه.

جيم هارتر، كبير الباحثين في شؤون إدارة بيئات العمل في شركة “Gallup” يقول: “لا تتركوا للموظفين حريّة اختيار أيام العمل في المكتب، عليكم تنظيم أيام محددة لترسيخ ثقافة العمل الجماعي”.

يُعد الاستقرار أحد أهم عوامل سعادة العاملين عن بُعد؛ فبمجرد أن تُتيح الشركة خيار العمل عن بُعد أو العمل الهجين، يبدأ الموظفون في بناء حياتهم على أساس توقع استمراره.

وجد بلوم أن نسبة الموظفين الذين يعيشون على بُعد أكثر من 80 كيلومتراً من مكان عملهم قد تضاعفت أكثر من مرتين منذ 2020، لذا، فإن تغيير هذه السياسات فجأة قد لا يلقى قبولاً بين الموظفين.

وجدت دراسة أجرتها جامعة بيتسبرج أن الشركات التي فرضت “قرارات العودة إلى المكاتب” شهدت انخفاضاً ملحوظاً في الرضا الوظيفي.

تتجنب أفضل سياسات العمل عن بُعد فرض حلول موحدة للجميع، وتسعى إلى مراعاة تفضيلات الموظفين المختلفة.

يقول بلوم: “يفضل البعض العمل عن بُعد بصورة دائمة، ويرغب البعض الآخر في التواجد في المكتب طوال الوقت، بينما يفضل آخرون العمل بنظام هجين، إن حرية الاختيار هي ما يجعل الناس أكثر سعادة”.

المصدر: الاقتصادية

آخر الأخبار