في مقاطعة “شاندونغ” الواقعة شمال شرق الصين، وبعيداً عن أروقة شركات الطاقة العملاقة المملوكة للدولة، تدور عجلة قوى خفية تحرك ربع طاقة التكرير في ثاني أكبر اقتصاد في العالم، هناك، تنتشر أغلب مصافي النفط المستقلة الصينية، التي تُعرف باسم مصافي “أباريق الشاي” نظراً لصغر حجمها.
هذه الأباريق الصغيرة لم تكن تغلِي بالشاي، بل بالنفط الإيراني الخاضع للعقوبات الدولية، لسنوات، كانت هذه المصافي بمثابة “صمام الأمان السري” لبكين، حيث استوعبت وحدها 90% صادرات النفط الإيرانية، وكانت تحقق معادلة بسيطة: شراء النفط الرخيص وتحويله إلى وقود يلبّي احتياجات السوق المحلية، لكن الحرب في الشرق الأوسط قلبت هذه المعادلة رأسًا على عقب.
مصافٍ مستقلة
تعمل هذه المصافي التي يزيد عددها على مائة مصفاة بهوامش ربح ضئيلة للغاية، وتعتمد في استمراريتها على شراء النفط الخام الرخيص من أي مكان متاح وتحويله إلى بنزين وديزل للمقاطعات المجاورة، وتمثل مصافي مقاطعة شاندونغ ربع إجمالي طاقة التكرير في الصين تقريبًا.
تعد هذه المصافي أداة بالغة الأهمية للالتفاف على العقوبات الأمريكية، فمن خلال إسناد تجارة النفط الإيراني إلى شركات خاصة تعمل بشكل مستقل عن شركات الطاقة الصينية العملاقة المملوكة للدولة، تستطيع دعم طهران وتأمين الوصول إلى النفط الإيراني، مع الحفاظ على توازن علاقاتها مع الولايات المتحدة وقوى الشرق الأوسط.
لا يوجد دليل رسمي
وعلى الرغم من أن الصين لا تعترف رسميًا باستيراد النفط الإيراني، ولم تسجل بياناتها أي واردات مباشرة من إيران منذ عام 2023، فإن معظم هذا النفط كان يجد طريقه إلى المصافي المستقلة عبر شبكات تجارة معقدة، كما أن هذه المصافي تمتعت بمرونة أكبر من نظيراتها الحكومية، إذ لا تمتلك أصولًا كبيرة في الخارج ويمكنها تسوية معاملاتها باليوان بدلاً من الدولار.
لكن مع اندلاع الحرب وما رافقها من اضطرابات في حركة الملاحة في مضيق هرمز لفترة طويلة، تغيرت الظروف التي ازدهرت في ظلها هذه المصافي، فبينما كان النفط الإيراني يُباع قبل الأزمة بخصم يصل إلى 11 دولاراً للبرميل مقارنة بخام برنت، تقلص هذا الفارق إلى نحو دولارين فقط، بالتزامن مع ارتفاع الأسعار العالمية بشكل حاد.
وهكذا وجدت “أباريق الشاي” نفسها تدفع أسعارًا أعلى بكثير مقابل الخام الذي تعتمد عليه، ما أدى إلى تفاقم خسائرها التشغيلية.

من التشديد للتخفيف
في الأسابيع الأولى من الحرب، كانت بكين تخشى حدوث نقص في الوقود داخل البلاد، لذلك طلبت من المصافي المستقلة الحفاظ على معدلات تشغيل مرتفعة “بأي ثمن” حتى لو تكبدت خسائر، وهددت بخفض حصص استيراد النفط المخصصة لها إذا خفضت الإنتاج.
لكن بعد أشهر من الأزمة، بدأت الصورة تتغير، فالمخزونات الصينية من النفط والوقود بقيت عند مستويات مريحة، كما تراجع الطلب المحلي بفعل التوسع السريع في استخدام السيارات الكهربائية وتباطؤ بعض القطاعات الاقتصادية.
ومع استمرار الخسائر، بدأت السلطات الصينية في تخفيف القيود، وسمحت لبعض المصافي المتعثرة بخفض إنتاجها إلى مستوى لا يقل عن 80% من متوسط إنتاجها خلال العام الماضي.
نقطة تحول
انعكست هذه التطورات سريعًا على القطاع، فقد هبط متوسط معدل تشغيل المصافي الصينية خلال مايو إلى أدنى مستوى في أربع سنوات، بينما تراجعت كميات النفط المعالجة بنسبة 9.1% على أساس سنوي إلى 53.72 مليون طن.
كما انخفضت واردات الصين من النفط الخام إلى أدنى مستوياتها منذ عام 2018، بعدما أدت اضطرابات الشرق الأوسط إلى رفع تكاليف الاستيراد وتقليص الجدوى الاقتصادية للشراء.
أما في شاندونغ، القلب النابض للمصافي المستقلة، فقد انخفض متوسط معدلات التشغيل إلى نحو 51% خلال النصف الأول من حزيران مقارنة بـ53% في أيار مع استعداد عدد من المصافي لإجراء عمليات صيانة وإغلاقات مؤقتة.

إنقاذ السوق العالمية
المفارقة أن تراجع شهية الصين للنفط أسهم في تهدئة الأسواق العالمية خلال الأزمة، فعندما أُغلق مضيق هرمز واشتدت المواجهة العسكرية، توقع كثير من المحللين قفزة أسعار النفط إلى ما بين 150 و200 دولار للبرميل، وهو سيناريو كان كفيلًا بدفع الاقتصاد العالمي نحو الركود.
لكن ما حدث كان مختلفاً؛ إذ أدى الانخفاض الحاد في واردات الصين من الخام إلى تقليص الطلب العالمي، ما خفف جزءاً كبيراً من الضغوط على الأسعار، ومع دخول الأزمة شهرها الرابع، تراجع خام برنت إلى أقل من 100 دولار للبرميل رغم استمرار التوترات.
هل تعود “أباريق الشاي” إلى العمل؟
مع الإعلان عن اتفاق مبدئي بين واشنطن وطهران وإعادة فتح مضيق هرمز، بدأت بعض المصافي الصينية تدرس العودة إلى شراء النفط الإيراني، خاصة أن العديد منها لم يستورد أي شحنات جديدة منذ شهرين ويملك مخزونات تكفي لأسبوعين أو ثلاثة فقط، ومن المتوقع أن تركز هذه المصافي أولاً على الشحنات المخزنة في الناقلات القريبة من موانئ شاندونغ، والتي تُقدّر بنحو 6 إلى 7 ملايين طن متري.

غير أن السؤال الأهم لا يتعلق بالإمدادات، بل بالطلب نفسه، فهل سيعود استهلاك البنزين والديزل في الصين إلى مستوياته السابقة مع تراجع الأسعار؟ أم أن الانتشار السريع للسيارات الكهربائية غيّر المشهد بصورة دائمة؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد مستقبل “أباريق الشاي” وحدها، بل قد ترسم أيضاً ملامح سوق النفط العالمية خلال السنوات المقبلة.
المصادر: أرقام – إس أند بي جلوبال – بلومبرج – أويل برايس – معهد “أكسفورد” لدراسات الطاقة
