قطاع الألبان في سوريا.. واقع الإنتاج والتحديات وفرص النهوض مع دخول الاستثمارات الإقليمية

زمن القراءة: 11 دقائق

العالم الاقتصادي- خاص

تنطلق أهمية قطاع الألبان في سوريا؛ من كونه أحد أهم القطاعات الزراعية والغذائية في البلاد، ويرتبط بشكل مباشر بالأمن الغذائي، والصحة العامة، إلى جانب أنه يشكّل مصدر دخل رئيساً لآلاف الأسر الريفية، إلا أن هذا القطاع شهد، خلال السنوات الماضية، تراجعاً كبيراً في: قدرته الإنتاجية، والبنية التحتية، ما أدى إلى نشوء فجوة واضحة بين العرض والطلب، وارتفاع في الأسعار، وتراجع في جودة المنتجات.

ومع إعلان شركة بلدناالقطرية استعدادها لدخول السوق السورية للعمل في هذا القطاع، بالتعاون مع مؤسسة التمويل الدولية (IFC)؛ يعود الحديث عن إمكانية إعادة بناء هذا القطاع الحيوي على أسس أكثر استدامة.

حجم الإنتاج.. أرقام وحقائق

يقدر إنتاج الحليب في سوريا بنحو مليوني طن سنوياً، يتوزع بين عدة أنواع من الحيوانات، ويأتي حليب الأبقار في المرتبة الأولى بإنتاج يقارب 1.15 مليون طن، أي ما يزيد على نصف الإنتاج الوطني، مع قطيع يُقدّر بنحو 800 ألف رأس، أما الأغنام، وخصوصاً سلالة العواس الشهيرة، فتنتج ما يقارب 620 ألف طن سنوياً، وهو ما يجعل سوريا من أعلى الدول عالمياً في إنتاج حليب الأغنام، اعتماداً على قطيع يتراوح بين 15 و17 مليون رأس، ويُنتج الماعز حوالي 240 ألف طن سنوياً، اعتماداً على قطيع يقدّر بنحو مليوني رأس، بينما يسهم الجاموس بنسبة صغيرة لا تتجاوز 35 ألف طن سنوياً، مع قطيع محدود يقدّر بـ 20–25 ألف رأس فقط،

وعند مقارنة هذه الأرقام بالمستويات العالمية، يتبين أن سوريا تسهم بما يقارب 0.22% فقط من الإنتاج العالمي الذي يتجاوز 930 مليون طن سنوياً، بعد العلم أن متوسط إنتاجية الحيوان في سوريا يقلّ عن المتوسط العالمي بنسبة تتراوح بين 30% إلى50%، سواء لدى الأبقار أو الأغنام أو الماعز، نتيجة ارتفاع تكاليف الأعلاف، ضعف الخدمات البيطرية، وغياب سلاسل تبريد فعّالة.

وعلى المستوى العربي، تحتل سوريا موقعاً متوسطاً بإنتاج الحليب بإنتاجها 2 مليون طن سنوياً، لكنها تتصدر الدول العربية في إنتاج حليب الأغنام تحديداً، وهو ما يمنحها ميزة نسبية مهمة؛ يمكن البناء عليها في أي خطة لإعادة تأهيل القطاع، وبالرغم من هذا التراجع الأخير، فإن الإنتاج السوري كان قد بلغ ذروته في عام 2007 بإنتاج بلغ 2.7 مليون طن، قبل أن يتأثر سلباً بتداعيات الحرب الممتدة، وما رافقها من اختلالات اقتصادية وإدارية، تراجع كبير في أعداد القطعان، وارتفاع غير مسبوق في تكاليف الأعلاف والطاقة.

وتشير البيانات إلى أن إنتاج سوريا من الحليب تضاعف بنحو ست مرات منذ عام 1961، إلا أنه فقد جزءاً كبيراً من زخمه خلال العقد الأخير؛ نتيجة الضغوط الاقتصادية واللوجستية التي أثّرت في مراحل عمل هذا القطاع؛ من الإنتاج الأولي إلى التصنيع والتسويق، بينما تكشف تقارير أخرى أن إنتاج سوريا مرشح للانخفاض في عام 2026 إذا لم تتخذ الحكومة إجراءات داعمة للقطاع، ما يعكس هشاشة البنية الإنتاجية الحالية.

