العالم الاقتصادي- خاص
تدخل دمشق– اليوم– مرحلة حساسة تتقاطع فيها الضغوط الاقتصادية مع موجة استثمارية متنامية، ما يجعل المدينة أمام فرصة تاريخية لإعادة صياغة نموذجها؛ الحضري والاقتصادي، فبعد سنوات من الحرب وتراجع الخدمات، بدأت العاصمة تشهد –بعد التحرير– اهتماماً متزايداً من المستثمرين المحليين والعرب، بالتوازي مع توسع برامج “التعافي المبكر” التي أطلقتها الأمم المتحدة في (2025–2026)، والتي ركزت على دعم: الكهرباء، المياه، النقل، والخدمات الأساسية.
وبالرغم من أن البنية التحتية في دمشق لا تزال تعاني من إرهاق واضح، فإن عودة الاستثمار ليست مجرد حدث اقتصادي، بل هي مؤشر إلى بداية مرحلة جديدة؛ يمكن أن تتحول إلى نقطة انطلاق نحو إعادة بناء المدينة إذا أُحسن التخطيط لها، وبينما يتساءل الدمشقي عن قدرة مدينته على استيعاب هذا الزخم؛ تبرز الحاجة إلى رؤية متوازنة؛ تجمع بين الواقعية والطموح؛ وتضع الإنسان في قلب عملية التنمية.
الاستثمار يعود.. والمدينة تستعيد نبضها
شهدت دمشق، خلال العام الماضي، عودة ملحوظة للنشاط الاستثماري؛ مع الإعلان عن عشرات المشاريع في قطاعات (الإسكان والسياحة والخدمات)، من أبرزها تطوير مجمعات سكنية جديدة على أطراف المدينة، ومشاريع فنادق متوسطة وعالية المستوى في المناطق المركزية، إضافة إلى مراكز تجارية حديثة، ومبادرات في مجال الطاقة الشمسية لتغذية المنشآت الخاصة، كما أظهرت تقارير اقتصادية عربية اهتماماً متزايداً من شركات خليجية بدراسة فرص الاستثمار، ولاسيما في قطاعات (الضيافة والتجزئة والطاقة).
هذا الحراك يعكس تحسناً نسبياً في البيئة الاقتصادية، وعودة تدريجية للثقة، مدعوماً بتوسع برامج الأمم المتحدة في دعم البنية الخدمية، خصوصاً مشاريع: إعادة تأهيل شبكات الكهرباء منخفضة الجهد، تحسين إمدادات المياه، وتطوير النقل الداخلي، وقد أسهم ذلك في إعادة قدر من الاستقرار الخدمي، ورفع التوقعات بإمكانية تحسين جودة الحياة في المدينة.
وبالرغم من استمرار التحديات المرتبطة بالبنية التحتية والتمويل، فإن عودة الاستثمار في حد ذاتها تمثل مؤشراً إيجابياً، إذ تؤكد أن دمشق لا تزال قادرة على جذب رأس المال، وتمتلك مقومات اقتصادية وحضرية قابلة لإعادة التفعيل والبناء عليها في مرحلة التعافي.
البنية التحتية.. تحدٍّ واقعي وفرصة للتحديث
لا يمكن إنكار أن شبكات (الكهرباء والمياه والصرف الصحي والطرق) في دمشق تعمل فوق طاقتها، وأنها تحتاج إلى تحديث شامل وعميق، إلا أن هذا التحدي، بالرغم من ثقله، يمثل فرصة نادرة لإعادة تصميم منظومة حضرية؛ أكثر كفاءة واستدامة؛ تعتمد على التكنولوجيا الحديثة؛ وتراعي النمو السكاني المتوقع، فإعادة التأهيل يجب ألا تكون ترميماً جزئياً، بل إعادة بناء ذكية؛ تدمج بين: البنية التقليدية، والحلول الرقمية.
تؤكد التجارب العالمية أن المدن التي مرت بظروف مشابهة مثل (بيروت في التسعينيات، أو سراييفو بعد الحرب، أو برلين بعد الوحدة)؛ استطاعت تحويل أزماتها إلى نقطة انطلاق نحو تحديث شامل للبنية التحتية، عبر التخطيط طويل الأمد، وربط الاستثمار بالخدمات.
ودمشق- اليوم- تقف أمام فرصة مشابهة؛ تقوم على تحديث شبكات الكهرباء، عبر إدخال الطاقة الشمسية، تخزين الطاقة، وتطوير شبكات المياه والصرف الصحي؛ باستخدام تقنيات الحد من الهدر؛ وإعادة تأهيل الطرق وفق معايير حديثة؛ إضافة إلى إدخال أنظمة نقل عام فعالة تقلل الاعتماد على السيارات؛ وبناء منظومة رقمية من أجل إدارة الخدمات الحضرية، وتحسين الاستجابة، هذه الخطوات ليست ترفاً، بل هي شرط أساسي لأي توسع استثماري ناجح ومستدام.