تحديات بنيوية 

يعاني قطاع الألبان في سوريا من مجموعة من التحديات البنيوية المتراكمة التي تشكلت على مدى أكثر من عقد، ما أدى إلى: تراجع قدرته الإنتاجية، وتآكل دوره في الأمن الغذائي الوطني. ويمكن تلخيص أبرز هذه التحديات في خمسة محاور رئيسة:

  • تراجع أعداد القطعان: أدى الارتفاع الكبير في أسعار الأعلاف الذي تجاوز 300%، خلال سنوات الحرب، إلى خروج آلاف المربين من السوق، خصوصاً صغار المنتجين الذين يشكلون العمود الفقري للإنتاج الوطني، وقد انعكس هذا التراجع مباشرة على انخفاض إنتاج الحليب الخام، وتراجع متوسط الإنتاجية الفردية؛ بسبب سوء التغذية، وضعف الخدمات البيطرية، كما ساهمت الهجرة الريفية، وتقلّص المساحات المزروعة بالأعلاف، وارتفاع تكاليف النقل؛ في تفاقم المشكلة، ما جعل استعادة أعداد القطعان تحدياً يتطلب تدخلات مالية وتقنية متكاملة.
  • شح مراكز التجميع والتبريد: تعاني معظم المناطق الريفية من غياب شبكات تبريد فعّالة، ما يؤدي إلى هدر بنسبة الإنتاج قبل وصوله إلى مراكز التصنيع، وارتفاع في الأسعار، إذ يتحمل المستهلك في النهاية تكلفة الفاقد، كما أن ضعف البنية التحتية للتجميع؛ يحدّ من قدرة المصانع على التخطيط رفع مستويات الإنتاج، وخلق فجوات زمنية تؤثر في جودة المنتجات النهائية؛ وتالياً يقلل من قدرة القطاع على الالتزام بمعايير الجودة المطلوبة للتصدير.
  • ارتفاع تكاليف النقل والطاقة: تُعد تكاليف النقل والطاقة من أبرز العوامل التي ترفع تكلفة المنتج النهائي، ولاسيما في ظل ارتفاع أسعار المحروقات، وعدم استقرار الإمدادات، هذا الواقع؛ يقلل من القدرة التنافسية للمنتجات المحلية مقارنة بالمستوردة؛ ويحدّ من قدرة المصانع على التوسع أو تحديث خطوط الإنتاج، ما يؤدي إلى ارتفاع تكاليف التشغيل، ومن ثم، تقليص هامش الربح، ما يدفع العديد من المنتجين إلى تقليل الإنتاج أو الخروج من السوق.
  • محدودية القدرات التصنيعية: تعمل العديد من معامل الألبان الصغيرة والمتوسطة بتقنيات قديمة؛ لا تتوافق مع المعايير الحديثة للجودة والسلامة الغذائية، الأمر الذي يحدّ من فرص التصدير، ويجعل المنتجات المحلية أقل قدرة على المنافسة في الأسواق الإقليمية، في ظل غياب التكنولوجيا الحديثة، وتالياً عدم الاستجابة للطلب المتزايد على منتجات الألبان المتنوعة.
  • ضعف التمويل والدعم الفني لصغار المزارعين: بالرغم من أن صغار المزارعين هم من يشكلون النسبة الأكبر العاملة في هذا القطاع، إلا أنهم الأكثر تضرراً من (ارتفاع التكاليف وغياب التمويل)، فغياب القروض الميسّرة، ضعف الإرشاد الزراعي، وغياب برامج التدريب الحديثة؛ كلها عوامل تحدّ من قدرتهم على تحسين الإنتاجية أو تبني ممارسات أكثر استدامة، ويؤدي هذا الضعف إلى فجوة كبيرة بين (إمكانات الإنتاج الفعلية والقدرات المتاحة)، ما يجعل هذا القطاع بحاجة إلى تدخلات مؤسسية واسعة.

إلى جانب هذه التحديات، تبرز الحاجة إلى إعادة هيكلة شاملة تعتمد على مقاربة متكاملة؛ تجمع بين تطوير الإنتاج الأولي، تحديث الصناعات التحويلية، وتعزيز قدرات السوق، فالمشكلة لم تعد محصورة في انخفاض الإنتاج أو ارتفاع التكاليف، بل تتعلق بغياب منظومة متكاملة لإدارة سلسلة القيمة من المزرعة إلى المستهلك.

ويشير الخبراء إلى أن بناء هذا القطاع ليصبح قادراً على المنافسة، يتطلب: إدخال تقنيات حديثة في التغذية والتربية، تطوير نظم مراقبة الجودة، وتوسيع شبكات التجميع والتبريد؛ بما يحد من الهدر؛ ويرفع القيمة المضافة، كما أن تعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص، وتوفير حوافز استثمارية واضحة، يمثلان شرطاً أساسياً لخلق بيئة إنتاج مستدامة.

وفي هذا السياق، يمكن أن يشكل دخول شركة “بلدنا”، بالتعاون مع شركة (IFC) نقطة تحول حقيقية، ليس فقط عبر ضخ الاستثمارات، بل من خلال إدخال معايير جديدة للحوكمة والإدارة الحديثة، من شأنه أن يعيد بناء الثقة في هذا القطاع الحيوي.

دخول شركة بلدنا القطرية.. فرصة لإعادة بناء القطاع

يمثل إعلان شركة “بلدنا” القطرية عن تعاونها مع مؤسسة التمويل الدولية (IFC) خطوة مهمة نحو إعادة تقييم وبناء قطاع الألبان في سوريا، فالشركة، التي تمتلك خبرة واسعة في بناء سلاسل قيمة متكامل؛ ستعمل على تحليل العرض والطلب في السوق السورية، تقييم قدرات الإنتاج والتجميع، دراسة التحديات اللوجستية، وتحديد فرص بناء منظومة إنتاج مستدامة.

يؤكد مسؤولو الشركة أن أي استثمار مستقبلي سيعتمد على دمج صغار المزارعين في سلاسل القيمة، وهو ما يتوافق مع مبادرة AgriConnect التي تهدف إلى ربط المزارعين بـ: البنية التحتية للسوق، واستثمارات القطاع الخاص، ويعكس هذا النهج فهماً عميقاً لطبيعة السوق السورية، حيث يشكل صغار المنتجين النسبة الأكبر العاملة في هذا القطاع، لكنهم يعانون من ضعف التمويل، وغياب الدعم الفني.

يعد إعلان شركة “بلدنا” عن تعاونها مع (IFC)، وهي مؤسسة التمويل الدولية التابعة لمجموعة البنك الدولي؛ والمسؤولة عن دعم استثمارات القطاع الخاص في الدول النامية، خطوةً مهمةً نحو إعادة تقييم وبناء قطاع الألبان في سوريا، فالشركة ستعمل على: تحليل العرض والطلب في السوق السورية، تقييم قدرات الإنتاج والتجميع، دراسة التحديات اللوجستية، وتحديد فرص بناء منظومة إنتاج مستدامة.

كما أن دخول شركة (IFC) سوف يضيف عنصراً مهماً من عناصر الحوكمة، إذ تفرض المؤسسة معايير صارمة؛ تتعلق بالاستدامة البيئية والاجتماعية، بناء سلاسل توريد شفافة، وتطوير نماذج أعمال قابلة للاستمرار، ويُعد هذا النهج تحولاً نوعياً مقارنة بالأساليب التقليدية التي اعتمدت على مبادرات حكومية غير مكتملة أو غير مستدامة، إذ يضمن وجود (IFC) أن أي استثمار مستقبلي؛ سيخضع لتقييم مهني مستقل؛ ويلتزم بمعايير دولية واضحة، مع التركيز على دمج صغار المزارعين في سلاسل القيمة، بما يتوافق مع مبادرة AgriConnec.

فرص النهوض بالقطاع

إذا تطورت الدراسات الحالية إلى استثمارات فعلية، من المتوقع أن يشهد القطاع تحسناً كبيراً في ظل الدراسات الاستثمارية الفعلية في هذا المجال، بعد الأخذ في الحسبان مجموعة من المؤشرات، أبرزها رفع الإنتاج المحلي، تقليل الاعتماد على الاستيراد، تحسين جودة المنتجات عبر تحديث خطوط الإنتاج، خلق فرص عمل جديدة في الريف والمدينة، تعزيز الأمن الغذائي الوطني، وإعادة بناء سلاسل الإمداد من المزرعة إلى المصنع ومن ثم إلى السوق، وإذا نفذت هذه المسارات كلها، ضمن إطار حوكمة واضح، واستثمارات مستدامة؛ يمكن أن تعيد تشكيل صناعة الألبان في سوريا لتصبح أكثر قدرة على المنافسة، وأكثر مساهمة في دعم الاقتصاد الوطني.

 من قطاع متراجع إلى رافعة تنموية

يمر قطاع الألبان في سوريا بمرحلة حرجة، لكنه يمتلك مقومات تسمح له بالعودة إلى مستويات إنتاج قوية إذا ما توافرت له: الاستثمارات المناسبة، والدعم الفني، ويشكل دخول شركة “بلدنا” القطرية، بالتعاون مع (IFC)، إلى السوق السورية فرصةً حقيقيةً لإعادة بناء هذا القطاع الحيوي من جديد، وتحويله من قطاع متراجع إلى رافعة تنموية؛ تدعم الأمن الغذائي؛ وتخلق فرص عمل؛ وتعيد الحيوية للاقتصاد الوطني، وتالياً فإن نجاح هذا التحول يعتمد على تبني نموذج إنتاج متكامل؛ قائم على الشفافية، والاستدامة، ولاسيما إذا ما تم دمج صغار المزارعين في العملية الإنتاجية المتطورة.

آخر الأخبار