دبي.. الاستثمار يبدأ من الطريق
لم تبدأ دبي ببرج خليفة، بل بدأت ببناء شبكة طرق متكاملة، فقد ضخت الحكومة أكثر من 175 مليار درهم في مشاريع النقل قبل إطلاق الطفرة العمرانية، وجاء مترو دبي كعمود فقري للحركة الحضرية، ما مهّد لنجاح الأبراج والمناطق الاستثمارية، كما تبنت المدينة منظومة طاقة ذكية، حيث تشكل الطاقة الشمسية نحو 21.5% من الإنتاج؛ ما يعزز الاستدامة؛ ويخفض التكاليف على الأمد الطويل.
لوسيل.. مدينة ذكية تُبنى من الصفر
تمثل لوسيل في دولة قطر نموذجاً متقدماً للتخطيط الحضري المتكامل، بتكلفة تقارب 45 مليار دولار، حيث بدأت المدينة ببنية تحتية متكاملة تحت الأرض، شملت شبكات الطرق والأنفاق والخدمات، قبل أي تطوير عمراني، كما تم اعتماد نظام “ترام” حديث، وغرفة تحكم مركزية لإدارة (الكهرباء والمياه والأمن)، ما يعكس أهمية التخطيط المسبق في تقليل التكاليف المستقبلية، ورفع جودة الحياة.
قرطبة.. التراث كرافعة اقتصادية
في مدينة قرطبة الإسبانية؛ لم يُنظر إلى التراث كعبء، بل كأصل اقتصادي، فقد تم استثمار الإرث الأموي لتحويل المدينة إلى وجهة سياحية تستقطب ملايين الزوار سنوياً، والدرس هنا أن الحفاظ على الهوية؛ يمكن أن يتكامل مع التنمية الحديثة؛ ويشكل مصدر دخل مستداماً إذا أُدير باحتراف.
أين يجب أن تتوسع دمشق؟
إن التوسع داخل دمشق الحالية يعني مضاعفة الضغط على شبكات منهكة أصلاً، لذلك يبرز خيار التوسع المدروس خارج حدود المدينة، ولاسيما في المحاور (الغربية والجنوبية الغربية) باتجاه مناطق المعضمية والمناطق الجبلية المحيطة، كأحد الاتجاهات المحتملة للتوسع العمراني، ويتميز هذا الامتداد بقربه من مركز المدينة، وإمكانية ربطه بالبنية الطرقية القائمة، إلا أنه لا يزال بحاجة إلى رؤية تخطيطية متكاملة قبل تحويله إلى مشروع حضري فعلي.
ما الذي يمكن أن تفعله محافظة دمشق؟
يتطلب التحول الحقيقي تبني سياسات تنفيذية واضحة؛ تشمل ربط التراخيص الاستثمارية بقدرة البنية التحتية، إنشاء صندوق مخصص لتطوير الشبكات بتمويل مشترك، تحديد مناطق تنموية جاهزة لاستقبال الاستثمار، تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص في إدارة الخدمات، وبناء منظومة رقمية متكاملة لإدارة المدينة تعتمد على البيانات والشفافية، هذه الإجراءات؛ تعزز الكفاءة؛ وتحد من الهدر؛ وتخلق بيئة أكثر جاذبية للمستثمرين.
مدينة جديدة.. رؤية مختلفة
التوسع في المحور الجبلي يجب أن يؤسس لمدينة حديثة بمفهوم متكامل، تضم مركزاً حضرياً واضح المعالم، وسكناً منظماً، وخدمات متكاملة، ومساحات خضراء، وبنية تحتية متقدمة؛ تعتمد على الطاقة المتجددة، والنقل الفعال، فالفكرة الأساسية هي أن المستثمر شريك في تطوير القيمة، لا مجرد مستهلك للأرض.
مؤشرات إيجابية في العام 2026
تشير التطورات الأخيرة إلى بوادر تحسن، مع توسع برامج الأمم المتحدة في دعم (الكهرباء والمياه والتعليم والنقل)، إضافة إلى اهتمام متزايد من شركات خليجية، ولاسيما من الإمارات وقطر، إلى جانب خطط حكومية لزيادة الاعتماد على الطاقة الشمسية حتى 2030، هذه المؤشرات- بالرغم من محدوديتها- تعكس بداية مسار؛ يمكن البناء عليه إذا ترافقت مع إصلاحات أوسع.
وضوح الرؤية وحسن التنفيذ
تقف دمشق- اليوم- أمام لحظة مفصلية في تاريخها الحضري، فالتحديات كبيرة، لكنها لا تقل عن الفرص المتاحة، والاستثمار في حد ذاته ليس كافياً، بل يجب أن يُدار ضمن رؤية شاملة تربط بين: البنية التحتية، التنمية الاقتصادية، وجودة الحياة.
إن ما يُتخذ اليوم من قرارات سيحدد شكل المدينة لعقود قادمة؛ فإما سيكون نموذجاً حديثاً قادراً على استيعاب النمو، وإما امتداداً لمشكلات الماضي، ودمشق تمتلك (التاريخ والموقع والموارد البشرية)، وما ينقصها هو وضوح الرؤية، وحسن التنفيذ.
